الإفطار بأمر الطبيب لتناول دواء الوسواس القهري

❓ الإفطار بأمر الطبيب لتناول دواء الوسواس القهري

📅 2026-06-22 👁 79 مشاهدة

نص السؤال:

منذ ما يقرب من ستَّ عشرة سنة ابتلاني الله تعالى بوسواس متعب في موضوع كنايات الطلاق، بسبب اطِّلاعي على الكتب الفقهيَّة، فصرت أشكُّ في كل كلمة أوجِّهها لزوجتي، من الكلمات الَّتي تعتبر كناية، على أثر ذلك أصابتني حالة نفسيَّة صعبة وقاسية، تمثَّلت في وساوس وشكوك مستمرة من ألفاظ الكنايات، وأُصبت باكتئاب غلَّق عليَّ حياتي ورحابة صدري، وقلق وأرق وعدم انشراح، وابتعدت عن النَّاس وعن الحديث معهم في مجالسهم، إلَّا إذا أخذت حبوب دوائية تُذهب بإذن الله الوسوسة والاكتئاب، وتجعلني منشرح الصدر، وصاحب قدرة على مصاحبة النَّاس والجلوس معهم وتُنظِّم نومي.
سؤالي يا فضيلة الشيخ هو ما يلي: الطبيب الَّذي يعالجني مسلم، وقد أجاز لي الإفطار وعدم الصيام؛ لأنَّ هذه الحبوب الَّتي وصفها لي ينتج عنها جفاف في الحلق، وتتعب الجسم تعبًا غير عادي، ولا يمكن أن ينشط إلَّا إذا أخذ المنشطات والمنبهات طوال اليوم، مثل الشاي والقهوة، كما أنَّ هذه الحبوب تؤخذ مرتين في اليوم، وإذا تركتها لمدة ثلاثة أو أربعة أيام دون أن آخذها بحسب ما قال لي الطبيب، يرجع لي الوسواس والمخاوف والاكتئاب، ولا أستطيع التخلُّص من هذه الوساوس الَّتي ما أحسبها إلَّا أنَّها ثُبِّتت بمثبِّتات ومسامير في رأسي وصدري منذ ست عشرة سنة.
فهل يجيز لي الشرع الإفطار في نهار رمضان بسبب حيثيات هذه الحالة المرضية الَّتي سبق ذكرها؟ وماذا عن الحال أو الأمر إذا دامت هذه الحالة المرضية طوال العمر، واستوجبت الاستمرار في هذا العلاج النفساني، وأخذ هذه الحبوب؟ علمًا بأنَّني حاولت أكثر من مرَّة أن أتخلَّص من هذه الحبوب النفسانية، ولكنِّي لم أستطع ذلك، حيث تعود إليَّ الوساوس والشكوك في الألفاظ الَّتي تعدُّ من كنايات الطلاق، ويترتب عليها الاكتئاب والمخاوف والأرق والقلق الَّذي حدَّثتكم عنه، أرجو أن تفيدوني أفادكم الله، وجزاكم خيرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أقول للأخ السائل: بعض العلم يتعب ويمرض، ولو أنَّ الأخ قرأ في أمور أخرى وسأل بعض العلماء، لارتاح من بعض ما هو فيه، ويبدو أنَّ الأخ على شيء من العلم؛ لأنَّ رسالته مصوغة صياغة جيدة، وليس فيها أغلاط نحوية، ولكنَّ بعض العلم ـ كما قلتُ ـ يضني ويتعب.
أنا ممَّن يقول بأنَّ كنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق، وأنَّ الطلاق لا يقع إلَّا باللفظ الصريح، الطلاق أو السراح، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا﴾ [الأحزاب: 49]. وحتى العلماء الذين قالوا بوقوع الطلاق بالكناية، قالوا: لا بدَّ أن يصاحب هذه الكنايات نيةُ الطلاق.
الشرع لا يعبث أيها الناس، الشرع يأمرنا أن نقيم أسرة، وندفع مهرًا، ونؤسِّس بيتًا، وننجب أولادًا، ثم بعد ذلك لأدنى سبب تطلق المرأة؟! هذا لا يعقل، الإمام ابن القيِّم يقول: «إنَّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الَّذي به أبصر المبصرون، وهُداه الَّذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الَّذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الَّذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل»(1).
الشريعة لا يمكن أن تتسبَّب للإنسان في مثل هذا، الأخ يقع مريضًا، ويظل مريضًا نفسيًّا طول عمره، ويأخذ حبوبًا للتهدئة؟! لماذا هذا؟! أنا أنصح هذا الأخ أن يضرب بالقول بوقوع الطلاق بالكناية عُرض الحائط، ولا يبالي به، وأنصحه أن يراجع نفسه، ويراجع أهل العلم، وكما قلت: حتَّى من قال بوقوع الطلاق بألفاظ الكنايات، فإنَّه يعتبر الكنايات إذا صاحبتها نيَّة الطلاق.
وإذا بقي بهذه الحالة، فهو مضطرٌّ إلى الإفطار، وعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لأنَّه في هذه الحالة مريض لا يرجى برؤه.
← العودة لقسم 4- الطب والصحة