اكتشاف خريطة الجينات البشرية وموقف الإسلام

❓ اكتشاف خريطة الجينات البشرية وموقف الإسلام

📅 2026-06-22 👁 91 مشاهدة

نص السؤال:

لا شكَّ أنَّكم تابعتم الخبر العلميَّ الَّذي شغل العالم في الأيام الماضية. وأذاعته كافَّة المحطات الإذاعيَّة والتلفزيونيَّة؛ وقد تصدَّر الخبر صدر الصفحات في صحف العالم.
ونظرًا لأهمية الخبر فإنَّ رأي الدِّين لا يقلُّ أهمية في هذا الموضوع. والعالم الإسلامي يفخر بجهودكم الطيِّبة المخلصة وسعيكم المستمرِّ من أجل خير الإسلام والمسلمين. جزاكم الله كل خير وأطال عمركم ومتَّعكم بالصحة والقوة والسعادة.
نتوجَّه إليكم بالسؤال الَّذي نتمنَّى أن نحظى بالإجابة عنه، لتعميمه على عدد من الصحف والمجلات المهتمة جدًّا.
هل ترون أنَّ الثورة العلميَّة في مجال الهندسة الوراثيَّة وفك شفرة الجينات البشرية في مصلحة الإنسانيَّة؟ وما جدوى هذه الثورة من وجهة نظركم؟ ما رأي الشرع الإسلامي في هذا الاكتشاف الغربي الَّذي اعتبره العلماء أهم من اكتشاف البنسلين، وأهم من هبوط الإنسان على القمر، وأهم من اكتشاف كريستوف كولومبس؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من فضائل الإسلام: أنَّه لا يضيق صدرًا بالتقدم العلمي، ولا باستخدام العقل إلى أقصى مدى، والانتهاء إلى ابتكارات جديدة في دنيا العلوم والتكنولوجيا المتطورة، ولم يعرف في تراثنا ولا في تاريخ حضارتنا صراع بين العلم والدين، كما حدث في تاريخ ديانات أخرى، وقف فيها العلم ضد الدين، والنقل معارضًا للعقل، ورجال الدين (أو رجال الكنيسة) في جدال رجال العلم والفكر، ولا سيَّما أصحاب النظريات والأفكار والمخترعات الحديثة، الذين نُصبت لهم محاكم التفتيش، وحوكموا أحياءً وأمواتًا في بعض الأحيان.
بل المقرَّر في ثقافتنا: إنَّ الدِّين عندنا علم، وإنَّ العلم عندنا دِين، وإنَّ كلَّ علمٍ يحتاج إليه النَّاس في دينهم أو في دنياهم ـ ومنه علم الطبِّ والهندسة وغيرهما ـ يكون تعلُّمه وإتقانه فرض كفاية على الأمة في مجموعها، بحيث يجب أن يكون فيها عددٌ كافٍ من العلماء والخبراء في كلِّ مجالٍ علميٍّ أو تطبيقي، بحيث تكتفي الأُمَّة بأبنائها اكتفاءً ذاتيًّا، ولا تفتقر إلى استيراد العلماء من غيرها، فيما به قوام معاشها ومعادها.
والقرآن يبيِّن لنا أنَّ الله تعالى قد منح الإنسان من المواهب والطاقات ما يستطيع أن يفتح مغاليق الطبيعة، ويتعرف على قوانين الكون، ويكتشف المجهول فيها، بحكم استخلافه في الأرض، وتسخير الكون له بسماواته وأرضه، وشمسه وقمره، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةًۭ وَبَاطِنَةًۭ ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَلَا هُدًۭى وَلَا كِتَٰبٍۢ مُّنِيرٍۢ﴾ [لقمان: 20].
وقال تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ[البقرة: 29].
وقال تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ[الجاثية: 13].
وقال تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ[النحل: 12].
فإذا كان هذا الكون ـ في نظر القرآن ـ مسخَّرًا لمنفعة الإنسان، ولخدمة الإنسان، فلا جناح عليه أن يكتشف من أسراره يومًا بعد يوم ما غاب عنه؛ وخصوصًا الكون الصغير وهو الإنسان، كما قال تعالى:﴿وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ[الذاريات 20، 21].
