مشاركة المسلم غير المسلمين أفراحهم وأحزانهم

❓ مشاركة المسلم غير المسلمين أفراحهم وأحزانهم

📅 2026-06-18 👁 55 مشاهدة

نص السؤال:

ما حكم تهنئة أهل الكتاب في أفراحهم، وتعزيتهم في أحزانهم؟ وما الحكم عندما يكون هذا الكتابي جاري أو صديقي ويشاركني في أفراحي وأحزاني؟
نزار أحمد شاه خان
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأساس في معاملة أهل الكتاب وغيرهم من غير المسلمين آيتان من كتاب الله 8 في سورة الممتحنة: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[الممتحنة: 8 ـ 9].
فالذين لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا، لم ينهنا الله أبدًا أن نبرَّهم، وأن نقسط إليهم، والقسط أي العدل، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾، ليس معنى أنَّهم غير مسلمين أن نظلمهم، أو نأكل حقوقهم، لا، الله تعالى يقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. لا تحملنَّكم شدَّة بغضهم لكم، أو شدة بغضكم لهم، على عدم العدل، ﴿ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾.
فهذا هو الَّذِي أمرنا به الإسلام: العدل معهم، والبر بهم. والبر شيء فوق العدل؛ لأنَّ العدل أن تعطي كل ذي حق حقه، أمَّا البر أن تعطيه فوق حقه، وأن تتنازل عن شيء من حقك أيضًا، هذا بر، وهذا إحسان، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ﴾[النحل: 90]. فالله لم ينهنا أن نعدل معهم، ولا أن نحسن إليهم، بل ينبغي أن نحسن إليهم، واختار القرآن كلمة البر، وهي الكلمة الَّتي استعملها الإسلام مع الوالدين (بر الوالدين)، كما ورد في الحديث الصحيح، حيث سُئل النبيُّ عن أفضل الأعمال فقال: «الصلاة على وقتها». قيل: ثمَّ أيّ؟ قال: «برُّ الوالدين». قيل: ثمَّ أيّ؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله»(1).
وهذا ما كان عليه المسلمون، روى أنس بن مالك: أنَّ غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبي  ، فمرض، فأتاه النبي يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِمْ». فنظر إلى أبيه، وهو عند رأسه، فقال: أطع أبا القاسم. فأسلم، فخرج النبي من عنده وهو يقول: «الحمد لله الَّذِي أنقذه بي من النَّار»(2). وهذا عبد الله بن عمرو ذبح شاةً، فقال: أهديتم لجاري اليهودي؟ فإنِّي سمعتُ رسولَ الله يقول: «ما زال جبريلُ يوصيني بالجار، حتَّى ظننتُ أنَّه سيُوَرِّثه»(3).
وجاء في الصحيحين، أنَّ أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليَّ أُمِّي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيتُ رسولَ الله ، فقلتُ: يا رسولَ الله، قدمت عليَّ أُمِّي وهي راغبة، أفأصلُ أُمِّي؟ قال: «نعم، صِلِي أمَّكِ»(4).
فالإسلام لم يمنعنا أبدًا أن نحسن المعاملة مع زملائنا وجيراننا من غير المسلمين. فلو أنَّ أحد المسلمين يدرس في إحدى البلاد الأوربية أو الأمريكية وله زميل معه من غير المسلمين، أو المشرف الَّذِي يشرف على أطروحته العلمية من غير المسلمين، ويعامله معاملة جيدة، وفي الأعياد يهنئه، فما المانع من أن يجامله المسلم؟ قال الله تعالى:﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ[النساء: 86].
وقد رُوِي عن الشَّعْبي أنَّه قال لليهودي: عليك السلام ورحمة الله، فقيل له تقول ليهوديٍّ: ورحمة الله؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش(5)؟!
هكذا ينبغي أن نكون مع هؤلاء، أن نكون أكرم منهم، لا ينبغي أن يكونوا هم أكرم منا، هم يعاملونا بالحسنى ثمَّ نعاملهم بالسوء؟!
الإحسان لغير المسلمين بنية تحبيبهم في الإسلام:
وينبغي للمسلم أن ينوي بذلك أن يحبِّب إليهم الإسلام، ويحبِّب إليهم المسلمين؛ فلا يمكن أن ندعوهم للإسلام ونحن نجافيهم، تقابل أحدهم فتعبس في وجهه، ويدخل عليه عيده فلا تهنئه، ويموت له ميت فلا تعزِّيه، وتحصل له مصيبة فلا تواسيه! الأَوْلى إذا كنتَ تريد أن تدعوه للإسلام أن تجعل بينك وبينه شيئًا من صلة، حتَّى يستمع إليك، ويصغي لما تقول، أمَّا إذا أقمتَ بينك وبينه سدًّا، فلن يسمع لك، بل ربَّما اعتقد أنَّ المسلمين وحوش مفترسة، وقد يُصدِّق ما يُقال عن المسلمين من أنَّهم إرهابيون وأهل عنف، مع أنَّ النبيَّ أمر بالرفق، ونهى عن العنف، وقال: «إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرفقَ، ويُعطي على الرفقِ ما لا يُعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»(6). وقال : «إنَّ الرِّفْقَ لا يكون في شيءٍ إلَّا زانه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلَّا شانه»(7).
ولمَّا دخل على النبيِّ رهط من اليهود وقالوا: السام عليك. حرَّفوا الكلام، بدل أن يقولوا: السلام عليك. قالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة. فقال رسول الله  : «مهلًا يا عائشة، إنَّ اللهَ يحبُّ الرِّفْقَ في الأمر كلِّه». فقلت: يا رسولَ الله، أوَلم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله  : «قد قلتُ: وعليكم»(8). أي: هم قالوا: الموت والهلاك عليك، فقلتُ: وعليكم، أي أنا سأموت، وأنتم ستموتون، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌۭ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، الموت قضاء الله على الجميع.
فالرفق مطلوب مع هؤلاء حتَّى نقرِّبهم إلينا، ونحبِّبهم في الإسلام، وننشره فيهم، ويكون ذلك ـ إن شاء الله ـ كسبًا عظيمًا لنا ولهم.
← العودة لقسم 1- العلاقات الاجتماعية