صلاة المغرب جماعة بالسجن

صلاة المغرب جماعة بالسجن


📁 مقالات الإمام📅 2026-01-12 03:30:00👁 2,209 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:  

ظهرت بادرة غريبة من إدارة السجن لم تكن معهودة ولا متوقعة. فقد أراد «باش جاويش» السجن أمين السيِّد وأعوانه أن يتقرَّبوا من الإخوان، ويعتذروا إليهم عمَّا حدث في المدة الماضية، ويسألوهم العفو والصفح، فهم أهل للعفو والسماح، وأن يبدؤوا معهم صفحة جديدة، وعفا الله عما سلف.

وهنا حدثت واقعة من الوقائع الَّتي أذكرها ولا أنساها، ويذكرها معي كثير من الإخوة، ويذكِّرونني بها كلَّما لقُوني: صلاة المغرب الوحيدة الَّتي سُمِح لنا أن نؤدِّيها كلنا جماعة في السجن الحربي، بعد أن بدأت الغيوم تتكشَّف، والأحوال تتحسَّن، وكان باكورة ذلك أن نودي علينا لنقيم الجماعة في ساحة السجن، ودوَّى الأذان في ساحة السجن: الله أكبر، الله أكبر، وتجمَّع كلُّ الإخوان من أدوار السجن الثلاثة، ونحن لا نكاد نصدق ما يجري: أحلم هذا أم حقيقة؟

وقدَّمني الإخوان لأؤمّهم في صلاة المغرب، واعترتني حالة من الرِّقَّة والخشوع لا أنسى حلاوتها، وتلوتُ القرآن بصوت مؤثِّر يكاد يهزُّ أركان السجن الأربعة، قرأتُ في الركعتين الربعَ الأخير من سورة آل عمران: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (آل عمران:186). ومررتُ بالآيات الَّتي تتضمَّن دعاء أولي الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:191).

وكان من هذه الأدعية: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (آل عمران:193-195).

كنت أشعر كأني لا أقفُ على الأرض، ولكنِّي أحلِّق في أُفق عالٍ، وكنتُ كأنَّما أسمعُ رجفات قلوب الإخوان من خلفي، وأنا أتلو الآيات من خواتيم سورة آل عمران. وكأنَّما أجد في الآيات معانيَ جديدة، ما كنت أجدها من قبل، حتَّى انتهيت إلى ختام السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200).

وسلَّمتُ وسلَّم الإخوان، ووجدت الدموع على الخدود، لا أدري أهي دموع الخشية، أم دموع الرحمة، أم دموع الفرحة؟

يا سبحان الله، كيف أصبحتْ ساحة السجن الَّتي طالما كانت ساحة للتعذيب والتكدير، والَّتي عوقبنا فيها ليلة المحاكمة المشهودة، الَّتي ضُربتُ فيها حتَّى سال الدم من ساقي، والَّتي كم نُصبِت فيها «العروسة» لعقاب المتمرِّدين، والَّتي شهدنا فيها الضرب الوحشي للأخ حلمي مؤمن، والَّتي جُمِعَت فيها المصاحف وحُرقت، وغيرها وغيرها، كيف تحولَّت إلى جامع كبير لمثل هذه الصلاة التاريخيَّة؟! لا نقول إلا: سبحان مغيِّر الأحوال.

ووقف جنود السجن مشدُوهين متأثِّرين من هذه الصلاة.

وطلب إليَّ الإخوانُ بعدَ الصلاة أن ألقي كلمةً، فاعتذرتُ، فلم تكن عندي رغبة في الكلام بعد هذه الصلاة. فتقدَّم الأخ الأستاذ فريد عبد الخالق، فقال: إنَّها والله فرصة تُغتنم، وإنَّما لكل امرئ ما نوى. وألقى كلمة توجيهية، بعث بها الأمل في النفوس، وأنَّ الفجر قريب، وأنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة ربه إلَّا الضالُّون.

وبعد كلمة الأستاذ فريد الهادئة الموجهة، تقدم للكلام فضيلة الأخ الواعظ الجليل الشيخ مختار الهايج - وكان له من اسمه نصيب - قائلًا بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسوله: إنِّي لا يسعُني إلا أن أزفَّ خالص تهنئتي إلى جنود مصر البواسل، حرس السجن على انتصاراتهم في معاركهم المتواصلة ضد نزلاء السجن من مواطنيهم، الَّذين لم يقترفوا جرمًا إلا أن يقولوا: ربنا الله. أهنِّئهم بهذه الانتصارات الساحقة الَّتي حققوها وأخضعوا بها رقاب المسجونين، وأتمنَّى لهم من كل قلبي انتصارات مماثلة على اليهود المغتصبين في أرض فلسطين!

وما كاد الشيخ مختار يتمُّ كلمته حتَّى تكهرب الجو، وتطاير الشَّرَر، وهيَّج الشيخ الهايج عشَّ الدبابير، وعادت ريمة لعادتها القديمة، ورُدَّ الإخوان إلى الزنازين، ولكن سرعان ما صفت السماء الغائمة. فقد كان جو الانفتاح والانفراج مقبلًا.  

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2025-10-07 19:50:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-09-18 23:13:23👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام