الإسلام وضع أسس النهضة والحضارة

❓ الإسلام وضع أسس النهضة والحضارة

📅 2026-06-18 👁 57 مشاهدة

نص السؤال:

يحثُّ الإسلام على العمل، ويدعو القرآن إلى العلم، ولكنَّنا نجد في عصرنا الحاضر من المسلمين على عكس ذلك، بل نحن متأخرون من الناحية العمليَّة والعلميَّة، ولا نكاد نعرف للابتكار سبيلًا، في حين أنَّ الغرب سبقنا في هذا الميدان، والدليل التقدم العلمي الَّذي ينعمون به، فما تفسير ذلك؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الذي يسأل عنه هذا الشاب المسلم أمر واقع، وهو أنَّ المسلمين ـ للأسف ـ أصبحوا في مؤخرة الأمم، من ناحية الابتكار والاكتشاف والاختراع، وتأخرهم هذا أمر عارض في الحقيقة، ليس لطبيعة الإسلام الَّذي يدينون به، وليس لطبيعة الأمم الَّتي تدين بالإسلام، بعض النَّاس يريد أن يأخذ من هذا التأخر حجَّة أو دليلًا على أنَّ هذا التأخر من الإسلام نفسه، ويريد أن يتَّهم الإسلام بهذا، هكذا يرى بعض النَّاس من المستشرقين أو المبشِّرين المتحاملين منهم، وهناك آخرون يريدون أن يجعلوا هذا التأخر طبيعة لهذه الأمم نفسها، وأنَّها أمم متخلِّفة، وكلا الأمرين غير صحيح.
مقومات الحضارة الإسلاميَّة:
أمَّا الإسلام فهو ـ كما يقول الأخ ـ يدعو إلى العمل، ويدعو إلى العلم، ويدعو إلى كل مقومات الحضارة، وكل مقومات النهضة، الَّتي تحتاج إليها الأمم القوية، وتحتاج إليها الحضارات، كل هذه المقومات يدعو إليها الإسلام.
التخصصات العلميَّة:
إذا كانت الحضارة تحتاج إلى علم؛ فأظنُّ الكلام في أمر اهتمام الإسلام بالعلم معادًا، ويكفي أن نقول: إنَّ أوَّل آية نزلت في القرآن الكريم: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ[العلق: 1]. وليس هناك كتاب مثل القرآن رغَّب في العلم، وحثَّ عليه، وقال:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[الزمر: 9].
القرآن هو الَّذي أشاد بالعلم وبالعلماء، وأمر بالنظر والتفكير، وجعل التفكير فريضة وعبادة، أُمرنا به كما أمرنا بالصلاة والصيام، فقد أُمرنا بالنظر والتفكر في آيات كثيرة من القرآن:﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ[البقرة: 44]، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ[الأنعام: 50]، ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ[الأعراف: 185]، ﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ[يونس: 101].
ولذلك قال العقاد 5 : التفكير فريضة إسلاميَّة. وألَّف كتابًا بهذا العنوان: «التفكير فريضة إسلاميَّة»، وفعلًا التفكير فريضة إسلاميَّة، فريضة مثل الصلاة والزكاة وبر الوالدين، إلخ. فالتفكير فريضة من الفرائض، والعلم فريضة، واتفق علماء المسلمين وفقهاؤهم على أنَّ كل علم نافع لا يُستغنى عنه في دنيا المسلمين هو فرض كفاية، كعلم الطب، وعلم الرياضيات، وعلم الكيمياء، وعلم الفيزياء والبيولوجيا والجيولوجيا والهندسة، وأي علم يحتاج إليه المسلمون في الناحية العمرانية، أو في الناحية العسكرية، أو في أي ناحية من نواحي الحياة، على المسلمين أن يتقنوا هذه العلوم ويتفوقوا فيها، بحيث لا يحتاجون إلى غيرهم.
ومعنى فرض كفاية أي يجب أن يكون هناك عددٌ كافٍ من الخبراء والعلماء والمتخصصين المسلمين في كل علم من هذه العلوم، بحيث لا يحتاج المسلمون إلى غيرهم، فيحصل لهم الاكتفاء الذاتي، فموقف الإسلام من العلم أمر معلوم، إذا كان العلم يقوم على النظر والتفكير، فهذا ما دعا إليه القرآن ودعت إليه السنة.
الإحصاء والتخطيط:
إذا كان العلم يقوم على الإحصاء، فالنبي استخدم الإحصاء، أوَّلَ ما ذهب إلى المدينة بعد الهجرة، فقد روى مسلم، أنَّ النبيَّ قال: «أَحْصُوا لي كم يلفظُ الإسلامَ»(1). يريد أن يعرف قوته البشرية، لكي يستطيع أن يخطط لأموره العسكرية، وأموره الاقتصادية، ومفاوضاته مع أعدائه.. وغير ذلك.
وإذا كان العلم يقوم على التخطيط، فنجد هذا في القرآن الكريم، في قصَّة يوسف 0 : ، فقصة يوسف فيها تخطيط لخمسة عشر عامًا، ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًۭا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ٤٧ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌۭ شِدَادٌۭ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ٤٨ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌۭ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ[يوسف: 47 ـ 49]. الآن هم يخططون لخمس سنين، أو عشر سنين، هذا أقصى شيء، في قصَّة يوسف خطة خمس عشرية، وربنا سبحانه حينما يذكر هذه القصص في القرآن: لا يذكرها للتسلية، وإنَّما يذكرها للعبرة والانتفاع بها.
والذي يقرأ قصص القرآن يجد فيها عناية بالعلم، ففي قصَّة آدم نجد كيف تفوق على الملائكة بالعلم: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ٣١ قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[البقرة: 31 ـ 33]. وفي قصَّة سليمان، وكيف جاءه عرش بلقيس بواسطة رجل عنده علم من الكتاب:﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[النمل: 40].
فما تحتاج إليه النهضة من العلم، الإسلام دعا إليه، وحثَّ عليه، والنبيُّ أوَّل من قام بمشروع عملي لمحو الأمية، حين جعل فداء الأسير من أسرى بدر من المشركين: أن يعلِّم الواحد منهم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة، لا يريد منه مالًا ولا يريد منه شيئًا غير هذا، فأي تقدير للعلم فوق هذا التقدير؟!
والقرآن الكريم أقسم بالقلم، والقلم هو أداة الكتابة، ﴿نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ[القلم: 1]. ومعنى أداة الكتابة أي أداة التقدم والتعلم.
العقلية العلميَّة:
وقبل ذلك ومعه، يضع الإسلام ركنًا ركينًا من أركان النهضة العلميَّة والماديَّة، وهو تكوين العقلية العلميَّة، فهناك ما يمكن أن نطلق عليه «العقليَّة العاميَّة» أو «العقلية الخرافيَّة»، وهي الَّتي تصدِّق كل ما يُقال لها، أو يعرض عليها، ولا تضعه موضع امتحان، بل تأخذه قضية مسلَّمة، ولا سيَّما إذا جاء من قبل من تعظِّمه، مثل الأجداد والآباء، أو السادة والكبراء، فتقول: إنَّا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. أو وجدنا سادتنا على ذلك يسيرون.
وفي مقابل هذه العقلية المتَّبِعة، توجد عقلية أخرى مخالفة لها في مواصفاتها وخصائصها، وهي الَّتي عمل القرآن بآياته المشرعة والموجهة على إنشائها، وصياغتها، وإبرازها لتقوم بدورها في الحياة.
ومن المقرر المعلوم: أنَّه لا يمكن أن يزدهر العلم، وتتأصل جذوره، وتمتد فروعه، بل لا يمكن أن ينشأ علم صحيح، إلَّا في مناخ نفسي وفكري يهيئ للعقول أن تفكر، وللأفكار أن تتفتح، وللآراء أن تناقش، ولصاحب الحجة أن يدلي بحجته، وهذا ما يعمل القرآن على إيجاده في الحياة الإسلاميَّة، وبعبارة أخرى: يعمل القرآن بدعوته القوية، وبتوجيهاته المتكررة على تكوين «العقليَّة العلميَّة» المتحرِّرة، الَّتي لا ينهض علم إلَّا على عاتقها، فهو يرفض «العقليَّة الخرافيَّة»، ويرفض «العقليَّة المقلِّدة»، ويرفض «العقليَّة المتخرِّصة» ويرفض «العقليَّة المتبعة للهوى».
ومن قرأ القرآن وتدبَّره بحق وجد مقومات هذه العقلية العلميَّة مجسَّمة فيه.
وأهم سمات هذه العقلية العلميَّة أنَّها ترفض الظنَّ في كل موضع يُطلب فيه اليقين، قال 8 : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 36]، وقال: ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ ۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًۭٔا﴾ [النجم: 28]، ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]. وحقيقة الخرص ـ كما قال الراغب في «مفردات القرآن» ـ : «كل قول مقول عن ظنٍّ وتخمين يقال: خرص، سواء أكان مطابقًا للشيء، أو مخالفًا له، من حيث إنَّ صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظنٍّ ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظنِّ والتخمين، كفعل الخارص، فيخرصه، وكل من قال قولًا على هذا النحو، قد يسمَّى كاذبًا، وإن كان قوله مطابقًا للمقول المخبَر عنه»(2).
ومن أسس تكوين العقلية العلميَّة عدم اتباع الأهواء والعواطف في مجال العلم، فالهوى يُعمي ويُصم، واتباع العواطف قد يضلِّل الإنسان عن الحق، وخصوصًا العواطف الهوجاء، مثل الحب الشديد، والكره الشديد، والغضب الشديد، ولا غرو أن جاء في الحديث الصحيح: «لا يقضيَنَّ حكم بين اثنين وهو غضبان»(3)؛ لأنَّ انفعال الغضب يسد عليه منافذ الإدراك الصحيح لجوانب القضية المختلفة، فيأتي حكمه غير سليم.
ولهذا عاب القرآن على المشركين هذين الأمرين: اتباع الظن وهوى الأنفس معًا، فقال في شأن أصنامهم الَّتي اتخذوها آلهة (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى):﴿إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ[النجم: 23].
وقال الله تعالى لداود:﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ[صۤ: 26].
وقال في خطاب رسوله:﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ[القصص: 50].
ومنها رفض التقليد الأعمى للآباء والأسلاف والكبراء، يقول تعالى:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٧٠ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ[البقرة: 170 ـ 171].
وقال على لسان أهل النار:﴿وَقَالُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠[الأحزاب: 67].
العمل والإنتاج:
ودعا الإسلام إلى ما تحتاج إليه النهضة والحضارة من العمل والإنتاج، فالإسلام دعا إلى العمل الدنيوي، واعتبره عملًا صالحًا وعبادة، إذا صحَّت فيه النية، والتُزمت فيه حدود الله، ورُوعي فيه الإتقان والأمانة، قال رسول الله : «إنَّ الله يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يُتقنه»(4).
فالإسلام اعتبر العمل عبادة، واعتبره في سبيل الله، ولم يرضَ أبدًا أن يجلس الإنسان ويقعد عن طلب الرزق بدعوى التوكل على الله، أو بدعوى أنَّه متفرِّغ للعبادة؛ لأنَّه لا رهبانية في هذا الدين.
امشِ في مناكب الأرض، وتحرَّك في جوانبها، واسْعَ فيها، واطلب رزق الله، وهذا نفسه عبادة، بل جاء في الحديث عنِ النبيِّ  : «إنْ قامت الساعةُ، وبيدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإنِ استطاع ألَّا تقوم حتَّى يغرسها فليفعلْ»(5). لماذا يغرسها مع أنَّ الساعة قائمة، ولن ينتفع بها، ولن ينتفع بها أحد غيره؟ تقديسًا للعمل في حدِّ ذاته، وأن يظلَّ المسلم عاملًا منتجًا إلى النَّفَس الأخير من حياته، إلى أن يودِّع الحياة، يغرس ولو لم يأكل من غرسه أحد. فهل رأيتم دينًا يقدِّس العمل أكثر من هذا الدين؟
الصناعات المدنيَّة والعسكرية:
نحن متأخرون في الصناعة، مع أنَّ القرآن في طيات آياته يتكلم عن صناعات مختلفة، قال عن داود: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَٰتٍۢ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ ۖ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ﴾[سبأ: 10 ـ 11]. الصناعة العسكرية، اعمل دروعًا وقدِّر حلقتها، واضبطها جيدًا. وقال الله تعالى عن سليمان: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ۖ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[سبأ: 12]. صناعة مدنيَّة هي صناعة التعدين، والقطر: هو النحاس المذاب.
وتحدَّث القرآن عن صناعة السدود، عن السد العظيم الَّذي صنعه ذو القرنين:﴿ءَاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُوا۟ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارًۭا قَالَ ءَاتُونِىٓ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًۭا ٩٦ فَمَا ٱسْطَٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا﴾[الكهف: 96 ـ 97]. وبعد أن أتمَّ هذا العمل قال: ﴿هَٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى﴾[الكهف: 98]. اعتبر هذا توفيقًا من الله، أن عمل مثل هذا العمل.
وتحدَّث القرآن عن الحديد، الَّذي هو العنصر الأساس في كل صناعة حربية أو مدنيَّة، بل في القرآن سورة باسم هذا المعدن، معدن الحديد، هي سورة الحديد، يقول الله فيها: ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25]. ويذكر الحديد مقرونًا بالكتاب والميزان، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: 25]. وأشار إلى المهمَّتين الأصليتين للحديد، في الناحية السلمية والمدنيَّة، وفي الناحية العسكرية، وأهمية الحديد في الصناعة لا ينكرها أحد.
الصحة العامة:
إذا كانت النهضة تحتاج إلى الصحة العامة، فهل هناك دين دعا إلى العناية بصحة الإنسان وبدنه، حتَّى قال رسول الله : «إنَّ لجسدِك عليك حقًّا»(6). وقدم الجناية على البدن على الجناية على الدين، وتقرر عند المسلمين أنَّ صحَّة الأبدان مقدَّمة على صحَّة الأديان، ونهى عن كل ما يؤذي الجسم، من المخدِّرات والمسكرات والمفتِّرات، وحتى الإرهاق ولو كان من قِبَل العبادة، لا ترهق نفسك حتَّى بالعبادة؛ لأنَّ الجسم السليم هذا مهم جدًّا ليكون وعاءً للعقل السليم، وليكون مطيةً للإنسان ليقوم بأعبائه الدينيَّة والدنيوية، فعن أنس قال: دخل رسول الله المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين. فقال: «ما هذا؟». قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: «حُلُّوه، ليُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا كسل أو فتر قعد»(7).
النظام الاقتصادي الإسلامي:
ومن عُمُد النهضة المال، فماذا كان موقف الإسلام من المال ومن الثروة ومن الاقتصاد؟ لما أسلم عمرو بن العاص 3 ، أراد النبي أن يبعثه في سرية، فقال له: «إنِّي أريدُ أن أبعثك على جيش، فيُسلِمك الله ويُغْنِمك، وأزعبُ لك من المال زَعْبَةً صالحة»(8). قال: فقلت: يا رسولَ الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكنِّي أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله  . فقال: «يا عمرُو، نِعِمَّا بالمالِ الصالحِ للمرءِ الصالح»(9).
سيدنا عمرو ظنَّ أنَّ هذا نوع من الاتهام له، يسلمك الله ويُغْنِمك؟! وهل أسلمتُ من أجل المال؟! والله ما أسلمت من أجل المال، إنَّما أسلمتُ رغبة في الإسلام، وطلبًا لما عند الله. فقال له النبي : «يا عمرُو، نعمَّا المالُ الصالح للمرءِ الصالح».
المال نعمة، وليس نقمة، المال خير، كما سمَّاه الله تعالى في القرآن، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ[البقرة: 180]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ[البقرة: 215]. فالمال خير، وليس شرًّا، المال قوام للحياة، أو كما نقول في عصرنا عصب الحياة، ولذلك أمر الإسلام بالمحافظة على المال، ونهانا أن نعطيه السفهاء، حتَّى لا يبعثروه ذات اليمين وذات الشمال،﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا[النساء: 5].
ووضع الإسلام نظامًا اقتصاديًّا هو أعدل الأنظمة وأمثلها، فقد سلم من غلوِّ الرأسماليين، وتطرُّف الشيوعيين، نظام في الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتداول، لا يعدله نظام قط، فيه كل ما تحتاج إليه الحياة الفاضلة، الحياة السليمة، الحياة القوية، الحضارة المتكاملة، الَّتي لا تأخذ جانبًا وتنسى جانبًا، ولا تنظر إلى الحياة من جانب واحد.
الحضارة الإسلاميَّة حضارة متكاملة:
الحضارة الغربيَّة على الرغم ممَّا وصلت إليه من رفاهية وتكنولوجيا، هي حضارة عرجاء عوراء، تمشي برجل واحدة، وتنظر إلى الإنسان وإلى الحياة بعين واحدة، تنظر إلى الجانب المادي، وتنسى الجانب الروحي، ولذلك في الحقيقة هي ليست حضارة المسيح ابن مريم، إنَّما هي حضارة المسيح الدجال، المسيح الدجال أعور، وهذه حضارة عوراء، ليست حضارة متكاملة.
أمَّا الحضارة الإسلاميَّة الَّتي يريدها الإسلام فهي حضارة متكاملة، فيها الجانب الرباني، والجانب الإنساني، فيها العلم والإيمان جنبًا إلى جنب، والروح والمادة جنبًا إلى جنب، والمسجد والمصنع جنبًا إلى جنب، هذا ما يريده الإسلام.
تأخر المسلمين ناتج عن بعدهم عن الإسلام الصحيح:
فالواقع أنَّ الإسلام ليس هو المسؤول عن تأخر المسلمين، بل الحقيقة أنَّ تأخر المسلمين هو نتيجة البعد عن الإسلام الحقيقي، سوء الفهم للإسلام، وسوء التطبيق له، إنَّنا أخذنا من الإسلام قشورًا وتركنا اللباب، لو أخذنا الإسلام متكاملًا كما أخذه سلف هذه الأمة وقرونها الأولى لانتقلنا إلى ما انتقلوا إليه، ولسُدنا العالم، ولقُدنا الحياة من جديد، لكنَّنا لم نفهم الإسلام كما ينبغي.
فلذلك الذين يقولون: إنَّ التأخر بسبب الإسلام هم مخطئون، والتاريخ منذ وجد، امتداد وانكماش، انتصار وانهزام، ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. وكذا كان تاريخ المسلمين ازدهارًا وخمولًا، ومن يتتبع التاريخ يجد أنَّ الازدهار والنصر والامتداد في حياة المسلمين قرناء للتمسك بالإسلام، وأنَّ الانكماش والخمول والخمود والهزيمة ناتجة للبعد عن الإسلام، وأقصد بالإسلام: الإسلام الصحيح.
فإذا أردنا أن ننهض، فلا بدَّ أن نرجع إلى ديننا الحقيقي، ونوعِّي المسلمين بحقيقة الإسلام، وننشر الثقافة الإسلاميَّة والفكر الإسلامي السليم، وننقي عقول أبناء الأمة من الخرافة، وهذا لا بدَّ منه، حتَّى يتكوَّن فكر صحيح، يكون هو القاعدة العقائدية للأمة، كل أمة تحتاج إلى فكرة، أو ـ كما يقولون في هذا العصر ـ إلى أيديولوجية، فما هي عقيدتنا أو فكرتنا أو أيديولوجيتنا؟ الإسلام وحده، فلا بدَّ من فكر إسلامي صحيح.
التخلف ليس طبيعة الأمم المسلمة:
وكذلك التخلف ليس طبيعة هذه الأمم الَّتي تنتمي للإسلام؛ لأنَّ هذه الأمم من قبل نهضت، وأقامت الحضارة الإسلاميَّة الكبيرة المتكاملة، وقبل الإسلام هذه الأمم كانت لها حضارات، حضارة الفراعنة في مصر، وحضارة الأشوريين في بغداد، وحضارة الفينيقيين في سوريا، وحضارة الهند، فشعوب الأمة الإسلاميَّة هي منبع الحضارة في التاريخ كله، فلذلك لا ينقصنا الذكاء، فلسنا أقل ذكاءً من غيرنا، ولا أقل قدرة من غيرنا.
المسألة تحتاج إلى فهم وعزم واتحاد، أن نفهم من نحن، وماذا نريد، وإذا صدق العزم وضح السبيل، ووضع بعضنا يده في يد الآخر، وكنَّا قوَّة وكتلة، لا أقول الكتلة الثالثة في العالم، بل نستطيع أن نكون الكتلة الأولى، لأنَّ عندنا والحمد الله من الموارد الماديَّة الاقتصادية ما ليس عند غيرنا، عندنا الطاقة، والموقع، فنحن صرة العالم، عندنا الرصيد التاريخي، والقوة البشرية، فمصادر القوة ومنابعها عندنا، لا ينقصنا إلَّا أن يتحرَّك الإنسان المسلم، وأن يعي ويفهم ويريد، ويكون من وراء ذلك الخير إن شاء الله.
← العودة لقسم 1- العلاقات الاجتماعية