2026-06-18
13
الاحتفال بليلة القرنقعوه وما يُرسم أو يُطبع على الحقائب والملابس من الصور
أنا امرأة مسلمة وأخاف الله كثيرًا، وأحاول تجنُّب ما نهى الشرع عنه، ولكنِّي الآن في حيرة من أمر يمس عاداتنا وتقاليدنا، كما تعلم أنَّ النَّاس هنا في قطر وفي بلاد الخليج عامَّة تعوَّدوا الاحتفال بليلة القرنقعوه، وهي ليلة النصف من رمضان الكريم، يخرج فيها الأطفال إلى بيوت الجيران، يهزجون بالأهازيج الجميلة، ويلبسون الثياب الجديدة، وأكياسًا يضعون فيها ما يجمعون من الحلوى والمكسرات الَّتي يعطيهم الجيران إياها، وهذه عادة قديمة توارثناها جيلًا عن جيل، ومناسبة يفرح الأطفال والكبار بها.
ومنذ عدة سنوات كنت أقوم بخياطة أكياس الأطفال الَّتي يستخدمونها في جمع الحلوى والمكسرات مقابل مبلغ بسيط، فهل هذا المبلغ حلال أو حرام؟ علمًا بأنِّي أخيط على هذه الأكياس صورة لرأس حيوان أو إنسان بدون جسم، فقيل لي مؤخَّرًا: إنَّ رسم هذه الصور على الأكياس حرام، فأسرعت بالاتصال بمركز الدعوة والإرشاد، فكان الردُّ أنَّ الاحتفال بالقرنقعوه حرام، ويجب علينا نحن المسلمين الابتعاد عنه وعن المشاركة فيه؛ لأنَّه بدعة.
والآن يا فضيلة الشيخ أريد رأيكم في هذا الأمر، وإذا كان هذا الاحتفال بدعة محرَّمة، فلماذا لم تعلنوا ذلك على النَّاس ليمتنعوا عنه؟
(م. ر. م. س)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أنا أخالف الإخوة في الدعوة والإرشاد في اعتبار الاحتفال بالقرنقعوه بدعة دينيَّة، هو يصبح بدعة إذا كان من يفعله: يفعله تديُّنًا، يفعله بنية العبادة؛ لكنَّ الواقع أنَّ من يحتفل به لا يحتفل به على أنَّه عبادة، بل هم يعتبرونه عادة من العادات، تفريحة من التفريحات، فلو فعلوا ذلك تعبُّدًا لقلنا: لا، هو حرام؛ لأنَّ الأصل في العبادات التوقيف، لكن هذه عادة مثل عادة عمل الفوانيس في بعض البلاد في رمضان للأولاد، وكنَّا ونحن صغار نحمل الفوانيس، وندور على الجيران والأقارب، ونفرح بها.
فهذه الأشياء ليس لها علاقة بالعبادات، هي عادات يختلف فيها الناس، بعض البلاد يحتفلون بالقرنقعوه، وبعضها بأن يحمل الصغار الفوانيس، وبعضها بإضاءة المآذن، وتزيين البيوت والشوارع، كلُّها علامات فرح من الأمة بشهر رمضان، ورمضان جعله الله شهر فرحة. يقول رسول الله ﷺ : «للصائم فرحتان يفرحُهما: إذا أفطرَ فرح بفطره، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه»(1).
فهذا شهر فرحة للصغار وللكبار، فمن أجل هذا اخترع أهل الخليج هذه العادة، وهي عادة ليست في غير الخليج، فيما أعلم.
بعض النَّاس يقول: إنَّها عادة غير طيبة، فالأطفال يتعوَّدون على مسألة الناس. وأنا أقول لهم: لا يُنظر إليها بهذه النظرة الرزية، فالأطفال في هذه الليلة يفعلون ذلك، من قبيل اللعب والفرح والسرور والابتهاج بهذه الليلة، الَّتي ينتظرونها كل عام، يخرج كل الأطفال حتَّى أولاد الأغنياء والأثرياء في الاحتفال بتلك الليلة، والناس يشاركونهم فرحتهم، فيتركون الأبواب مفتَّحة ليدخلوا عندهم، فيعطونهم الحلوى والمكسرات، ومن لم يكن عنده الحلوى والمكسرات أعطاهم النقود، لكن أنصح أن تكون الحلوى والمكسرات الَّتي تعطى للأولاد نظيفة من أحسن وأجود الأنواع!
وإدخال السرور على قلب الإنسان المسلم، من أحبِّ الأعمال إلى الله عز وجل، قال رسول الله ﷺ : «أحبُّ النَّاس إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم»(2). فكيف بإدخال السرور على هؤلاء الأطفال؟
ولعل هذه الفرحة في ليلة النصف من الشهر نوع من التعبير عن الفرح والشكر لله أنَّنا صمنا وقمنا نصف أيام هذا الشهر، فينبغي أن ننظر لهذا الأمر هذه النظرة، ولا نقول: إنَّه بدعة. لأنَّه من يفعل هذا الأمر لا يفعله تعبدًا، وإنَّما يفعله عادةً.
وينبغي أن نقصر البدع على الأمور التعبدية، أمَّا الأمور العادية، فللناس أن تخترع العادات، النَّاس في عهد النبي ﷺ ما كانوا يعرفون المُنخُل، الَّذي ينخل به دقيق القمح والشعير، كانوا يذرونه في الهواء، ثم اخترعوا المُنخُل ليأخذوا الناعم من الدقيق، فهل نعتبر المناخل هذه بدعة؟!
ونحن في عصرنا اخترعنا أشياء ما كان للسلف بها من علم، ولم تخطر لهم على بال، فهل هذه بدعة؟ هل الغسالة بدعة؟ والثلاجة بدعة؟ والمكيف بدعة؟ وركوب السيارة بدعة؟ واستخدام التليفون بدعة؟ لو قلنا هذا، لكانت حياتنا مليئة بالبدع، فالبدع تكون فيما قصد به التعبد لله تعالى في العبادات، فالأصل في العبادات الاتباع والتوقيف، وفي أمور الدُّنيا الابتداع.
وأمَّا بالنسبة للتصوير الَّذي تصوِّره الأخت على الأكياس والحقائب، الَّتي يجمع فيها الأطفال الحلوى والمكسرات ليلة القرنقعوه؛ بعض العلماء يكرهون هذه الصور، ولكنِّي لا أرى الكراهة في صورة رأس بقرة أو كذا، خصوصًا صورة الحيوانات الَّتي يألفها الأولاد، وهي صور غير كاملة، صورة رأس، فحتى الذين كرهوا الصور ومنعوها قالوا: أن تكون صورة لما يعيش به الإنسان أو الحيوان، فالرأس وحده أو الجسد وحده لا يعيش به الإنسان، والأولى من ذلك أن تصوِّر لهم شجرة أو وردة أو زهرة، أو مركب أو نحو ذلك خروجًا من الخلاف، أو أن تكون مطبوعة لأنَّ الطباعة ليست رسمًا، وليست من التصوير المحرَّم، بل هي عكوس (أي عكس للصورة) كما يسمِّيها النَّاس في الخليج. وفي حديث عُبَيْد الله الخَوْلاني عن زيد بن خالد: «إلَّا رقمًا في ثوبٍ»(3).
(1) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151)، كلاهما في الصوم، عن أبي هريرة.
(2) سبق تخريجه صـ 35.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (5958)، ومسلم (2106)، كلاهما في اللباس والزينة، عن أبي طلحة.