رحلة البحث عن عمل

رحلة البحث عن عمل


📁 مقالات الإمام • 📅 2026-01-23 06:30:00 • 👁 2,175 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

لم يكن أمامنا باب مفتوح إلا المدارس الخاصَّة، الَّتي تحتاج إلى مدرِّسين للغة العربيَّة، فلم يكن الدينُ يحتاج إلى مدرِّس خاص به، فإن حصصه محدودة جدًّا، يأخذها مدرس اللغة العربيَّة مضافة إلى جدوله، وربَّما لم تكن إجبارية في بعض السنوات.

وظلِلتُ أنا وأخي العسَّال نقرأ الصحف، كلَّ يوم نفتش في «إعلاناتها المبوَّبة» لأوَّل مرَّة عن مدرسة خاصَّة تطلب مُدَرِّسين للغة العربيَّة، فإذا وجدنا مدرسة في أيِّ مكان في القاهرة أو الجيزة، سارعنا للذهاب إليها، لنقدِّم إليها أوراقنا، وقد صورنا منها عدة نسخ على صعوبة التصوير في ذلك الوقت.

ولكنا كنا نرجع بخُفَّي حُنين، إذ تعتذر إدارات المدارس عن عدم قبولنا، بسبب واضح، وهو أنَّهم يحتاجون إلى مدرس للغة العربيَّة؛ ولذا هم في حاجة إلى خِرِّيجي اللغة العربيَّة من الأزهر، أو كُلِّيَّة دار العلوم من جامعة القاهرة، وأنا خرِّيج أصول الدين، والأخ العسَّال خرِّيج الشريعة!

وهذا ما جعلني أقول عبارة تناقلها الإخوة الزملاء بعد ذلك، وهي: أبأس النَّاس الموظَّفون، وأبأس الموظَّفين المدرِّسون، وأبأس المدرِّسين مدرسو اللغة العربيَّة، وأبأس مدرِّسي اللغة العربيَّة خريجو أصول الدين والشريعة!

ثم شاء الله تعالى أن أقرأ إعلانًا عن حاجة مدارس الشَّرق الخاصَّة بالزمالك والمنيرة، الَّتي يملكها الأستاذ يس سراج الدين - العضو الوفدي المعروف، وشقيق فؤاد باشا سراج الدين - إلى مدرِّسين للغة العربيَّة.

وكان الأخ العسَّال يئس من كثرة تقديمنا لمثل هذه المدارس، ورجوعنا منها بالرفض والاعتذار، ولكنِّي توكَّلتُ على الله، وقدَّمت الطلب لمدير المدرسة بالزمالك، وجلستُ أنتظر ماذا يقول المدير بعد أن يقرأ الأوراق، ولم أكن أتوقَّع إلا أن يعتذر كما اعتذر إخوة له من قبل.

ولكني فوجئت بمن يناديني باسمي، ويقول لي: إن المدير يطلُبك، وكان اسمه الأستاذ: عبد الحليم بشير، من رجال التربية، ومن خِرِّيجي دار العلوم القدامى. وقد رحَّب بي، وقال لي: يا شيخ يوسف، نحن عادة لا نقبل خِرِّيجي أصول الدين في تدريس اللغة العربيَّة؛ لأنهم في الغالب غير متخصِّصين، ويبدو ضعفُهم في التدريس، ولكنِّي حين نظرتُ في أوراقك وجدتُ أنَّك أوَّل زملائك في الشهادة العالية من كُلِّيَّة أصول الدِّين، كما أنَّك أوَّل زملائك في العالِمية مع إجازة التدريس، وهذا يدل على أنَّك شخص متميِّز، ولستَ بالرجل العادي، ولهذا سأخرق القاعدة، وأقبلُك مدرسًا بمدرستنا على مسؤوليتي.

قلتُ له: شكر الله لك حُسن ثقتك بي، وأرجو أن أبيِّض وجهك، وأكون عند حسن ظنك إن شاء الله.

وكان المدير الإداري والمالي للمدرسة موجودًا - واسمه: صلاح ذهني - فقال لي: لكني يا أستاذ يوسف أريد أن أُسدي إليك نصيحة، أريد ألا تفسِّرها خطأ، قلتُ: خيرًا، ما هي؟ قال: تعلم أن هذه المدرسة في حي الزمالك، حي الأعيان والطبقات الراقية. وربَّما لم يكن زيُّك الأزهري هذا (الجبة والعمامة) مناسبًا لهذه البيئة؛ ولذا أنصحك أن تغيِّر زيك هذا، وتلبس «البدلة» الإفرنجية.

وقال الأستاذ عبد الحليم: وأنا أؤيد الأستاذ صلاح في هذا، ولعلك تحفظ قول الشاعر العربي قديمًا:

البَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوسَها     إمَّا نَعِيَمها وإمَّا بُوسَها!

قلتُ: نعم أحفظه، وأحفظ قول فقهائنا بمراعاة العرف، ما لم يكن مخالفًا للشرع، وقول الناظم في الفقه:

والعُرْفُ في الشَّرْعِ له اعْتِبَارُ     لذا عليه الحُكْمُ قَدْ يُدَارُ

وعدتُ إلى مسكننا في شبرا، لأخبر أخي العسَّال بما حدث معي، وبقبولي في مدارس الشرق الخاصَّة بالزمالك، وبطلبهم مني أن أغيِّر زيي، فأُصبح بدل «الشيخ يوسف»: «يوسف أفندي»! وضحكنا على هذا التغيير المفاجئ.

وقال الأخ العسَّال: أنت الآن تطبق نظرية ماركس في أن الحاجات الاقتصاديَّة هي الَّتي تغيِّر سلوك الإنسان، فما كان أحد يظنُّ أن الشيخ يوسف سيخلع يومًا «كاكولته» وعمامته، لولا الضرورات الاقتصاديَّة الَّتي تفرض على الإنسان ما لا يحبُّه ولا يهواه.

وبالفعل اشتريتُ قطعتين من الصوف المحترم، ثمَّ سألت بعض الإخوة عن «الترزية» المعروفين بالتفنُّن والإتقان، فدلُّوني على الأخ عبد العزيز البقلي، وكان من الطراز المتميز في صنعته وفنه، وكان هو الَّذي خاط بدلة الضابط لعبد المجيد حسن قاتل النُّقراشي!

فقلت لهم: ألا يوجد ترزي آخر؟! فقالوا: هذا هو الَّذي نعرفه. قلت: على بركة الله. وفصَّل لي أوَّل بدلتين في حياتي. وسرعان ما خاطهما لشدة حاجتي إليهما وتسلمتهما. وكان عليَّ أن أتعلم كيف أستخدم رباط العنق (الكرافتة)، فهي تحتاج إلى مهارة، سرعان ما أتقنتُها.

وأول ما لبستُ هذه الحُلَّة، شعرت كأني إنسان آخر، لم يعد هو الشيخ يوسف القديم، وخُيِّل إليَّ أن النَّاس كلهم ينظرون إليَّ، ويقولون: هذا هو الرجل الَّذي غيَّر زِيَّه، وتزايد هذا الشعور عندي عندما ذهبت إلى قريتنا، ورآني أهلُها لأوَّل مرَّة بهذا الزي الجديد.

ولكن سرعان ما أمسى هذا أمرًا مألوفًا، وتعوَّد الجميع عليَّ بهذا الزي الجديد، وقال كثيرون: إنَّه لائق عليك، وملائم لك، ربَّما أكثر من الجبة والعمامة! ومهما يكن، فالواقع يفرض نفسه، والمرء ليس بزيه، وليس بشكله، بل بعلمه وعمله.

وعندما بدأ العام الدراسي، ذهبتُ إلى المدرسة بالزمالك، وكان مشوارها طويلًا شاقًّا، إذ كان عليَّ أن أركب من شبرا إلى مَيْدَان التحرير، بعد أن أمشِي على قدمي من المنزل إلى شارع شبرا، لأمتطي الأوتوبيس، ثمَّ أركب مرَّة أخرى من التحرير إلى الزمالك، ثمَّ أمشِي إلى المدرسة. ثمَّ عليَّ أن أحضِّر الدروس، وأن أصحِّح الكراريس، كل هذا من أجل اثني عشر جنيهًا.

إلا أن ميزة هذه المدارس عند أكثر المدرسين: أنَّها فرصة للدروس الخصوصية، فطلابُها من الأسر الثرية، وجُلهم يحتاجون إلى الدروس لرفع مستواهم، ولا سيَّما إذا عُرف المدرس بينهم بالتميُّز في تدريسه، وانتشر صيته بين التلاميذ.

وقد بدأ اسمي يظهر بين تلاميذ المدرسة وتلميذاتها، وهي مدرس إعداديَّة، وهي مختلطة تجمع بين البنين والبنات. وطفق التلاميذ يطلبونني لأعطيهم دروسًا خصوصية، ولكنِّي لم أكن من النوع الَّذي يركض وراء هذه الدروس؛ لأنَّها تُكسب النقود وتأكل الأوقات، وأنا في حاجة إلى وقتي للاطِّلاع والقراءة، وهو أغلى عندي من بضعة جنيهات أضعها في جيبي. هذا مذهبي، وربَّما لا يعجب الكثيرين اليوم. ولكن الشاعر يقول:

تَعَشَّقْتُهَا شَمْطَاءَ شَابَ وَلِيدُهَا      ولِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ!

والحقيقة أنِّي بعد مدة قليلة صعُبت عليَّ نفسي، فلم تكن هذه المدرسة تُشبع مطامحي، وتُرضي آمالي، وكثيرًا ما كنتُ أسائل نفسي: أهذا مصيرك يا يوسف؟ أهذا ما أعددتَ له نفسك السنين الطوال؟! ثمَّ أعود فأستمسكُ بعروة الإيمان الوثقى، وأقول ما يقوله الصالحون: الخير ما يختاره الله لنا.

ولهذا لم أقبل من الدروس إلا درسًا واحدًا، كلَّفني به المدير لبنت صاحب المدرسة الأستاذ يس سراج الدين، وكانت في المرحلة الإعداديَّة، وهي كبرى بناته، وكانت صغيرة، وعلى غاية من الأدب. ولم أملك أن أقول: لا.

إلَّا أنَّ بقائي في مدرسة الزمالك هذه لم يطُل أكثر من شهر فيما أذكر، ثمَّ حدث «العدوان الثلاثي» الشهير على مصر، انتقامًا لتأميم قناة السويس. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام • 📅 2026-09-06 15:42:00 • 👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام • 📅 2026-07-27 12:40:00 • 👁 0 مشاهدة