2026-06-22
89
التبرُّع بالأعضاء بعد الموت
نودُّ إحاطتكم علمًا بأنَّه قد صدر قرار في الجمهورية الإيطاليَّة، يعطي الحقَّ لكل إنسان أن يعطي رأيه بالتبرع بأعضاء جسمه بعد الموت الطبي؛ أي: موت الدماغ، والقلب نابض، أي بعد قرار مجموعة الأطباء المختصين الَّتي تقرِّر بأنَّ الموت أصبح حتميًّا، بعد توقف الدماغ عن العمل بشكل نهائي.
وقد بدأ إرسال هذه الرسالة إلى المواطنين الإيطاليين ومنهم سوف تنتقل إلى الأجانب المقيمين، علمًا بأنَّ الدراسة الأولى للقرار والتي يحتمل أن تعود من جديد؛ وهي أنَّ الَّذي لا ينكر بالتحديد الرفض بإعطاء أعضائه؛ يمكن للدولة أن تأخذ الأعضاء تلقائيًّا.
نرجو من فضيلتكم التفضُّل بإعطائنا رأيكم حتَّى نعمِّمه على أفراد الجالية الإسلاميَّة في إيطاليا.
جزاكم الله عنَّا خير جزائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رئيس اتحاد الهيئات والجاليات في إيطاليا
د. محمد نور نشان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جاء عن رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة: «إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلَّا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له»(1).
والصدقة الجارية: هي الصدقة الَّتي يدوم أجرها لصاحبها ـ ولو بعد موته ـ ما دام هناك من ينتفع بها بوجهٍ من الوجوه، مثل الوقف الخيري، الَّذي يحبس أصله، وتسبل ثمرته في وجه من وجوه الخير، مثل الإنفاق على الفقراء، أو رعاية اليتامى والأرامل والمعوقين، أو النفقة على المساجد والمدارس والوعاظ والمدرِّسين، ونحو ذلك.
وقد تكون الصدقة في الإسلام بالمال، وهذا هو المعروف والمعتاد، وقد تكون بغير المال، وهو ما بيَّنه الرسول الكريم بسنته، فكل معروف صدقة، وكل فعل للخير صدقة، وكل ما يجلب منفعة للناس، أو يدفع مضرَّةً عنهم، فهو صدقة.
وقد صحَّ في الحديث أنَّ إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأنَّ الكلمة الطيِّبة صدقة، وأنَّ تبسُّم الأخ في وجه أخيه صدقة(2).
ومن الصدقات المعتبرة: ما عرفه النَّاس في عصرنا، وهو أن يتبرَّع الإنسان من جسمه بما ينفع غيره ولا يضره، مثل تبرعه بجزء من دمه، لبعض المستشفيات أو بنوك الدم، لتكون رصيدًا للذين يحتاجون إلى الدم في عملياتهم الجراحية، وفي ذلك إغاثة للملهوف، وتفريج لكربة المكروب، وإعانة للإنسان على استمرار الحياة.
ومن الصدقات الَّتي عرفها عصرنا: التبرع بعضو من أعضاء الجسم في حال الحياة، إذا كان يمكن لإنسان أن يستغني عنه، ولا يترتب عليه ضرر معتبر له، وكان غيره في حاجة ماسة إليه، وكان رجاء الاستفادة منه متيقَّنًا أو مظنونًا ظنًّا راجحًا.
وهذا النوع من التبرع لا كلام لنا فيه الآن.
ولكنَّ الَّذي نتحدَّث عنه الآن هو ما سأل عنه السائل، وهو التبرع ببعض أعضاء الإنسان في حال الوفاة، أي إذا أصيب الإنسان بحادث خطير ـ في صدام أو كارثة أو نحو ذلك ـ وقرَّر الأطباء المختصُّون أنَّه قد مات موتًا دماغيًّا، وإن كان القلب لا يزال يضخُّ الدم في الشرايين والأوردة، وفي هذه الحالة يمكن نقله إلى المستشفى، وأخذ بعض أعضائه الحية ـ مثل القلب، والكليَّة، والكبد، والقرنية وغيرها ـ لينتفع بها من يفتقر إليها من الأحياء المرضى، فيكون في هذا إنقاذ لهم من موت يتهدَّدهم وفق سنة الله في خلقه.
ونريد أن نذكِّر هنا بقرار المجمع الفقهي الدولي الإسلامي ـ المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ـ في دورته الثامنة في مدينة عمَّان باعتبار الموت الدماغي المحقَّق موتًا تترتَّب عليه جملة أحكام الموت.
ومن هنا يجوز للمسلم التبرُّع ببعض أجزاء جسمه الداخلية من القلب، والكليَّة ونحوهما، ما دام الهيكل العام للجسم باقيًا، بحيث يمكن أن يُصلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
والمسلم إذا أوصى بهذا مختارًا، كان له أجره ومثوبته عند الله بنيَّته الصالحة؛ لأنَّه يسهم في نفع غيره بما لا يضرُّه، وفي إحياء نفس بشرية من الهلاك، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾ [المائدة: 32].
ومن المعلوم أنَّ هذه الأعضاء إذا لم يتبرَّع بها الإنسان عند موته، ستتحلَّل بعد أيام من الوفاة، ويأكلها الدود، فلماذا لا يتبرَّع بمنفعتها لمن يحتاج إليها ويكسب الثواب، بدل أن تتلف عليه مجانًا؟
وقد يسأل بعض النَّاس هنا: هل يُثاب المسلم إذا تبرَّع ببعض أعضائه لغير المسلم؟ وخصوصًا لمن يعيش خارج المجتمعات الإسلاميَّة؟
ونقول: إنَّ هذا من البرِّ الَّذي ذكره الله تعالى وشرعه في كتابه للمسلمين وغير المسلمين، كما قال تعالى:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾[الممتحنة: 8].
وقد أجاز فقهاء المسلمين عامَّة الصدقة على غير المسلمين من غير مال الزكاة، وقد كان بعض المسلمين في عصر النبوة ينفقون على بعض أقاربهم من المشركين، الذين لم يهتدوا إلى الإسلام، وتحرَّج بعضهم من ذلك، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾[البقرة: 272]. ولقد وصف الله الأبرار في سورة الإنسان، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًۭا وَيَتِيمًۭا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءًۭ وَلَا شُكُورًا﴾[الإنسان: 8، 9]. والأسير في ذلك الوقت كان من المشركين، وقد أثنى الله عليهم لإطعامه.
بل صحَّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّ بغيًّا سقت كلبًا، فغفر الله لها، وأنَّ رجلًا سقى كلبًا فشكر الله له، فقال الصحابة: إنَّ لنا في البهائم لأجرًا يا رسولَ الله؟ قال: «في كلِّ كبدٍ رطْبةٍ أجر»(3).
فإذا كان هذا في الإحسان إلى الحيوان الأعجم، فما بالك بالإنسان المكرم؟
بل ذهب عدد من فقهاء المسلمين إلى جواز إعطاء الزكاة لغير المسلمين، وهو ظاهر ما روي عن عمر في أمره لخازن بيت المال بإعطاء يهوديٍّ ـ رآه يسأل الناسَ ـ من بيت المال ما يكفيه، قائلًا: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ﴾[التوبة: 60]، وهذا من مساكين أهل الكتاب(4).
وقد ناقشنا هذه القضية في كتابنا: «فقه الزكاة» فليرجع إليه من أراد.
ومن ثَمَّ نرى أنْ لا حرج على المسلم إذا تبرَّع ببعض أعضائه لغير المسلم، بل هو مأجور على ذلك، وممَّا يؤكد هذا أنَّ الجميع ينتفع به من مسلمين وغير مسلمين، فكما أنَّ المتبرع منهم قد يفيد مسلمًا، فلا غرو أن يفيدهم المسلم أيضًا. وهو من العدل والإحسان الَّذي أمر الله ورسوله بهما.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
(1) رواه مسلم في الوصية (1631)، وأحمد (8844)، عن أبي هريرة.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2891، 2989)، ومسلم في الزكاة (1009)، عن أبي هريرة.
(3) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المساقاة (2363)، ومسلم في السلام (2244)، عن أبي هريرة.
(4) رواه أبو يوسف في الخراج صـ 139، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد وسعد حسن محمد، نشر المكتبة الأزهرية للتراث.