اختيار قطر

اختيار قطر


📁 مقالات الإمام📅 2026-02-11 07:15:00👁 2,139 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: 

كان أفضل بلد يختاره الأزهريُّون عادة هو «الكويت»، فقد كانت الكويت تعطي أعلى الرواتب للمعارين إليها. ولكنِّي لم أختر الكويت، بل اخترت «قطر»، ولم يكن لقطر شهرة في ذلك الوقت، ولا يرغب المعارون فيها كغيرها، فقد كانت تخطو الخطوات الأولى في سُلَّم الترقِّي الحضاري، وكانت رواتبها أقلَّ من غيرها.

ولكنْ لأنَّ الشيخ عبد الله بن تركي المسؤول عن العلوم الشرعيَّة فيها كان قد طلبني من قبل من وزارة الأوقاف، ولا يزال حريصًا على استقدامي إلى قطر. فكان من الواجب أن أبادله وُدًّا بود، وأقابل تحيتَه بمثلها أو أحسن منها.

ولقد حضر إلى مصر في الإجازة الصيفيَّة الشيخ عبد الله بن تركي من قطر، وقابلته أنا والأخ أحمد العسَّال، وكان لقاءً علميًّا حيًّا، طرقنا فيه موضوعات في العقيدة والفقه والتربية، وسُرَّ به الشيخ ابن تركي، وطلَبَنا رسميًّا من الأزهر.

وقد دعانا الأخ إسماعيل حمد المدرس في قطر إلى وليمة على شرف الشيخ ابن تركي في يوم جمعة، بعد أن صلينا جميعًا في المسجد الَّذي يخطب فيه شقيقه صديقنا الشيخ أحمد حمد في حي الدقي، وكان المقصود أن يستمع ابن تركي إلى أحمد، ويعجب به، ويطلب إعارته إلى قطر.

ولكن الَّذي حدث هو العكس، فلم يدخل أحمد حمد قلب ابن تركي، ولم ينشرح إليه، ولا أعجبه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

ولهذا لم تفلح «عزومة» إسماعيل في طلب إعارة أخيه، وهذه قضيَّة عادية، ولكن كان لها ما بعدها من الأثر في علاقتنا بأخينا أحمد. وليس لنا جُرْم فيها، لا أنا ولا العسَّال، وكل امرئ يأخذ نصيبه وَفْق قدر الله.

ومضينا نتخذ الإجراءات للبعثة، ونهيئ الأسباب للسفر القريب، واستخرجت جواز السفر لي وللعائلة، ولكنِّي فوجئت بما لم يكن في الحسبان، فقد مضت أمور أخي العسَّال بلا عقبات ولا اعتراض من أحد، أمَّا أنا فقالوا: إنَّ جهات الأمن معترضة عليك.

وسألنا عن سبب الاعتراض، فلم نجد جوابًا، وظلَّ الشيخ عبد الله بن تركي يرسل البرقيات تلو البرقيات لتسهيل إعارتي إلى حكومة قطر، ولا من سميعٍ أو مُجِيب.

وقد أخبرني بعض الرجال في إدارة الأزهر، ممَّن لهم صلات بجهات الأمن: أن الَّذي حال بيني وبين السفر إلى قطر هو أستاذنا الدكتور محمد البهي، وأنه هو الَّذي أوعز إلى جهات الأمن أن تمنعني، وذلك عندما سأله رجال الأمن: هل تضمنه؟ فكان جوابه: لا. وأن الدكتور البهي فعل ذلك، عقوبة لي على رفضي الاستجابة لرغبته في الذهاب إلى ليبيا شيخًا لمعهد القويري هناك.

ولكني لم أُصدِّق هذا الكلام، وأنا أستبعد هذا على الرجل وحُسن علاقته بي، ولا أُسيء به الظن إلى هذا الحد. وإن كنتُ قد لاحظت أنَّه ساءه موقفي، وليس من اليسير عليَّ أن أتهم رجلًا عاملني طَوال مدة العمل معه معاملة منقطِعة النظير، ولم أرَ منه قط ما يسوؤني، بل رأيت منه كل ما فيه تكريم وإعزاز لي، وقد ذكرت ذلك فيما مضى.

وليس من خُلقي أن أُسارع باتهام النَّاس، وإساءة الظن بهم بغير بينة، والأصل في النَّاس عامَّة: البراءة، كما أن الأصل في معاملة المسلم للمسلم: أن يحمل حاله على أحسن المحامل، حتَّى يتبيَّن منه غير ذلك.

وقد قال لي الأستاذ محمَّد مرسي مدير مدرسة الدوحة الثانويَّة حينما لقيتُه في الصيف المقبل بعد رفع الحظر عن سفري: من الخير أنَّك تأخَّرت هذه السنة؛ لأنك ستأتي هذه السنة قطر مديرًا للمعهد الديني، تملك قرارك بدون معارضة ولا تعطيل، ولو جئت في العام الماضي، لكنت وكيلًا للمعهد، وكنتَ ستتعب مع المدير الموجود.

وعلى كلِّ حال، لا أملك إلَّا أن أدعو للدكتور البهيِّ بالمغفرة، إن كان قد فعل ذلك. فما هو إلَّا بشر يُصيب ويخطئ، وقد قالوا: لكلِّ عالِمٍ هَفْوة، ولكلِّ جَوَاد كَبْوة.

ولقد ظلَّت علاقتي بأستاذنا الدكتور البهي موصولة الحبال، لم تنقطع خيوطها يومًا، رغم أنه رحمه الله ساءت علاقته بالشيخ الغزالي والشيخ سيِّد سابق، بعد أن عُيِّن وزيرًا للأوقاف.

واصطدم بهما بغير مبرِّر، مع أنَّهما كانا حَفِيَّيْن به، وطالما دعواه وقدَّماه وكرَّماه من خلال منصبيهما في الوزارة، ولكن «عنف» الدكتور البهي غلب عليه، فعاملهما بجفوة مستغربة، ممَّا اضطرهما أن يطلبا نقلهما إلى الأزهر، وبقيا فيه حتَّى خرج د. البهي من الوزارة.

وقد طلبته بعد ذلك بمدة أستاذًا زائرًا لكُلِّيَّة الشريعة بجامعة قطر، عندما كنتُ عميدًا لها، فجاءنا مع أهله، ورحَّبنا به كل الترحيب كما هو أهله، ووفَّرنا له ما يستحق من تقدير وتكريم، وذلك حين عرفت ضائقته المادِّيَّة، فلم يستفد من الوزارة شيئًا غير راتبه، وغير العداوات الَّتي جلبها على نفسه، رحمه الله.

وقد كان من دأب الدكتور البهي - الَّذي عرفناه من سيرته - أنه لا يأخذ أجرًا على مقالة يكتبها، أو محاضرة يلقيها، أو حديث يذيعه، طريقة اتخذها لنفسه، وأصر عليها إلى أن لقي ربه، رحمة الله عليه ورضوانه، يرى أن هذا جزء من الدعوة إلى الله تعالى، الَّتي ينبغي أن تؤدى احتسابًا.

وحينما رأى نشاطي المتنوِّع في قطر، سُرّ به سرورًا بالغًا، وقال لي يومًا: كان ظني بك في محله، وأنك العالِم المرجوَّ لغدِ هذه الأمة إن شاء الله. قلتُ: إنَّما أنا تلميذ لكم، مستفيد من فكركم، وأرجو أن أكون عند حُسن ظنِّكم بي.

وكان يقول للأزهريِّين الَّذين يزورونه: إنَّ القرضاوي لم يأخذ حقَّه. إنَّ مكانه الصحيح هو مشيخة الأزهر! إنَّ الأزهر في حاجة إلى قيادة تجمع بين الفكر والدعوة، وبين الأصالة والتجديد، وإن علينا - نحن علماء الأزهر - أن نرشِّح القرضاوي ليقود سفينة الأزهر الَّتي تميل بها الرياح.

وكان هذا من حُسن ظنِّه بي، غفر الله لي وله. وكان الزملاء ينقلون إليّ قوله. وقد صارحني بذلك في إحدى زياراتي له في الفندق، وقلت له: يا فضيلة الأستاذ شكر اللهُ لك حُسنَ ظنِّك بي. ولكن هل ترى مثلي يصلح لهذا المنصب في هذه الظروف الَّتي تعرفها؟ وهل يقبلون مثلي لهذا الأمر؟! قال: هم لا يقبلون، ولكن علينا نحن أن نُقنعهم! قلتُ: وهبهم اقتنعوا، هل يطلقون يدي لأنفِّذ ما أريد؟   

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-02-12 00:00:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام