تسلُّم العمل بالمعهد الديني وبداية التعرف برجالات قطر

تسلُّم العمل بالمعهد الديني وبداية التعرف برجالات قطر


📁 مقالات الإمام📅 2026-02-17 06:30:00👁 2,301 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: 

كان اتِّفاق الشيخ ابن تركي معي منذ التقينا في مصر، على أنْ أَتَسَلَّم إدارة المعهد الديني الثانوي في قطر، خلفًا عن مديره السابق فضيلة الشيخ الدكتور عبد الغني الراجحي، الَّذي تسلَّم إدارته لسنة واحدة، هي كل عمر المعهد الناشئ، وكان وكيله الشيخ محمَّد محفوظ، وكان بين المدير والوكيل خلاف وصراع طويل.

وقبل عودتي نُقل الشيخ محفوظ من المعهد. وكان من فضل الله تعالى عليَّ، حتَّى لا أبدأ حياتي بصراع لا ضرورة له، وأنا أحب أن أعمل في سلام وهدوء وسكينة تعين على العطاء والإنتاج.

الشيخ عبد الله الأنصاري:

في أوَّل يوم من أيَّام دوامي بالمعهد الديني (4/4/1381هـ - 15/9/1961م)، وكان مبنى صغيرًا قديمًا أزيل وبني مكانه رئاسة المحاكم الشرعيَّة القديمة، الَّتي احتل مكانها الآن «صندوق الزكاة» - كان أوَّل من زارني رجل مهيب الطلعة، بشوش الوجه، باسم الثغر، دخل عليَّ مكتبي وصافحني بحرارة، وقال: أنا أخوك عبد الله بن إبراهيم الأنصاري من طلبة العلم. ومدير مدرسة صلاح الدين بالدوحة. ولقد سمعنا بك قبل أن نراك، فأهلًا ومرحبًا بك في الدوحة بين أهلك وإخوانك. بيوتنا كلها مفتوحة لك، وأيدينا ممدودة إليك، ولا تتأخر في طلب أي مساعدة تحتاجها، فنحن إخوانك وأولى النَّاس بك.

أسرتني هذه الكلمات من رجل لم يلقني من قبل، وإنَّما سمع عني بعض ما حبَّبني إليه، فشكرتُ له حسن صنعه، وجميل سعيه وزيارته، ورجوت أن أكون عند حسن ظنه، وألا أكون كما قال المثل العربي: تسمعَ بالمُعَيْدي خيرٌ من أن تراه.

قال: بل صدَّق الخُبْرُ الخَبَر، وصدَّقت العينُ الأذنَ، والأذن تعشق قبل العين أحيانًا، كما قال الشاعر. وانصرف الشيخ بعد أن دعاني إلى زيارته في مجلسه. ووعدته بذلك شاكرًا له.

وعرفت بعد ذلك أن الشيخ الأنصاري من علماء الدين المعدودين في قطر، وأنه أحد العبادلة الثلاثة من أهل العلم: أولهم: عبد الله بن زيد المحمود، قاضي المحكمة الشرعيَّة. وثانيهم: عبد الله بن تركي، وقد تحدَّثت عنه. وثالثهم: عبد الله الأنصاري. وسيأتي في مناسبات شتَّى الحديث عن هؤلاء العلماء الَّذين كان لكلِّ منهم وزن وشأن.

وكان هذا التعبير: «عبد الله الأنصاري من طلبة العلم» جديدًا عليَّ، وهو تعبير شائع بين أهل الخليج، توارثوه خلفًا عن سلف، يقولون عن العالِم منهم، ويقول العالِم عن نفسه: من طلبة العلم.

وإنه لتعبير موفَّق، فالإنسان - وإن بلغ من العلم ما بلغ، وعلا كعبه ما علا - يظل طالبًا للعلم، وفي مأثوراتنا: اطلب العلم من المهد إلى اللحد. لا يزال المرء عالِمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.

وما أجمل أن يعرف المرء بنفسه، فيقول: أخوكم من طلبة العلم!

الشيخ عليّ بن سعود:

وكان الزائر الثاني في نفس اليوم هو الشيخ عليّ بن سعود بن ثاني آل ثاني، الَّذي كان وصله كتابي: «الحلال والحرام في الإسلام» وكان يقرأ الكتاب، وهو معجب به، وبمؤلفه، وأهم من ذلك: أنه كان يقرأه ليطبق ما فيه. فلما قرأ فيه أن الساعة والقدَّاحة «الولاعة» والقلم إذا كان من الذهب فهو حرام على الرجال، وكان يستخدم هذه الأشياء الذهبية، تخلَّى عنها، وقال: والله، لا حاجة لي إلى الحرام.

وكان الشيخ عليُّ رحمه الله على صلة طيبة بأحد الأزهريِّين القدماء في قطر، وهو الأخ الشيخ يوسف عبد المقصود، فحدَّثه عما قرأه في كتاب: «الحلال والحرام»، وأنه معجب بهذا الكتاب، فقال الأخ يوسف: هل تعلم أن مؤلفه في الدوحة؟ قال: لا أعلم. ومتى قدم إلى الدوحة؟ قال: إنَّه قدم منذ يومين فقط، مديرًا للمعهد الديني، وسيكون في مكتبه غدًا. قال: إذن سأسعى لزيارته.

وجاء الشيخ عليُّ، وسعدت بزيارته، وعرفت أن له قراءات في التراث الإسلامي، وفي التراث الأدبي، وأنه يقول الشعر، وعرف مِنِّي أيضًا أنِّي أقول الشعر، وانعقدت بيننا مودة ظلت موصولة الحبال، حتَّى لقي ربَّه، رحمة الله عليه.

وممَّا أذكره للشيخ عليِّ بن سعود: أنَّه بعد حوالي سنتين وربَّما أكثر في قطر، فاجأني بهديَّة، كانت عبارة عن تليفزيون صغير (14 بوصة أبيض وأسود) قائلًا لي: ليتسلَّى به الأولاد. ولم يكن يخطر ببالي في ذلك الوقت أن أقتني جهازًا للتليفزيون، ولم تكن هناك محطات تليفزيونيَّة لأي بلد عربي تظهر فيه، فلم تكن معظم البلاد العربيَّة أنشأت مِحَطَّات أو قنوات. وإنَّما كانت تظهر فيه قناة «أرامكو» في المنطقة الشرقيَّة من السعوديَّة.

وظل هذا التليفزيون عندنا عدَّة سنوات، حتَّى فوجئنا بهدية أخرى من الشيخ عليٍّ نفسه، هي تليفزيون في حجم الأوَّل، ولكنَّه ملوَّن.

وكانت هذه مجاملة طيبة منه، وقد جاءت في وقتها، وربَّما يسأل الكثيرون: هل يجوز للمسلم - ناهيك بالعالِم الداعية - أن يقتني جهازًا تلفزيونيًّا؛ برغم ما قد يكون فيه من مفاسد؟

والجواب: أن التلفزيون إنَّما هو وسيلة، يمكن أن تستخدم في الخير، كما تستخدم في الشر، والوسائل إنَّما يحكم لها بحكم مقاصدها، مثل السيف أو البندقيَّة، فهي في يد المجاهد أداة خير، ووسيلة للدفاع عن الحق، وهي في يد قاطع الطريق أداة شر وإفساد في الأرض، فلا نقول: البندقيَّة حلال أو حرام، إنَّما حكمها بحسب ما تستعمل فيه.

والتلفزيون كذلك مثل غيره من الصحافة والإذاعة والمطبعة، يستطيع المسلم أن يستفيد من خيرها، ويحذر من شرها، وهنا يأتي دور التربية والتوجيه.

وقد عمت البلوى بهذه الأدوات، فلم يعد من الممكن منعها إلا بضغط وإكراه، وفي هذه الحالة تكون مرغوبة، كما يقول الشاعر: أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الْإِنْسَانِ مَا مُنِعَا!

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2024-09-22 23:13:43👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام