2026-06-18
71
شراء الرسائل العلميَّة
ما حكم قيام البعض باستخدام المال في شراء الرسائل العلميَّة، كالماجستير والدكتوراه، حيث يتم الاتفاق بين بعض الراغبين في الحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، وبين بعض مكاتب البحوث وتحقيق التراث بالدول الفقيرة، بعلم الباحثين، وبدون علمهم أحيانًا، بترشيح موضوعات، وإعداد خطط لنيل درجة الماجستير والدكتوراه، ومن ثَم القيام بكتابتها، حيث يتم توزيع فصل أو فصلين من الرسالة على كل باحث مقابل نظير مادي متفق عليه؟
وما رأيكم في قيام بعض أستاذة الجامعات أحيانًا بالاشتراك في تلك الجريمة عبر تحديد موضوع معين للراغب في شراء الرسالة العلميَّة، ومن ثم يقوم بجمع عدة فصول من رسائل تم إعدادها مسبَّقًا تتعلق بالموضوع، ويكون منها رسالة ماجستير أو دكتوراه ليبيعها للراغبين بالاتفاق معهم؟ وما أثر ذلك على تولِّي بعض هذه النوعيات، من الحاصلين على تلك الرسائل: مناصب قيادية في الدول الَّتي ينتمون إليها؟ نرجو التوضيح لتلك القضية من سيادتكم من زواياها المختلفة.. حفظكم الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ هذه المسألة من المسائل الَّتي تؤرق وتحزن، يشتري أحدهم البحث أو الرسالة العلميَّة، ليذهب إلى بلده، ويصبح الشيخ أو الأستاذ الدكتور فلان، أو يتصدر لمنصب لا يمتلك القدرة على القيام بأعبائه.
فلا فرق بين من يبيع علمه بأن يكتب بحثًا أو رسالة لطالب يحصل بها على لقب علمي، وبين من يبيع عضوًا من أعضائه، فهذا يبيع كليته وأنت تبيع عقلك.
والطالب الَّذي يحصل على درجة علميَّة لا يستحقُّها ويُقدِّم بحثًا أو رسالة علميَّة لم يكتبها، بل كتبت له: غاشٌّ، وعمله هذا عين الغش، و«مَن غشَّنا فليس منَّا»(1)، والأموال الَّتي يدفعها حرام على دافعها، وعلى آكلها.
وهذه الدرجة يتوقع أن تخوِّل حاملها لممارسة أدوار علميَّة وعمليَّة مميزة، تتمثل في ممارسة عمليَّة التدريس، وإعداد شباب الأمة إعدادًا علميًّا وعمليًّا للمساهمة في تنمية بلادهم، والمحافظة على مكتسباتها المختلفة، كما يتوقع أن يقوم حاملو الدكتوراه إضافةً إلى التدريس بالاضطلاع بمهمة البحث العلمي، الَّذي يمكِّنهم من إثراء المعارف العلميَّة في التخصص الَّذي ينتمون إليه، ويُناط بهم كذلك الإشراف العلمي على طلاب الدراسات العليا أثناء إجرائهم لبحوث الماجستير والدكتوراه، كما يتوقع منهم إلقاء المحاضرات العامة، وعقد الندوات واللقاءات العلميَّة، وتولي المناصب العلميَّة والعمليَّة، إلخ؛ فضلًا عن أنَّ حامل شهادة الدكتوراه أو الماجستير ينظر له الجميع نظرة تقدير وإجلال، فكل هذا يجعل ما يقوم به البعض من البحث عمَّن يكتب له مقابل أجر مادي، ما هو إلَّا عمليَّة تزييف وخداع للنفس، قبل أن يكون خداعًا للمجتمع.
ومن أمانة العلم أن يُنسب القول لمن قاله، ولا يستفيد من الغير، ثم يسند الفضل إلى نفسه، فإنَّ هذا لون من السرقة، وضربٌ من الغشِّ والتزوير.
أمَّا حكم القائم أو القائمين بالبحث، فهم مُعِينون له على الكذب والغش، ومساعدون على منح الشهادات والدرجات لمن لا يستحقها؛ لأنَّ عملهم قائم على الغش والخداع، وأكل المال بالباطل، والتعاون على الإثم والعدوان؛ لأنَّ مقصود تلك الجهات العلميَّة والأكاديمية الَّتي تمنح الترقيات والدرجات العلميَّة: تمرين الباحثين على مهارات البحث واختبار قدراتهم، فالقيام بهذا عنهم من الفساد العام، وما يحصل عليه من يقوم بهذا من مال هو سحت حرام، يمنع إجابة الدعاء، والنبي ﷺ يقول: «إنَّه لا يدخل الجنَّة لحمٌ نبت من سُحْتٍ، النَّار أولى به»(2).
وأكثر أهل العلم والقانون وغيرهم على أنَّه لا يجوز التنازل عن الحق الأدبي، ولا زلنا نسمع عن مؤلفات أو مخترعات من مئات السنين، منسوبة إلى أصحابها، ولا تزال أسماؤهم مقرونة بها.
لذا فإنَّه لا يجوز للمؤلف التنازل عن نسبة ما أنتجه من جهد عقلي وعلمي، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينتحل جهد غيره، فينسبه إلى نفسه، سواء كان بموافقته أم بدونها، فإنَّ هذا بلا شك نوع من الكذب والخيانة والتلبس بثياب الزور، قال الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ﴾ [آل عمران: 188]. والنبي ﷺ يقول في الحديث المتفق عليه: «المتشـبِّع بما لم يُعـطَ كلابس ثوبَيْ زُور»(3). وهم داخلون في قوله ﷺ : «ومن ادَّعى ما ليس له فليس منَّا، وليتبوَّأْ مقعدَه من النَّار»(4).
قال النووي 5 : «وفي الحديث تحريم دعوى ما ليس له في كلِّ شيء، سواء تعلَّق به حقٌّ لغيره أم لا»(5). وقال بعض السلف: من بركة العلم أن يُسند إلى قائله.
وأخشى على الَّذي تولَّى عملًا يحتاج إلى شهادة أو بحث، فاشتراه من غيره ليحصل على الشهادة أو اللقب العلمي: أن يَحرُم عليه ما كسبه من وراء ذلك.
وأحبُّ أن أوضح أنَّ هناك صورة أخرى تختلف عن هذه الصورة الَّتي هي عين الغش والتدليس، وهي صورة معاونة بعض التلاميذ للعالِم، بجمع المادة العلميَّة في المسألة، لضيق وقته، وكثرة أعبائه، وازدحام الأمور عليه، ثم يقوم هو بنفسه بتحرير المسائل، والترجيح والنظر في الأدلة، والمناقشة للأقوال المتباينة، والاجتهاد في الموضوعات المتعددة، وفق أصوله الَّتي يعتمد عليها في مناقشة القضايا المختلفة، بما يدل على أنَّه عالم ومتمكن من البحث.
ويشترط لجواز هذه الصورة ألَّا يُبنى على هذا البحث درجة علميَّة، أو ترقية وظيفية يشترط فيها أن يقوم الباحث بالعمل بنفسه؛ لمنافاته حينئذٍ مع المقصود من البحث، وهو إظهار قدرة الباحث على البحث، وإظهار وتبيين إبداعه.
ونظرًا لضعف الهمم، وهشاشة الإعداد العلمي لطلاب الدراسات العليا غالبًا، فلعل من المفيد أن ننشئ مؤسسات تُعنى بالاستشارات العلميَّة والبحثية، بحيث يأتي الراغب في عمل رسالة جامعية إلى هذه المؤسسة، فيجد المستشار الشرعي، والمستشار اللغوي، والمستشار القانوني، والمستشار العلمي، إلى غير ذلك من التخصصات، بشرط أنَّ من سيقوم بهذا العمل لا تتعدى حدود عمله حدود المشرف على الرسالة: النصح، والتوجيه، وتمهيد الطريق، بينما يقوم الباحث بإعداد رسالته بنفسه.
(1) رواه مسلم في الإيمان (101)، وأحمد (7292)، عن أبي هريرة.
(2) رواه أحمد (14441)، وقال مخرِّجوه: إسناده قوي على شرط مسلم. والترمذي في السفر (614)، وقال: حسن غريب. وابن حبان في الصلاة (1723)، عن جابر بن عبد الله.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في النكاح (5219)، ومسلم في اللباس والزينة (2130)، عن أسماء بنت أبي بكر.
(4) رواه مسلم في الإيمان (61)، وأحمد (21465)، عن أبي ذر.
(5) شرح النووي لمسلم (2/50).