ولا يحسبنَّ أحدٌ من المتديِّنين أنَّ هذا الاكتشاف فيه تطاول على الله تعالى، أو منازعة له في ملكه، فالحقُّ أنَّ ذلك لم يتم للإنسان إلَّا بفضل الله تعالى وتيسيره الأسباب للإنسان، والقرآن الكريم يقرِّر في أوَّل آيات أنزلت منه:﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٣ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق: 1 ـ 5].
كما قال تعالى:﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[النحل: 8].
وقد تدخل هذه الاكتشافات فيما وعد الله به في كتابه حين قال:﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعْرِفُونَهَا[النمل: 93]، وقوله تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ[فصلت: 53].
ونحن نعلم من ديننا أنَّ العلم بحرٌ عميقٌ زاخر، لا يكاد يرى له ساحل ولا قرار، ومهما يكتشف الإنسان من مجاهيله، سيظلُّ يجهل الكثير والكثير، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا[الإسراء: 85]. وقال تعالى لرسوله:﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا[طه: 114]. وهذا يشمل كلَّ علم نافع، سواء كان من علوم الدين، أم من علوم الدنيا.
كلُّ ما يريده الإنسان من العلم إذا اتسعت آفاقه، وتقدَّمت مواكبه: أن يرتبط بالإيمان والقيم الأخلاقيَّة، ولا يمضي وحده طليق العنان، لا يلتزم بشيء، ولا يتقيَّد بدين أو خلق، أو مصلحة لعموم البشر.
لقد ضرب لنا القرآن مثلين من أمثلة استخدام العلم، ولكنَّه لم ينفصل عن الإيمان، بل كان العلم في كلتا الحالتين في حضانة الإيمان.
المثل الأول: في قصَّة سيدنا سليمان، وكيف استطاع «الذي عنده علم من الكتاب» أن يأتيه بعرش «بلقيس» ملكة سبأ، قبل أن يرتدَّ إليه طرفه، أي في لمح البصر، استطاع هذا الإنسان من ملأ سليمان: أن ينقل العرش من اليمن إلى فلسطين، في هذه اللحظة من الزمن. ولكنَّ المهمَّ أنَّ سليمان الَّذي هيئت له هذه الأسباب، لم يركبه الغرور ولا العجب، ولم يُفتن بما سُخِّر له، بل قال في أدب المؤمنين:﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِىٓ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّۭ كَرِيمٌۭ[النمل: 40].
والمثل الثاني: في قصَّة ذي القرنين، وقد بنى السدَّ العظيم، ليحجز قبائل يأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، عن أولئك الأقوام المسالمين،﴿فَمَا ٱسْطَٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا[الكهف: 97، 98].
ونحن المسلمين قد أقمنا حضارةً شامخةَ الذُّرا، جمعت بين الدين والمدنيَّة، أو الإيمان والعلم، وبين السموِّ الروحي والرقي المادي، وكان العلم عندنا في خدمة الإيمان والأخلاق.
ولكنَّ مشكلة الحضارة الغربيَّة: أنَّ العلم فيها نشأ بمعزل عن الدين، بل نشأ مجافيًا للدِّين، فانطلق ركب العلم غير موصول بالقيم الإيمانية والخلقية، مستبعدًا من تفكيره ومن شعوره ومن سلوكه، فلا عجب أن وجدنا العلم يستخدم في التدبير والإهلاك للحرث والنسل، على نحو ما قال الله تعالى:﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ[البقرة: 205].
ونحن نرحِّب بهذا الاكتشاف الجديد الكبير: خريطة الجينات البشرية، أو ما سُمِّي «الجينوم البشري» الَّذي اعتبر من أعظم اكتشافات البشرية في عصورها المختلفة، والذي جاء بعد جهودٍ مضنية، وبحوثٍ متطاولة، تعاونت فيها أكثر من دولة غربيَّة، وقالوا: إنَّه أعظم من اكتشاف البنسلين، ومن صعود الإنسان إلى القمر، ومن.. ومن.. وكل ما نتمنَّاه، ونرجوه: أن يستخدم هذا الاكتشاف في مصلحة البشر، الَّتي يُقَرِّرها «أولو الألباب» منهم، ولا ريب أنَّ هناك مجالات لا يختلف فيها اثنان في مشروعية استخدام هذا الاكتشاف فيها، مثل علاج «الأمراض الوراثيَّة» عن طريق الجينات المؤثرة، والمسببة في هذه الأمراض، وفقًا للضرر عند الإنسان بقدر الإمكان، وفقًا للقاعدة الشرعيَّة القطعية، المستمدة من الحديث النبوي، ومن آيات قرآنية كثيرة، وهي قاعدة: «لا ضررَ ولا ضرار» وكما أنَّ الضرر يُزال إذا وقع، فينبغي أن يُرفع قبل وقوعه ما أمكن ذلك، والوقاية خير من العلاج. ولقد قال العلماء: درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة(1).
