2026-06-22
93
عمليات التجميل
هل يجوز إجراء عمليَّة تجميل للأنف، إذا كان الأنف أكبر ممَّا يلزم؛ بحُجَّة أنَّ الله جميل يحبُّ الجمال؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الإسلام قرَّر فعلًا كما جاء في الحديث عنِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال»(1). ولذلك قرَّر الزينة والتجمُّل للرجال وللنساء، وأجاز للمرأة أكثر ممَّا أجاز للرجل، نظرًا لفطرة المرأة وحبِّها للتزيُّن والتجمُّل، فأباح لها أن تتحلَّى بالذهب، ولم يبح ذلك للرجل، وأن تلبس الحرير الطبيعي الخالص، ولم يجُز ذلك للرجل.
ولكنَّ هناك حدودًا للتزين، فهناك بعض التزين حرَّمه الإسلام، وهو التزين بما فيه تغيير لخلق الله تبارك وتعالى، فهو إسراف في التجمل، والإسلام يقاوم الإسراف في أيِّ شيء، حتَّى وإن كان في العبادة، إن بالغ الإنسان في العبادة، وخرج عن حدِّ الوسط، يقال له: قِف عند حدِّ الاعتدال، فعن عبد الله بن عمرو ^ ، قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله، ألم أُخْبَر أنَّك تصوم النهار، وتقوم الليل؟» فقلتُ: بلى يا رسولَ الله. قال: «فلا تفعلْ، صُمْ وأفطرْ، وقُمْ ونَمْ؛ فإنَّ لجسدِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لعينِكَ عليك حقًّا، وإنَّ لزوجك عليك حقًّا، وإنَّ لزَوْرِكَ عليك حقًّا، وإنَّ بحسْبِكَ أن تصوم كلَّ شهر ثلاثة أيام، فإنَّ لك بكلِّ حسنةٍ عشر أمثالها، فإنَّ ذلك صيام الدهر كلِّه». قال عبد الله بن عمرو: فشدَّدتُ، فشُدِّد عليَّ؛ قلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي أجد قوَّة. قال: «فصم صيام نبيِّ الله داود 0 : ، ولا تزد عليه». قلت: وما كان صيام نبي الله داود 0 : ؟ قال: «نصف الدهر»(2). فالإسراف في هذه الأشياء يمنعه الإسلام.
ومن الإسراف المستنكَر تغيير خلق الله، ولذلك صحَّت الأحاديث الكثيرة المستفيضة، عنِ النبيِّ ﷺ بأنَّه لعن الواصلةَ والمستوصلةَ، والواشمةَ والمستوشمةَ(3). وعن علقمة، عن عبد الله، قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يُقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنَّك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمِّصات والمتفلِّجات للحُسْن، المغيِّرات خلْقَ الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ (4)؟
فتحريم هذه الأمور إنَّما السبب فيه تغيير خلق الله، تغيير الفطرة الَّتي فطر الله النَّاس عليها، ومن أجل هذا ذكر القرآن الكريم على لسان الشيطان أنَّه قال: ﴿وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا﴾[النساء: 119]. الشيطان يجهد جهده ليجعل الإنسان يغيِّر خلق الله، سواء من الناحية المعنويَّة، أو من الناحية الماديَّة، فتغيير خلق الله من إيحاء الشيطان، ومن عمل الشيطان، فلهذا حرَّم الإسلام تغيير خلق الله.
لذلك فالعمليَّات الجراحية الَّتي مضمونها تغيير خلق الله محرَّمة، وإذا كان تفليج الأسنان لا يجوز، فما بالك بالعمليَّة الجراحية؟!
أمَّا إذا كانت العمليَّة الجراحية التجميلية لإزالة تشوه، ورد الإنسان إلى الفطرة الَّتي عليها بقية الناس، فلا مانع، كإصبع زائدة، أو سن زائدة، أو أسنان غير متساوية تحتاج إلى تقويم؛ لأنَّ الأصل هكذا، الفطرة أنَّ الأسنان مضبوطة، لذا نقول لصاحب السؤال: إذا كان الأنف ضخمًا جدًّا، بحيث يبدو للناس أنَّه مشوَّه، فيجوز لك أن تجري جراحة لإزالة هذا التشوُّه، ولا حرج إن شاء الله.
(1) رواه مسلم في الإيمان (91)، وأحمد (3789)، عن ابن مسعود.
(2) سبق تخريجه صـ 23.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (5937)، ومسلم (2124)، كلاهما في اللباس، عن ابن عمر.
(4) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في التفسير (4886)، ومسلم في اللباس والزينة (2125)، عن ابن مسعود.