أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟

أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟


📁 مقالات عامة📅 2026-02-24 18:45:00👁 2,331 مشاهدة

اختلف الجمهور: أي الأمرين أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟ فمنهم من قال: الصوم أفضل، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهذا لمن قوي عليه ولم يشق عليه.

وحجتهم: أن النبي ﷺ كان يصوم في السفر، ولا يأخذ لنفسه إلا بما هو الأفضل، ولأن المرء قد يتغافل عن قضائه، فيدركه الأجل ولم تبرأ ذمته، وأخطأ من استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]؛ لأنه وضع للدليل في غير موضعه.

وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: الفطر أفضل، عملًا بالرخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه، ولقوله في بعض الروايات: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم»، وفي قصة حمزة الأسلمي: «من أفطر فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه»، وبين التعبيرين فرق.

وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضلهما أيسرهما عليه. وهو قول وجيه، واختاره ابن المنذر.

وقال بعض العلماء: هو مخير بين الصوم والفطر، وهما في حقه سواء.

ولعل ما يؤيد ذلك ما رواه أبو داود والحاكم، عن حمزة الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر، أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وربما صادفني هذا ـ يعني رمضان ـ وأنا أجد القوة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخره، فيكون دينًا فقال: «أي ذلك شئت».

تمحيص وترجيح:

والذي أرجحه هو ما قاله الخليفة الرائد عمر بن عبد العزيز: لأن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.

فمن كان يسهل عليه الصيام. والناس صائمون، ويشق عليه أن يقضي بعد ذلك، حيث يصوم والناس مفطرون، فالصوم في حقه أفضل، ومن شق عليه الصيام الآن كالمسافر في البر، ونحو ذلك، وسهل عليه القضاء، فالفطر له أفضل.

ولكن أرى أن هناك اعتبارات ترجح أفضلية الصوم، وأخرى ترجح أفضلية الفطر، ولا بأس أن نوضحها لما للسفر من أهمية في عصرنا.

متى يترجح الصوم:

أما أفضلية الصوم فتترجح لمن يخاف على نفسه التشاغل عن القضاء، أو الكسل عنه، فالأحوط له أن يصوم، عملًا بالعزيمة، بالنسبة للمسافر المستريح الذي لا يجد عنتًا ولا مشقة في سفره، ككثير من السفر بالطائرة اليوم، التي لا تصادفها متاعب. وكذلك بالنسبة للمقيم في بلد أثناء السفر، وإن اعتبر مسافرًا، ما لم يكن قائما بأعمال تجهده.

وأيضًا السفر المختلف فيه، كأن يكون سفرًا دون المسافة التي قدرها الجمهور، وقدرت بنحو «90» تسعين كيلو مترا، فمن سافر لأقل من ذلك، يحسن به ألا يفطر، ومثله في الغالب لا يطلق عليه اسم «مسافر». ومثل ذلك الذي حرفته السفر، أو تقتضي السفر باستمرار، كالطيار، ومضيف الطائرة، وربان الباخرة «السفينة» وملاحيها، وسائق سيارة الأجرة «التاكسي»، فهؤلاء وإن جاز لهم الفطر، بوصفهم مسافرين، يفضل لهم أن يصوموا إذا لم يشق عليهم، فربما لا يتيسر لهم أن يصوموا.

متى يكون الفطر في السفر أفضل؟

هناك اعتبارات ترجح أفضلية الفطر للمسافر، منها:

1 ـ أن يكون في الصوم مشقة شديدة، وذلك مثل الذي يسافر عن طريق البر في الصيف، ويتعرض لِلَفح الهجير، وكذلك المسافر الذي يركب الطائرة مسافرًا من الشرق إلى الغرب، فيطول عليه اليوم كثيرًا جدًّا، لاختلاف التوقيت وطول اليوم هناك.

فالصوم في هذه الحالة يكره، وربما حرم إذا زادت المشقة إلى حد يضر بالصائم. وفي هذا جاء الحديث الصحيح الذي رواه جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم! فقال: «ليس من البر الصوم في السفر».

ولفظ الحديث إذا أخذ على عمومه يفيد نفي البر عن الصوم في أي سفر، وهو يعني أن فيه إثمًا، ولكن سبب الحديث وسياقه، وجملة الأحاديث الأخرى في الموضوع تدل على أن المراد هو هذا النوع من السفر، الذي يشق فيه الصيام مشقة بالغة، فليس من البر الصوم في مثله.

2 ـ أن يكون المسافر في جماعة تحتاج إلى خدمات ومساعدات بدنية واجتماعية، يعوق الصوم كليًّا أو جزئيًّا عن القيام بها، فيستأثر بها المفطرون، ويحرم من مثوبتها الصائمون. فالأولى هنا الفطر للمسافر ليشارك إخوانه في الخدمة، ولا يكون عبئًا أو عالة عليهم.

وروى الشيخان واللفظ لمسلم، عن أنس قال: كنا مع النبي ﷺ، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فنزلنا منزلًا في يوم حار، أكثرنا ظلًّا صاحب الكساء ـ يعني الذي يستظل بكسائه ـ ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّم، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية ـ أي نصبوا الخيام ـ وسقوا الركاب.

وفي رواية: وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي ﷺ : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وإنما ذهبوا بالأجر وحدهم؛ لأنهم هم الذين قاموا بخدمة إخوانهم لنشاطهم وقوتهم، فبعثوا الركاب، أي إبل الركوب التي حملتهم، فأرسلوها إلى الماء للسقي ونحوه، ومعالجة ما يحتاجون إليه من الزاد والشراب، وتحتاج إليه دوابهم من العلف والماء.

3 ـ أن يكون في الإفطار تعليم للسنة، وتعريف بالرخصة، كأن ينتشر بين بعض الناس: أن الفطر في السفر لا يجوز، أو لا يليق بأهل الدين، وينكرون على من أفطر في السفر، فيكون الإفطار حينئذ أفضل، وخصوصًا ممن يقتدى به ويؤخذ عنه من أهل العلم والصلاح. بل يتعين هنا الإفطار.

قال ابن كثير: «إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: «مَن لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة».

وأيضًا لحديث: «مَن رغب عن سنتي فليس مني». ذلك أن من الواجب أن تظل مراتب الأعمال وأحكامها الشرعية محفوظة بأوضاعها ودرجاتها، كما جاء بها الشرع، فيظل الفرض فرضًا، والمندوب مندوبًا والعزيمة عزيمة، والرخصة رخصة.

ولا يجوز أن يعتقد الناس المندوب فرضًا أو العكس، كما لا يجوز أن يعتبروا الرخصة ممنوعة، أو واجبة، وإذا حدث شيء منها، فعلى أهل العلم أن يعالجوه بالعلم والعمل، والمراد بالعلم: البيان والبلاغ بالقول مشافهة أو كتابة، وبالعمل: أن يدع العالم المقتدى به النافلة في بعض الأحيان، حتى لا تُعتقد فريضة، وأن يحرص على الأخذ بالرخصة، حتى لا يهملها الناس فتموت.

4 ـ أن يكون في رفقة أخذوا بالرخصة جميعًا، وأفطروا، ويسوءهم أن ينفرد بالصيام دونهم، فلا يحسن به أن يصوم وحده؛ لما في ذلك من الشذوذ عن الجماعة من ناحية، ولما في ذلك من خشية دخول الرياء على نفس الصائم، أو اتهامه به من ناحية أخرى.

ويتأكد ذلك إذا كانوا مشتركين في النفقة، ومن عادتهم أن يتناولوا وجباتهم مجتمعين، ويشق عليهم انفراد بعضهم بالأكل فطورًا وسحورًا. وفي الحديث: «يد الله مع الجماعة».

5 ـ أن يكون الأمير قد أمر بالإفطار، رفقًا بهم، ورعاية لحالهم، فيستحب أن يطاع في ذلك، لتظهر الجماعة في صورة أسرة واحدة، موحدة المظهر والمخبر. فإذا شدد في ضرورة الإفطار، وألزم به، وجبت طاعته في ذلك، وحرمت مخالفته، واعتبر ذلك معصية.

وفي ذلك جاء حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام! فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة».

وفي رواية: فقيل له: إن بعض الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء... إلخ. ويبدو من الروايات أنه أمرهم أولًا بالإفطار، فلم يسارعوا إليه أخذًا بالعزيمة، فدعا بالقدح وشرب، ليكون لهم أسوة، فاجتمع الفعل والقول معًا، فلهذا سُمِّي من تخلف عن الإفطار بعد ذلك: «العصاة».

6 ـ أن يكون المسافر في حالة جهاد ومواجهة ساخنة مع العدو، وقد حمي الوطيس والتهبت المعركة، والفطر أقوى للمجاهدين، وأعون لهم، على ملاقاة العدو، ومصابرته، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، بل قد يتعين الفطر هنا إذا كان الصوم يضعف المجاهدين، أو يقلل من قدرتهم. فإذا أمر القائد بالإفطار كان الفطر عزيمة، وكان الصيام مظنة الإثم.

روى مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا، فقال رسول الله ﷺ: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم». وكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا». وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر.

هل يجوز الفطر في الجهاد من غير سفر؟

وهنا تُعَنَّ مسألة، وهي حالة الجهاد من غير سفر، كما إذا حاصر العدو بلدًا مسلمًا، فأهله يقاتلون ويقاومون وهم في عقر دارهم، فهل لهم أن يفطروا إذا كان في الفطر قوة لهم على عدوهم؟

عرض لذلك المحقق ابن القيم في «الهدي النبوي»، وذكر في ذلك قولين للعلماء، أصحهما دليلًا: «أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ﴾ [الأنفال: 60]، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة.

والنبي ﷺ قد فسر القوة بالرمي. وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي ﷺ قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم». وكانت رخصة ثم نزلوا منزلًا آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا». فكانت عزمة فأفطرنا.

فعلل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه ولم يذكره في تعليله ولا أشار إليه، فالتعليل به اعتبار لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به.

وبالجملة: فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها، ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم فتح مكة: «إنه يوم قتال فأفطروا». تابعه سعيد بن الربيع، عن شعبة. علل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال».  

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات عامة 📅 2026-02-20 07:00:00👁 0 مشاهدة
مقالات عامة 📅 2026-01-25 06:30:00👁 0 مشاهدة
مقالات عامة 📅 2025-11-03 08:15:00👁 0 مشاهدة
مقالات عامة 📅 2025-09-22 23:06:42👁 0 مشاهدة