حكمة الصوم

حكمة الصوم


📁 مقالات عامة📅 2026-02-20 07:00:00👁 2,163 مشاهدة

لم يُشَرِّع الإسلام شيئًا إلا لحكمة، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجهلها من جهلها، وكما لا تخلو أفعال الله تعالى من حكمة فيما خلق، لا تخلو أحكامه سبحانه من حكمة فيما شرع. فهو حكيم في خلقه، حكيم في أمره، لا يخلق شيئًا باطلًا، ولا يشرع شيئًا عبثًا. وهذا ينطبق على العبادات وعلى المعاملات جميعًا، كما ينطبق على الواجبات والمحرمات أيضًا.

إن الله تعالى غني عن العالمين، وعباده جميعًا هم الفقراء إليه، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة، كما لا تضره معصية، فالحكمة في الطاعة عائدة إلى مصلحة المكلفين أنفسهم.

وفي الصيام حِكَم ومصالح كثيرة أشارت إليها نصوص الشرع ذاتها، منها:

1 ـ تزكية النفس بطاعة الله فيما أمر، والانتهاء عما نهى، وتدريبها على كمال العبودية لله تعالى، ولو كان ذلك بحرمان النفس من شهواتها، والتحرر من مألوفاتها، ولو شاء لأكل أو شرب، أو جامع امرأته، ولم يعلم بذلك أحد، ولكنه ترك ذلك لوجه الله وحده، وفي هذا جاء الحديث: «والذي نفسي بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به».

2 ـ أن الصيام، وإن كان فيه حفظ لصحة البدن ـ كما شهد بذلك الأطباء المُختصون ـ ففيه أيضًا إعلاء للجانب الروحي على الجانب المادي في الإنسان، فالإنسان ـ كما يصوره خلق آدم ـ ذو طبيعة مزدوجة، فيه عنصر الطين والحمأ المسنون، وفيه عنصر الروح الإلهي الذي نفخه الله فيه، عنصر يشده إلى أسفل، وآخر يجذبه إلى أعلى، فإذا تَغلَّب عنصر الطين هبط إلى حضيض الأنعام، أو كان أضل سبيلًا، وإذا تغلب عنصر الروح ارتقى إلى أفق الملائكة، وفي الصوم انتصار للروح على المادة، وللعقل على الشهوة.

ولعل هذا سر الفرحة اليومية التي يجدها كل صائم كلما وفق إلى إتمام صوم يوم حتى يفطر، والتي عبر عنها الحديث النبوي: «للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه».

3 ـ يؤكد هذا أن الصوم تربية للإرادة وجهاد للنفس، وتعويد على الصبر، والثورة على المألوف، وهل الإنسان إلا إرادة؟ وهل الخير إلا إرادة؟ وهل الدين إلا صبر على الطاعة، أو صبر عن المعصية؟ والصيام يتمثل فيه الصبران.

ولا غَرْو أن سَمَّى النبي ﷺ شهر رمضان «شهر الصبر»، وجاء في الحديث: «صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحَر الصدر».

كما اعتبر النبي ﷺ «الصيام جُنَّة». أي درعًا واقية من الإثم في الدنيا ومن النار في الآخرة، وفي الحديث: «الصيام جُنَّة من النار كجُنَّة أحدكم من القتال». «الصيام جُنّة، وهو حصن من حصون المؤمن».

4 ـ ومن المتفق عليه أن الغريزة الجنسية من أخطر أسلحة الشيطان في إغواء الإنسان، حتى اعتبرتها بعض المدارس النفسية هي المحرك الأساسي لكل سلوك بشري، والناظر إلى معسكر الحضارة الغربية اليوم وما يعاني من انحلال وأمراض: يتبين له أن انحراف هذه الغريزة كان وراء كثير من الأوحال التي يرتكس فيها.

وللصوم تأثيره في كسر هذه الشهوة، وإعلاء هذه الغريزة، وخصوصًا إذا دووم عليه ابتغاء مثوبة الله تعالى، ولهذا وصفه النبي ﷺ للشباب الذي لا يجد نفقات الزواج، حتى يغنيه الله من فضله، فقال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». والباءة: كناية عن النكاح. والوجاء: الخصاء. والمراد أنه يضعف الشهوة إلى النساء.

5 ـ ومن حِكَم الصوم: إشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه، فإن إلْف النعم يفقد الإنسان الإحساس بقيمتها، ولا يعرف مقدار النعمة إلا عند فقدها، وبضدها تتميز الأشياء.

فإنما يحس المرء بنعمة الشِّبَع والرِّيّ إذا جاع أو عطش، فإذا شبع بعد جوع، أو ارتوى بعد عطش، قال من أعماقه: الحمد لله. ودفعه ذلك إلى شكر نعمة الله عليه. وهذا ما أشير إليه في حديث رواه أحمد والترمذي، قال فيه ﷺ: «عَرَضَ عليَّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكني أشبع يومًا، وأجوع يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك».

6 ـ وهناك حكمة اجتماعية للصيام «وخصوصًا صيام رمضان» أنه ـ بفَرْض الجوع إجباريًّا على كل الناس، وإن كانوا قادرين واجدين ـ يوجد نوعًا من المساواة الإلزامية في الحرمان، ويزرع في أنفس الموسرين والواجدين الإحساس بآلام الفقراء والمحرومين. أو كما قال ابن القيم: يذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.

وقال العلامة ابن الهمام: إنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات، ذكر من هذا حاله في عموم الأوقات، فتسارع إليه الرقة عليه.

وفي هذا التذكير العملي الذي يدوم شهرًا، ما يدعو إلى التراحم والمواساة والتعاطف بين الأفراد والطبقات بعضهم وبعض، ولهذا رُوي في بعض الأحاديث تسمية رمضان «شهر المواساة». وكان النبي ﷺ فيه أجود بالخير من الريح المرسلة.

ومن أجل هذا كان من أفضل ما يثاب عليه تفطير الصائم، وفي الحديث: «مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا».

7 ـ وجماع ذلك كله أن الصيام يُعِدُّ الإنسان لدرجة التقوى، والارتقاء في منازل المتقين، يقول الإمام ابن القيم: «وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]».

والحق أن صيام رمضان مدرسة متميزة، يفتحها الإسلام كل عام، للتربية العملية على أعظم القيم وأرفع المعاني، فمن اغتنمها وتعرض لنفحات ربه فيها، فأحسن الصيام كما أمره الله، ثم أحسن القيام كما شرعه رسول الله ﷺ، فقد نجح في الامتحان، وخرج من هذا الموسم العظيم رابح التجارة، مبارك الصفقة، وأي ربح أعظم من نوال المغفرة والعتق من النار؟

روى أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، و «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».  

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي