قتل الرحمة أو تيسير الموت للمريض

❓ قتل الرحمة أو تيسير الموت للمريض

📅 2026-06-22 👁 105 مشاهدة

نص السؤال:

هذا سؤال من جملة أسئلة عن الطب الإسلامي وأحكامه وآدابه وصلتني في رسالة من قبل منظمة الطب الإسلامي لجنوب إفريقيا، ويتمثل السؤال الأول فيما يلي:
قتل الرحمة (تيسير الموت):
التعريف: تسهيل موت الشخص بدون ألم بسبب الرحمة؛ لتخفيف معاناة المريض، سواء بطرق فعالة أو منفعلة.
تيسير الموت الفعال: يتخذ الطبيب إجراءات فعالة لإنهاء حياة المريض.
أمثلة:
1 ـ مريض مصاب بالسرطان يعاني من الألم والإغماء، ويعتقد الطبيب بأنَّه سيموت بأيِّ حال من الأحوال، ويعطيه جرعة عالية من علاج قاتل للألم، الَّذي يوقف تنفسه.
2 ـ مريض في حالة إغماء لفترة طويلة مثلًا؛ بعد إصابته بالتهاب السحايا أو بإصابة شديدة في رأسه، ومن الممكن أن يبقى حيًّا باستعمال منفِّسة (جهاز إنعاش)، ويعتقد الطبيب بعدم وجود أي أمل بشفائه، والمنفِّسة تضخُّ الهواء للرئتين، وتديم تنفسه «أوتوماتيكيًّا». فإذا ما أوقف المنفِّسة لن يتمكن المريض من إدامة تنفسه، فمن الممكن إبقاء هذا المريض حيًّا بواسطة هذه المنفِّسة الصناعيَّة الَّتي تديم فعالياته الحيوية، ولكن لكل الاعتبارات الأخرى يعتبر مثل هذا المريض «ميتًا» وغير قادر على السيطرة على وظائفه؛ وإيقاف هذه المنفِّسة يعتبر تيسيرًا فعالًا للموت.
تيسير الموت المنفعل:
هنا لا تتخذ خطوات فعالة لإنهاء حياة المريض بل يترك للمرض أن يأخذ أدواره بدون إعطاء المريض أي علاج لإطالة حياته.
أمثلة:
1 ـ مريض نهائي بالسرطان أو الإغماء من إصابة بالرأس أو التهاب سحائي؛ ولا يرجى شفاؤه منه، ومصاب بالتهاب الرئة الَّتي إن لم تعالج ـ وهي ممكنة العلاج ـ يمكن أن تقتل المريض؛ وإيقاف العلاج من الممكن أن يعجل بموت المريض.
2 ـ طفل مشوَّه تشويهًا شديدًا بتصلب أشرم ـ شوكة مشقوقة ـ أو بشلل مخِّي يمكن أن يترك من دون علاج إذا أصيب بالتهاب الرئتين أو بالتهاب السحايا، ويمكن أن يموت الطفل من هذه الالتهابات.
والتصلب الأشرم ـ الشوكة المشقوقة ـ هي حالة غير طبيعية للعمود الفقري؛ تؤدي إلى شلل الساقين وفقدان السيطرة على المثانة والأمعاء الغليظة؛ والطفل المريض بهذا الداء يكون مشلولًا، يحتاج إلى عناية خاصَّة طيلة حياته.
أمَّا الشلل المخيُّ، فهي حالة تلف في المخ خلال الولادة، تسبِّب تخلفًا عقليًّا، وشللًا في الأطراف بدرجات متفاوتة، ومثل هذا الطفل يكون مشلولًا جسميًّا وعقليًّا؛ ويحتاج لعناية خاصَّة طوال حياته.
في الأمثلة السابقة «إيقاف العلاج» هو نوع من أنواع تيسير الموت المنفعل؛ وبصورة عامَّة لا يعيش هؤلاء الأطفال عمرًا طويلًا، وإيقاف العلاج وتيسير الموت المنفعل يمنع إطالة معاناة الطفل المريض أو والديه.
الأسئلة:
1 ـ هل تيسير الموت الفعَّال مسموح به في الإسلام؟
2 ـ هل تيسير الموت المنفعل مسموح به في الإسلام؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
تيسير الموت الفعَّال:
1 ـ تيسير الموت الفعَّال في المثال رقم (1) لا يجوز شرعًا؛ لأنَّ فيه عملًا إيجابيًّا من الطبيب بقصد قتل المريض، والتعجيل بموته، بإعطائه تلك الجرعة العالية من الدواء المتسبب في الموت، فهو قتل على أي حال؛ سواء كان بهذه الوسيلة أم بإعطاء مادة سمية سريعة التأثير، أم بصعقة كهربائية، أم بآلة حادة، كله قتل، وهو محرَّم، بل هو من الكبائر الموبقة، ولا يزيل عنه صفة القتل أنَّ دافعه هو الرحمة بالمريض، وتخفيف المعاناة عنه؛ فليس الطبيب أرحم به ممَّن خلقه؛ وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو الَّذي وهب الحياة للإنسان، وهو الَّذي يسلبها في أجلها المسمَّى عنده.
أمَّا المثال رقم (2) من أمثلة تيسير الموت الفعَّال، فنؤخر الحديث عنه بعد الحديث عن تيسير الموت المنفعل.
تيسير الموت المنفعل «بإيقاف العلاج»:
وأمَّا تيسير الموت «بالطرق المنفعلة» كما في السؤال، فإنَّها تدور كلها سواء في المثال (1) أم (2) على «إيقاف العلاج» عن المريض، والامتناع عن إعطائه الدواء، الَّذي يوقن الطبيب أنَّه لا جدوى منه، ولا رجاء فيه للمريض، وفق سنن الله تعالى، وقانون الأسباب والمسببات.
ومن المعروف لدى علماء الشرع: أنَّ العلاج أو التداوي من الأمراض ليس بواجب عند جماهير الفقهاء، وأئمَّة المذاهب، بل هو في دائرة المباح عندهم.. وإنَّما أوجبته طائفة قليلة، كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضهم استحبَّه(1).
بل قد تنازع العلماء: أيهما أفضل: التداوي أم الصبر؟ فمنهم من قال الصبر أفضل، لحديث ابن عبَّاس في الصحيح، عن الجارية الَّتي كانت تُصرع ـ يصيبها الصرع ـ وسألت النبي أن يدعو لها، فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولك الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافِيَكِ». فقالت: أصبر. فقالت: إنِّي أتكشَّف، فادع الله لي ألَّا أتكشَّف، فدعا لها(2). ولأنَّ خلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأُبيِّ بن كعب، وأبي ذر ^ ؛ ومع هذا فلم يُنكر عليهم ترك التداوي(3).
وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي في «كتاب التوكُّل» من «الإحياء» بابًا في الردِّ على من قال ترك التداوي أفضل بكل حال(4).
هذا هو رأي فقهاء الأمة في العلاج أو التداوي للمريض. فأكثرهم يجعلونه من قسم المباح، وأقلهم يجعلونه من المستحب، والأقل منهم يجعلونه واجبًا.
وأنا مع الذين يوجبونه في حالةٍ ما إذا كان الألم شديدًا، والدواء ناجحًا، والشفاء مرجوًّا منه وفق سنة الله تعالى.
وهو الموافق لهَدْي النبي ؛ الَّذي تداوى وأمر أصحابه بالتداوي، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيِّم في هديه في «زاد المعاد»(5)، وأدنى ما يدلُّ عليه ذلك هو السُّنِّيَّة والاستحباب.
ومن هنا يكون العلاج أو التداوي حيث يُرجى للمريض الشفاء مستحبًّا أو واجبًا، أمَّا إذا لم يكن يُرجى له الشفاء، وفق سنن الله في الأسباب والمسببات، الَّتي يعرفها أهلها وخبراؤها من أرباب الطب والاختصاص، فلا يقول أحد باستحباب ذلك؛ فضلًا عن وجوبه.
وإذا كان تعريض المريض للعلاج بأيِّ صورة كانت ـ شربًا أو حقنًا أو تغذية بالجلوكوز ونحوه، أو توصيلًا بأجهزة التنفس والإنعاش الصناعي، أو غير ذلك ممَّا وصل إليه الطب الحديث، ومما قد يصل إليه بعد ـ يطيل عليه مدة المرض، ويبقي عليه الآلام زمنًا أطول، فمن باب أولى ألَّا يكون ذلك واجبًا ولا مستحبًّا، بل لعلَّ عكسه هو الواجب أو المستحب.
فهذا النوع من تيسير الموت ـ إن صحت التسمية ـ لا ينبغي أن يدخل في مسمَّى «قتل الرحمة»، لعدم وجود فعل إيجابي من قبل الطبيب، إنَّما هو ترك لأمر ليس بواجب ولا مندوب، حتَّى يكون مؤاخذًا على تركه.
وهو إذن أمر جائز ومشروع، إن لم يكن مطلوبًا، وللطبيب أن يمارسه، طلبًا لراحة المريض وراحة أهله. ولا حرج عليه إن شاء الله.
تيسير الموت بإيقاف أجهزة الإنعاش:
بقي الجواب عن المثال الثاني في النوع الأول، الَّذي اعتبره السؤال من تيسير الموت بالطرق الفعالة لا المنفعلة. وهو يقوم على إيقاف الْمُنَفِّسة الصناعيَّة أو ما يسمُّونه «أجهزة الإنعاش الصناعي» عن المريض، الَّذي يعتبر في نظر الطب «ميتًا» أو «في حكم الميت» وذلك لتلف جذع الدماغ، أو المخ، الَّذي به يحيا الإنسان ويحسُّ ويشعر.
وإذا كان عمل الطبيب مجرَّد إيقاف أجهزة العلاج، فلا يخرج عن كونه تركًا للتداوي شأنه شأن الحالات الأخرى، الَّذي سمَّاها «الطرق المنفعلة».
ومن أجل ذلك أرى إخراج هذه الحالة وأمثالها عن دائرة النوع الأول «تيسير الموت بالطرق الفعَّالة» وإدخالها في النوع الآخر.
وبناءً على ذلك يكون هذا أمرًا مشروعًا ولا حرج فيه أيضًا، وبخاصَّة أنَّ هذه الأجهزة تبقي عليه هذه الحياة الظاهرية ـ المتمثلة في التنفس والدورة الدموية ـ وإن كان المريض ميتًا بالفعل، فهو لا يعي ولا يحسُّ ولا يشعر؛ نظرًا لتلف مصدر ذلك كله وهو المخ.
وبقاء المريض على هذه الحالة يتكلَّف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره، ممَّن يجدي معه العلاج، وهو ـ وإن كان لا يحسُّ ـ فإنَّ أهله وذويه يظلُّون في قلق وألم؛ ما دام على هذه الحالة، الَّتي قد تطول إلى عشر سنوات أو أكثر!
وقد ذكرت هذا الرأي منذ سنوات، أمام جمع من الفقهاء والأطباء، في أحد اجتماعات الندوة الَّتي تقيمها بين الحين والحين «المنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبيَّة» بالكويت، فلقي قبول الحاضرين من أهل الفقه وأهل الطبِّ.
والحمد لله الَّذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة