2026-06-18
29
تمنِّي الموت
ماذا تقول في امرأة تصلِّي، وتدعو ربها أن يعجِّل بموتها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا ممنوع شرعًا، فالإنسان ليس من حقِّه أن يدعو ربه أن يعجِّل بموته، أو يتمنَّى الموت، فإنَّ النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: «لا يتمنَّيَنَّ أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزل به، فإمَّا محسنًا فعسى أن يزداد، وإمَّا مسيئًا فعسى أن يتوب»(1). أي أنَّ الإنسان لا ينبغي أن يستعجل الموت، ولا أن يتمنَّاه؛ لأنَّه أحد رجلين: إمَّا أن يكون من المحسنين؛ فطول عمره سيتيح له فرصة للزيادة من الإحسان، وإمَّا أن يكون مسيئًا؛ فعسى أن يهيِّئ له الله فرصةً للتوبة، يستعتب ويرجع إلى الله عز وجل، فلماذا يطلب الموت؟!
وفي حديث آخر: «فإنْ كان ولا محالة، فليَقُلِ: اللهمَّ أحيني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»(2). يدع الأمر لله، لا يختار لنفسه، فإن كانت الحياة خيرًا له، فإنَّ طول عمره خير يُطلب ويُرجى.
وجاء في الحديث: «خير النَّاس من طال عُمُره وحَسُنَ عملُهُ»(3). فلعلَّ بقاءه في الحياة فيه منفعة له، ومنفعة للناس، وإن كان الموت خيرًا له، توفَّاه الله؛ لأنَّه قد يكون، إذا طال به الأجل: ارتكب شيئًا لا تحمد عاقبته، فيترك الأمر إلى علم الله، وإلى إذن الله وإلى مشيئته.
هذا هو أدب المؤمن مع الله.
أمَّا أنَّه بمجرَّد إصابته ببلاء في الدنيا، كأنْ تُوُفِّيت له زوجة، أو بنت، أو ولد، أو نزل به مرض، يتمنَّى معه فراق الحياة، وتصبح حياته كلُّها جحيمًا، فهو الَّذِي يجعل من حياته جحيمًا؛ لأنَّ الإنسان بإمكانه أن يجعل حياته طيبة سعيدة بالرضا وباليقين، فيرضى الإنسان بما عند الله عز وجل، يرضى بقضاء الله وقدره، ويوقن بالجزاء عند الله، وهو راضٍ بيومه، موقن بغده.
هذا الرضا وهذا اليقين يعطيه الفرح والروح، والأمن النفسي، والطمأنينة الروحيَّة، هذه الَّتي قال فيها بعض السلف: «إنَّنَا نعيشُ في سعادة لو علم بها الملوك جالدونا عليها بالسيوف»(4). فهي ليست سعادة القناطير المقنطرة، ولا سعادة القصور المشيَّدة، ولكنَّها سعادة النفس.
(1) رواه البخاري في المرضى (5673)، عن أبي هريرة.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المرضى (5671)، ومسلم في الذكر والدعاء (2680)، عن أنس.
(3) رواه أحمد (20415)، وقال مُخَرِّجوه: حديث حسن. والترمذي في الزهد (2330)، وقال: حسن صحيح. والحاكم في الجنائز (1/339)، وصحَّحه على شرط مسلم، عن أبي بكرة.
(4) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (7/370)، من قول إبراهيم بن أدهم.