وأحبُّ أن أقول هنا: إنَّنا لا نستطيع أن نُفتي في هذا الأمر فتوى مفصلة؛ فيما يجوز وما لا يجوز، لأنَّنا لا نحيط علمًا بحقائق الموضوع، وما يمكن أن نتطرَّق إليه من مجالات.. ولا يليق بالعلم الشرعي أن يقحم نفسه فيما لا يحسنه؛ فلكلِّ علمٍ أهلُه وخبراؤه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ[فاطر: 14]، ﴿فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا[الفرقان: 59]، ولكن نجيب في هذا الموضوع بقدر ما نُسأل عنه، إذا شرح لنا من أهله شرحًا يبيِّن لنا منه مناط الحكم، فنفتي حينئذٍ على بصيرة.
وقد جرت عادة المجامع الفقهيَّة في بحث المسائل الطبيَّة أو العلميَّة أو الاقتصادية: أن يستدعوا بعض الخبراء المعروفين في مجال الطبِّ أو العلم أو الاقتصاد أو غيرها، ليسمعوا منهم، ويشرحوا لهم ما غمض عليهم، ثم بعد ذلك يكون الحكم بالجواز أو المنع، أو بالتفصيل.
وكلُّ ما نؤكِّده هنا ما قلناه من قبل في التحذير من الغلوِّ في استخدام الهندسة الوراثيَّة، أو الاستنساخ البشري، نقوله هنا، راجين من أهل العلم أن ينصتوا لأهل الحكمة، ولا يسرفوا في محاولة استخدام هذا العلم، في العبث بفطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها، بدعوى «تحسين سلالة النوع البشريِّ» أو محاولة صنع «إنسان جديد» مثل ما يسمُّونه «السوبر مان» أو نحو ذلك، فلندع الفِطْرة تعمل عملها، فإنَّ الخروج على الفطرة كثيرًا ما تكون عواقبه وخيمة.
وقد رأينا ذلك فيما عرف «بجنون البقر» فقد حوَّل النَّاس ـ لرغبتهم في المكاسب الماديَّة العاجلة ـ هذا الحيوان الآكل للعشب إلى حيوان يأكل البروتينات الحيوانية في صورة أعلاف مصنَّعة، ولم يلبث أن ظهر ذلك في هذا الجنون، الَّذي قيل: إنَّه خطر على الإنسان، إذا أكل من هذا اللحم.
يمكن الاستفادة من هذا الاكتشاف في علاج بعض العيوب الخلقية، الَّتي قد يتأذَّى منها بعض الناس، أو التشوهات للجنين في رحم أمه، الَّتي قد تكون مصدر متعب له ولأسرته طوال حياته أو نحو ذلك؛ ممَّا قد يدخل في باب الضروريات أو الحاجيات للإنسان.
أمَّا استخدام هذا الأمر في التَّرَف الحضاريِّ، الَّذي يسعى إليه أرباب الثراء والسلطان، والذين يريدون أن يتميَّزوا على النَّاس في كلِّ شيء: في المال، والجمال، والذكاء، والصحة، والقوَّة؛ وأن يسخِّروا العلم لذلك، فهذا لا يليق، بل يجب أن يكون العلم لخدمة الجميع على حدٍّ سواء، بل أن يكون أكبر همِّه مساعدة الضعفاء والفقراء، وبهذا يؤدي العلم زكاته، ولا يحرم أهله من دعاء هؤلاء المُعْدَمين في الأرض، الذين بهم يُرزق النَّاس ويُنصرون، فهم عُدَّة الإنتاج في السلم، وعُدَّة النصر في الحرب، وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة