حياتنا في السجن الحربي

حياتنا في السجن الحربي


📁 مقالات الإمام📅 2026-01-04 10:30:00👁 2,093 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

كانوا يتفنَّنون في تعذيبنا بكلِّ وسيلة يقدرون عليها، ويبحثون عن كل ما يُكدِّر خواطرنا، ويزعج سرائرنا.

من ذلك أن عددًا منا كان يحمل معه بعض الكتب ليشغل الوقت بقراءتها، وينفع نفسه، ويفيد إخوانه، وكان بعضنا يُعير لإخوانه ما لديه من كتب، ويستعير منهم، وكان معي كتابان حرصت على اصطحابهما، لأقرأهما بإمعان وأناة، وهما: «الموافقات» للشاطبي، و«إعلام الموقعين» لابن القيم رحمهما الله، فلمَّا عرفوا ذلك حرصوا على أن يحرمونا من هذه المتعة العقليَّة الَّتي لا تُكلِّفهم شيئًا، ولا ترهقهم عُسْرًا.

والَّذين جرَّبوا هذه السجون، يعلمون أن الوقت فيها يمرُّ بطيئًا بطيئًا، ولا بطء السلحفاة، وكدنا نصدق ما يقوله الشعراء العاشقون عن العشق: إنَّ ساعته شهر، وليلته دهر.

وهذا أمر جرَّبه النَّاس في حياتهم، وعبَّروا عنه في نثرهم وشعرهم، حتَّى قال الشاعر:

وَأَيَّامُ الْهُمُومِ مُقَصَّصَاتٌ  **  وأَيَّامُ السُّرُورِ تَطِيرُ طَيْرَا

ولما أخذوا منا الكتب، بقيت معنا المصاحف، فيكاد كل واحد من الإخوان يحمل معه مصحفًا، يقرأ فيه ورده اليومي، وما تيسر من كتاب الله.

ولهذا لما أخذوا منا الكتب وضعنا همنا في تلاوة القرآن وحفظه، ولا تكاد تخلو زنزانة من أخ يحسن التلاوة، ويعرف أحكام التجويد، يتقرَّب إلى الله تعالى بتعليم إخوانه ما تعلَّمَه، وفي حديث البخاري عن عثمان مرفوعًا: «خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه»، ولكن البسيوني (حمزة البسيوني مدير السجن الحربي) وجُنده انتبهوا لهذا الأمر، ووجدوا الزنازين تُدَوِّي بالقرآن كدَوِيِّ النحل، وأن القرآن أصبح للإخوان أنيس وحشتهم، وربيع قلوبهم، ونور صدورهم، وجلاء أحزانهم، فغاظ ذلك البسيوني كلَّ الغيظ، وكان ممَّن قال الله في مثله: {وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ} (الزمر:45). 

فأمر حمزة جنوده أن يجمعوا المصاحف - كل المصاحف - من المعتقلين، ودخلوا الزنازين يفتشونها خشيةَ أن يكون أحدهم خبَّأ مصحفًا، ثمَّ جمع القائد الهُمَام عددًا كبيرًا من هذه المصاحف في ساحة السجن، وصبَّ عليها البترول، وأشعل فيها النار قائلًا: حتَّى يبطَّلوا زنّ!

وكُنَّا نُصلِّي جماعةً، ونقرأُ القرآنَ داخل الزنزانة، ولكن بصوتٍ لا يخرج من الزنزانة، حتَّى لا يسمعونا، ونحن نتلو القرآن، وإلَّا فالويل لنا جميعًا.

وكانت وصايا البسيوني لزبانيته: ألَّا يدعونا ننعم بالهدوء، وراحة البال، وطيب الخاطر، وأن يجتهدوا في التفتيش عن أسباب «التكدير» والإيذاء لنا، فإن لم يجدوا سببًا اختلقوه اختلاقًا، على طريقة الذئب مع الحَمَل، حين قال له: قد عكَّرْتَ عليَّ الماء. والذئب في الأعلى، والحمل في الأسفل!

ومع هذا كله وما هو أكثر منه ممَّا لم يُذكر، كانت روح الإخوان عالية، ومعنوياتهم قويَّة، وإيمانهم راسخًا، وثقتهم بالله لم تضعف أبدًا، وأملهم في فرج الله ونصره لم تنقطع خيوطه من قلوبهم يومًا.

كانوا يؤمنون بأنَّ هذه سُنَّة أصحاب الدعوات، وحمَلَة الرسالات، وأن الطريق إلى النصر في الدنيا، وإلى الجنَّة في الآخرة، مفروشة بالأشواك، مضَرَّجة بالدماء، مليئة بجثثِ الشهداء، وأن الأمر كما قال ابن القيِّم: يا مخنَّث العزم! الطريقُ تعب فيه آدم، وناح نوح، وألقي في النار إبراهيم، وتعرض للذبح إسماعيل، وأوذي فيه موسى، ونُشِر بالمنشار زكريا، وذُبِح فيه السيِّد الحصور يحيى، إلى آخر ما قال.

وحسبنا ما ذكره القرآن: {أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (البقرة:214).

كان عامَّة الإخوان يقابلون هذه الأهوال بصدور منشَرِحة، وقلوب منفتحة، وثغور مبتسمة، فتراهم داخل الزنازين يضحكون ويُنكِّتون، ويردِّدون الْمُلَحَ والطرائف، ويتفنَّنون في ذلك بما لا يخطر على بال.

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-01-12 03:30:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام