على من يجب صيام رمضان؟

على من يجب صيام رمضان؟


📁 مقالات الإمام📅 2026-02-23 07:00:00👁 2,151 مشاهدة

إذا كان صوم رمضان فرضًا عينيًّا وركنًا دينيًّا، فيلزمنا أن نحدد بالضبط على من يجب الصيام وجوبًا غير مخير.

والذي لا خلاف فيه: أنه يجب وجوبًا فوريًّا على المسلم، البالغ، العاقل المقيم، الصحيح، إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم، وهي الحيض والنفاس للنساء. قال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].

لا صيام على غير المسلم:

فلا يطالب غير المسلم في الدنيا بصوم رمضان؛ لأنه لا يطالب بالفرع من لم يؤمن بالأصل، إنما يدعى إلى الإسلام أولًا، فإن شرح الله صدره له، طولب بأركانه وفرائضه بعد ذلك.

الصيام والبلوغ:

ولا يطالب غير البالغ بالصيام؛ لأنه غير مكلف، وقد رفع القلم عنه، كما في الحديث: «رفع القلم عن ثلاثة؛ عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم».

ورفع القلم كناية عن سقوط التكليف، ومعنى «يحتلم»: أي يبلغ الحلم. وهذا بالنسبة للغلام الذي يعرف بلوغه بالاحتلام ونحوه من العلامات الطبيعية التي تدل على أنه تجاوز مرحلة الطفولة، ودخل في طور آخر. وأما الفتاة، فيعرف بلوغها بالحيض، الذي يؤهلها للحياة الزوجية والأمومة. وأما البلوغ بالسن، فهو خمسة عشر عامًا. فمن تأخر عنده الاحتلام، أو تأخر عندها الحيض، فبلوغه يكون بالسن.

تدريب الناشئة على الصيام:

ولكن هل يترك الصبي والصبية ولا يطالبان بالصوم إلا بعد بلوغ سن التكليف؟ لا، فإن تعاليم الشرع تأمر بتدريب هؤلاء الناشئة على أداء الفرائض ابتداء من استكمال السابعة من العمر.

وفي هذا قال رسول الله ﷺ في شأن الصلاة: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». وفي حديث آخر: «علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر».  وذلك أن الخير عادة، والشر عادة، والمرء يشيب على ما شب عليه، والتربية في الصغر كالنقش على الحجر، والشاعر يقول:

وينشأ ناشئ الفتيان منا ** على ما كان عوده أبوه

والحديث هنا جعل للتعلم والتأديب مرحلتين: مرحلة الأمر والتعليم والترغيب، وذلك بعد السابعة. ومرحلة الضرب والتأديب والترهيب، وذلك بعد العاشرة. أي أن الضرب لم يشرع إلا بعد إعطاء الابن فرصة ثلاث سنوات يدعى ويرغب ويثاب. وبعدها يكون الحزم والشدة والعقاب المناسب طبعًا، إشعارًا بالجدية وأن الأمر موضع اهتمام الأب، وليس مجرد كلمة تقال وليس بعدها حساب ولا ثواب ولا عقاب.

والضرب هنا وسيلة تمليها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يكون بسوط ولا بخشبة، يؤلم ولا يجرح، وخيار الآباء لا يحتاجون إلى ضرب أولادهم، بل يربون بالأسوة والكلمة والموعظة الحسنة، اقتداء برسول الله ﷺ الذي لم يضرب بيده شيئًا قط، لا امرأة، ولا خادمًا، ولا ولدًا، ولا حتى دابة.

وإذا كان الحديث الوارد في شأن الصلاة، فهو ينطبق على الصيام أيضًا بفارق واحد، وهو مراعاة القدرة البدنية للصبي والصبية، فقد يبلغ السابعة أو العاشرة، ولكن جسمه ضعيف لا يحتمل الصيام، فيمهل حتى يشتد عوده ويقوى. وقد كان الصحابة يصوّمون صبيانهم وهم صغار، حتى كانوا يأتون لهم باللعب من العهن «أي الصوف» يلهونهم بها حتى يأتي وقت الإفطار.

وليس من المطلوب أن يصوم الشهر مرة واحدة، فليس هذا بمقدور، ولا منطقي، وإنما يصوم في أول سنة يومين أو ثلاثة مثلًا، والتي بعدها يصوم أسبوعًا ثم أسبوعين، حتى يمكنه بعد ذلك صوم الشهر كله بهذا التدرج.

ومن الخطأ الذي يتحمل تبعته الآباء، والأمهات، إهمال الصغار حتى يبلغوا دون أن يدربوا على أداء الفرائض والطاعات. فإذا أمروا بها بعد البلوغ كانت أثقل من الجبال على كواهلهم. وما أصدق ما قال الشاعر:

قد ينفع الأدب الأحداث في صغر ** وليس ينفع عند الشيبة الأدب

إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ** ولن تلين إذا قوَّمتها الخشب

الصيام والعقل:

وإذا كان غير البالغ ليس مُكلفًا بالصوم، فغير العاقل من باب أولى؛ لأن خطاب الشارع إنما هو موجه إلى العقلاء، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فمن كان من ذوي الجنون المطبق، فلا يتوجه إليه تكليف، لا بأمر ولا بنهي، ولا بعبادة، ولا بمعاملة، فقد رفع عنه القلم.

ومن كان جنونه متقطعًا، فهو مكلف في المدة التي يعود إليه فيها عقله فقط. وألحق بعض الفقهاء به من يعتريه إغماء أو غيبوبة مرضية، يفقد فيها وعيه مدة تقصر أو تطول، فهو خلال غيبوبته غير مكلف بصلاة ولا صيام. فإذا أفاق بعد أيام من إغمائه وغيبوبته، فليس عليه أن يقضي تلك الأيام الماضية؛ لأنه كان فيها غير أهل للتكليف.

وبعضهم رأى أن عليه قضاء ما فاته أثناء الإغماء أو الغيبوبة، معللًا ذلك بأن الإغماء مرض، وهو مغط للعقل غير رافع للتكليف، ولا تطول مدته، ولا تثبت الولاية على صاحبه، ويدخل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ورأيي أن هذا مسلَّم في الإغماء القصير الذي يستغرق يوما أو يومين، أو نحو ذلك، أما الغيبوبة الطويلة التي عرفها الناس في عصرنا، والتي قد تمتد إلى شهر أو أشهر أو سنين! وخصوصًا مع أجهزة الإنعاش الصناعي، فهذه أشبه بحالة الجنون، الرافع للتكليف في حالة وجوده، وتكليف مغيَّب الوعي هنا بالقضاء، فيه حرجٌ عليه، وما جعل الله في الدين من حرج.

وقد تعرض لذلك العلامة ابن رشد في «بداية المجتهد» فقال: «وفقهاء الأمصار على وجوبه ـ أي القضاء ـ على المُغمَى عليه. واختلفوا في المجنون، ومذهب مالك وجوب القضاء عليه، وفيه ضعف؛ لقوله ﷺ: «وعن المجنون حتى يفيق».

والذين أوجبوا عليهما القضاء اختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسدًا للصوم، فقوم قالوا: إنه مفسد. وقوم قالوا: ليس بمفسد. وقوم فرقوا بين أن يكون أُغمي عليه بعد الفجر، أو قبل الفجر. وقوم قالوا: إن أُغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي عليه في أول النهار قضى. وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف، فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصف بمفطر ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف: إنها مبطلة للصوم؟ إلا كما يقال في الميت أو فيمن لا يصح منه العمل: إنه قد بطل صومه وعمله».

الصيام والمرض والسفر:

ومما أجمعت عليه الأمة أن المريض والمسافر لا يجب عليهما الصوم في الحال؛ لأن الله رخص لهما في الفطر. وإنما عليهما القضاء بعد أن يعافى المريض، ويقيم المسافر. قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وهذا فيما عدا مرض الشيخوخة، والمرض الذي لا يرجى برؤه.

وسنعود للحديث على أحكام المرض والسفر في الصيام والفطر عند الكلام عن أصحاب الأعذار وموقفهم من الصيام.

طهارة المرأة من الحيض والنفاس:

ويشترط لوجوب الصوم على الفور بالنسبة للمرأة الطهارة من الحيض والنفاس. فأما الحائض والنفساء، فلا يجب عليهما الصوم في الحال؛ لأنه لا يصح منهما حتى تطهرا. وإنما حرم عليهما الصوم رفقًا بهما، ورعاية لحالتهما البدنية والعصبية، ولم يجعل ذلك رخصة، مبالغة في الحرص على صحتهما الجسمية والنفسية والله أعلم. فإذا صامت الحائض أو النفساء فقد ارتكبت حرامًا، ولم يجزئها الصوم، وعليها القضاء ولا بد.

ومن حكمة الشارع ورحمته أنه أوجب عليهما قضاء الصوم، ولم يوجب قضاء الصلاة، وقد سئلت عن ذلك عائشة فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. وقولها: «كنا نؤمر» أي: كان النبي ﷺ يأمرنا بذلك؛ إذ هو صاحب الأمر عند الإطلاق. وكلامها إنما هو عن الحيض، والنفاس في معناه، فقيس عليه بالإجماع.

والحكمة في قضاء الصوم دون الصلاة أن الصلاة تتكرر، فيشق قضاؤها مشقة تفضي إلى الحرج، بخلاف الصوم، فهو في كل عام مرة. وإذا طهرت في أثناء النهار ـ بمعنى انقطاع الدم عنها ـ يستحب لها إمساك بقيته، ولا يلزمها ذلك، وذهب بعض العلماء إلى وجوب الإمساك عليها، والأول هو الصحيح.

وقد اختلف العلماء في تحديد أدنى مدة الحيض، ما بين ثلاثة أيام عند الحنفية ويوم وليلة عند الشافعية والحنابلة، ودفعة من الدم عند المالكية، كما اختلفوا في تحديد أكثره ما بين عشرة أيام وخمسة عشر يومًا.

والحق أنه لا يوجد نص صحيح من قرآن أو سنة على ذلك. والمرجع فيه هو المشاهدة والتجربة، والوجود الفعلي، ويمكن استشارة الأطباء المختصين في ذلك، فهم أهل الذكر والخبرة: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14]. والمعروف أن الحيض يختلف من امرأة إلى أخرى، ومدار الحكم على وجود دم الحيض بأوصافه وخصائصه وعلاماته التي تعرفها المرأة.

وكذلك يعتقد كثير من النساء أن مدة النفاس أربعون يومًا، وليس ذلك بلازم. والحكم مرتبط بوجود الدم، والصحيح: أنه لا حد لأقله، وأن أكثره أربعون يومًا، فما زاد فهو دم استحاضة. ودم الاستحاضة ـ وهو الذي يعرف في عصرنا باسم «النزيف» ـ لا يمنع الصوم ولا الصلاة، ولا الصلة الزوجية.

تناول الحبوب التي تؤخر الحيض:

ومن النساء المسلمات من يسأل عن تناول الحبوب التي تؤخر الحيض. مثل الحبوب التي تتعاطى لمنع الحمل: هل يجوز للمسلمة أن تتناولها، فتستمتع بصيام الشهر كله، وقيامه كله، فلا يفوتها شيء من صيام أيامه ولا قيام لياليه؟

والذي يوافق عمل المسلمين في خير القرون أن تساير المرأة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا الأمر كتبه الله على بنات آدم كما صح في الحديث، ولا حرج على المسلمة أن تفطر وتقضي ما فاتها بعد رمضان، كما كان يفعل نساء السلف الصالح.

على أن تناول هذه الحبوب ليس ممنوعًا شرعًا؛ إذ لا دليل على منعه، ما لم يكن من ورائه ضرر بالمرأة. ولهذا يحسن أن يكون باستشارة طبيب مختص، أو تكون معتادة عليه من قبل. كما لا يليق بالفتاة العذراء أن تتناول هذا النوع من الحبوب.

وقد نص بعض الفقهاء المتأخرين على جواز تناول ما يرفع الحيض؛ فقد ذكر الشيخ مرعي في «دليل الطالب» من كتب الحنابلة: أن للأنثى شرب دواء مباح لحصول الحيض ولقطعه، قال شارحه صاحب «منار السبيل»: لأن الأصل الحل حتى يرد التحريم، ولم يرد. 

 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-02-27 12:58:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2026-02-25 16:15:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2026-02-21 16:15:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام