2026-06-22
95
حكم بنك دم الحبل السُّرِّي
نرجو من فضيلتكم الإجابة على الأسئلة التالية:
1 ـ ما موقف الإسلام تجاه «بنك دم الحبل السُّرِّي»، أي جمع الخلايا الجذعيَّة من الدم المأخوذ من الحبل السُّرِّي مباشرة بعد الولادة وبعد قطع حبل السُّرَّة، ثم تجميدها وتخزينها بغرض استعمالها في مجال الطبِّ المتجدِّد على الشخص ذاته، أو تبرُّعًا لغيره، إذا اقتضت الحاجة؟
2 ـ هل يجوز التبرُّع بتلك الخلايا إلى البنوك المختصَّة، الَّتي بدورها تخزِّنها ثمَّ تعطيها للأشخاص المحتاجين؟
3 ـ هل يجوز للبنك أخذ الأجرة مقابل جمع هذا الدم وتخزينه، وعرضه للأشخاص المحتاجين؟
فيما يلي نعطي لمحة قصيرة عن هذه الخلايا، طريقة جمعها وتخزينها، ومجالات استعمالها:
ـ ما الخلايا الجذعيَّة؟
هي الخلايا المبكِّرة الَّتي لديها قابليَّة التكاثر والتحوُّل إلى كلِّ الأنواع الأخرى من الخلايا والأنسجة تقريبًا.
ـ ماذا تعمل هذه الخلايا؟
تساعد الجسم كي يلتئم ويتجدَّد بعد إصابة أو علِّة.
ـ كيف تعمل هذه الخلايا؟
الخلايا الجذعيَّة تساعد على إنتاج خلايا جديدة وصحِّية لاستبدال الأنسجة المتضرَّرة.
ـ أين توجد هذه الخلايا؟
الخلايا الجذعيَّة توجد في كلِّ الجسم، وبشكل خاصٍّ في نِقي العظم، وفي الدَّم المحيطي، وفي دم الحبل السُّرِّي.
ـ الخلايا الجذعيَّة الموجودة في الحبل السُّرِّي هي متعدِّدة الجوانب، وحياتيَّة، وأقل قابلية للرَّفض من قِبَل النظام المناعي للمتلقِّي، لأنَّها جديدة.
ـ إنَّ تعدُّد الجوانب وتوافر الخلايا الجذعيَّة لدم الحبل السُّرِّي يجعل منها منبعًا خصبًا لعمليَّات الزرع العلاجيَّة.
ـ ما هو بنك أو تخزين الخلايا الجذعيَّة للحبل السُّرِّي؟
ـ هو عمليَّة جمع وتخزين دم الحبل السُّرِّي «الغنيِّ بالخلايا الجذعيَّة» تحت ظروف آمنة، ثم تجميدها، لاستعمال علاجي فيما بعد.
ـ كيف تتمَّ عمليَّة جمعها وتخزينها؟
ـ بعد الولادة مباشرة يتمُّ وضع ملقاط الحبل السُّرِّي من طرفيه، يقطع فيما بين الملقاطين، ثمَّ يطهَّر في المكان الَّذي سيدخل فيه الإبرة، فيؤخذ منه كمية معينة من الدَّم، ثمَّ يتمُّ تخزينها في البنك الخاص وتحت ظروف مناسبة.
ـ هنا يجب التأكيد على أنَّ هذه العمليَّة بسيطة جدًّا وعاديَّة، وغير مضرَّة للأمِّ أو المولود.
ـ من المستفيد منها؟
المستفيد من هذه الخلايا هو:
1 ـ الشَّخص المتبرِّع (الطفل)، وهذا يسمَّى «استخدام ذاتيِّ المنشأ».
2 ـ عضو آخر من الأسرة أو أيِّ شخص آخر، وهذا يسمَّى «استخدام أجنبيِّ المنشأ».
هذا النموذج وهذه الخلايا تُقبل بشكل قانوني من قِبَل كلِّ المستشفيات ومراكز الزرع كمادَّة حقن.
ـ مجالات استعمالها؟
الخلايا الجذعيَّة المشتقَّة من دم الحبل السُّرِّي يمكن استعمالها لعلاج أمراض خطيرة، بما فيها:
· الثلاسيميَّا.
· ابيضاض الدم.
· السُّكَّري.
· تصخُّر العظم.
· الذِّئبة.
· السَّكتة ـ الضَّربة.
· التَّصلُّب المتعدِّد.
· الزهايمر.
· باركنسون، إلخ.
· فقر الدَّم بحسَب فانكوني.
ملاحظة: لا بدَّ من الملاحظة بأنَّ الخلايا الجذعيَّة المستخرجة من الحبل السُّرِّي ليست لديها قابلية لخلق جنين آخر، ومن ثمَّ فهي أبعد ما تكون من عمليَّة الاستنساخ المحرَّمة.
هذا وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فبالنظر في السؤال وما فيه من إيضاحات، لا يتراءى لي في موضوع السؤال أيَّ محظور شرعي، وما دام الأطباء المختصُّون قد قرَّروا، أنَّ وراءه منافع للناس، لا يخالطها إثمٌ كبيرٌ ولا صغير، ولا يخشى من جرَّائها أيَّة مفسدة في المستقبل، فإنَّ الشرع يحرص على جلب المصالح والمنافع للناس، ودفع المضارِّ والمفاسد عنهم.
فهذا يدخل في باب «المصالح المرسلة»، وهي المصالح الَّتي لا يوجد دليل خاصٌّ من الشرع على اعتبارها ولا على إلغائها، إنَّما هي مطلقة من كلِّ قيد، ولكنَّها تدخل في إطار رعاية الشرع لكلِّ ما يجلب خيرًا ومنفعةً للفرد أو المجتمع، وكلِّ ما يدفع شرًّا أو ضرًّا عن الفرد والمجتمع.
وبالنسبة للسؤال الثاني: هل يجوز التبرُّع بتلك الخلايا للبنوك المختصَّة الَّتي تخزِّنها بالطريقة الَّتي تحفظها، بحيث تكون صالحة للاستعمال، وتعطيها للأشخاص المحتاجين؟
والجواب: نعم، يجوز ذلك، بل يُستحبُّ، وللمتبرِّع الأجر من الله على ذلك، وإن كان هذا لا يكلِّفه جهدًا ولا مالًا، ولكنَّه وسيط خير في إيصال النفع إلى من يحتاجه.
وبالنسبة للسؤال الثالث: هل يجوز للبنك أخذ أجرة مقابل جمع هذا الدم وتخزينه لحين الحاجة إليه؟
ونقول أيضًا: نعم، يجوز أخذ الأجرة على ذلك؛ لأنَّه أجر في مقابل جهد وعمل مشروع، فلا مانع من أخذ الأجرة عليه، وقد رأينا الإسلام يعطي أجرة العاملين على الزكاة من أموال الزكاة نفسها، حتَّى لا يتعطل التحصيل أو التوزيع، نتيجة عدم وجود مَن يتبرَّع بذلك، وهنا أيضًا يُعطى الفريق العامل على هذا المشروع من الأجر ما يكفيه، ولو كان ذلك من تبرُّعات المتبرِّعين.
والله وليُّ التوفيق.