2026-06-18
99
حد الغيبة
إذا تحدثتُ عن شخص وهو غائب بكلام لائق، لا يمسُّ عرضه أو حقه في شيء، مثل أن أقول: فلان يرجع من السفر في اليوم الفلاني، أو فلانة تعمل في الشركة الفلانية، وهكذا، فهل هذه الأقوال تعتبر غيبة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
القول بأنَّ فلانًا يرجع من السفر في اليوم الفلاني، أو فلانة تعمل في الشركة الفلانية، ومثل هذه الأقوال لا تعتبر من الغيبة، فالغَيْبة هي كما قال النبيُّ ﷺ : «ذِكْرُكَ أخاك بما يَكْرَهُ». قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه»(1). يعني ارتكبت في حقِّه بهتانًا، افتريت عليه الكذب، وكلاهما حرام، الغيبة والبهتان.
فالغيبة ليست مجرَّد ذكر الشخص في غيبته، وإنَّما الغيبة أن تذكره بما يكرهه؛ بحيث لو سمعه آذاه وآلمه، فهذه هي الغيبة. وهذا يشمل كل كلام يسيء إلى الإنسان ويؤذيه، سواء كان يتعلق بشكله وصورته، فيقول مثلًا: هذا شكله ممسوخ، هذا الوجه الأسود، هذا أنفه كذا، أو رأسه كذا، أو هو القصير، وقد ورد أنَّ عائشة أشارت إلى أمِّنا صفيَّة بنت حيي أنَّها قصيرة، أشارت إشارة، لم تتكلَّم، ولكن قالت: يا رسولَ الله حسبك من صفيَّة أنَّها كذا وكذا. وأشارت بيدها، تعني قصيرة، فقال رسول الله ﷺ : «لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته»(2). أي: قلتِ كلمةً جديرة بأن تُعَكِّر بحرًا بأكمله.
وعائشة # لم تقل بلسانها أنَّ صفيَّة قصيرة، وإنَّما أشارت بيدها، فقط إشارة فُهِم منها أنَّها تعني أنَّها قصيرة، وفعلًا صفيَّة قصيرة، لكن حتَّى وإن كان الإنسان يتكلم عن الشخص بما فيه، فيعتبر غيبة، ما دام ذلك يؤذيه، سواء تكلم بما يتعلق بصورته وشكله وخِلقته، أو بما يتعلق بطباعه وأخلاقه وصفاته النفسية، أو بما يتعلق بلباسه وثيابه، أو ما يتعلق بأسرته وعائلته، أو ما يتعلق بحسبه ونسبه، أو حتَّى ما يتعلق بدابته، لو قال: هذه سيارة قديمة!
ما دام ما ذكر يؤذيه فهو داخل في الغِيبة، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه.
فهذه هي الغيبة، وهي ـ للأسف ـ آفة من الآفات الَّتي انتشرت بين النَّاس انتشارًا ذريعًا؛ لأنَّها سهلة على الإنسان، وفيها نوع من إشباع هوى النفس؛ لأنَّ فيها نفي الغير وإثبات الذات، فالإنسان يتسلَّى بهدم غيره، والكلام في حق غيره. وكثير من النَّاس يجعلون اغتياب الآخرين فاكهة لمجالسهم.
المهم أنَّ الكلام إذا كان بما لا يؤذي من تتحدث عنه لو قلته في حضرته، وإنَّما هو مجرَّد إخبار عنهم، فليس داخلًا في الغيبة.
إلَّا أنَّ ذلك قد يدخل في الكلام فيما لا يعني، أو في اللغو، إذا أكثر الإنسان من ذكر النَّاس بغير موجب، فهذا نخشى أن يدخل فيما لا يعنيه، وفي الحديث: «من حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعْنِيه»(3). وهذا يدخل في اللغو أيضًا، وقد مدح الله المؤمنين المفلحين بقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾[المؤمنون: 3] . فإذا لم يكن هذا داخلًا في الغيبة، فنخشى الإكثار منه أن يدخل صاحبه في لغو الكلام وفضوله، وفيما لا يعني، وهذا يُخشى أن يجرَّ الإنسان إلى الشبهات، أو إلى المكروهات، الَّتي تجرُّ بدورها إلى المحرَّمات.
(1) رواه مسلم في البر والصلة (2589)، وأحمد (8985)، عن أبي هريرة.
(2) رواه أحمد (25560)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده على شرط مسلم. وأبو داود في الأدب (4875)، والترمذي في صفة القيامة (2502) وقال: حسن صحيح. وصحَّحه الألباني في تخريج الحلال والحرام (427)، عن عائشة.
(3) رواه الترمذي في الزهد (2317) واستغربه، وابن ماجه في الفتن (3976)، وحسَّنه النووي في الأربعين (12)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (5911)، عن أبي هريرة.