زيارة المجاهد الشيخ الفضيل الورتلاني
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:
في تلك الفترة (1952) زرتُ الداعية المجاهد الشيخ الفضيل الورتلاني، أحد رجالات الجزائر ومجاهدي علمائها المرموقين، وقد كنتُ لقِيتُه من قبل في بيروت في رحلتي الشامية السابقة، وكانت هذه الزيارة بناءً على طلبه.
وقد عاد من بيروت معزَّزًا مكرمًا من رجال ثورة يوليو بوصفه أحد رموز الجهاد الوطني والعربي، وقد رجا أن يراني في القاهرة حين يعود إليها، وقد أرسل إليَّ لأزوره حيث يقيم، فاصطحبتُ أخي محمَّد الدمرداش، وذهبتُ لزيارته، وحدَّثنا عن بعض تجاربه في حياته الحافلة، وهي مثيرة وخصبة.
وسألتُه أن يحدِّثنا عن شيخه: الشيخ عبد الحميد بن باديس، مؤسس «جمعيَّة علماء الجزائر»، الَّتي قامت بدور معروفٍ غير منكور في نهضة الجزائر، وأعادتها إلى هويتها العربيَّة الإسلاميَّة، بعد استماتة فرنسا في القضاء على هذه الهوية بالفرنسة الَّتي تريد أن تلغي - أوَّل ما تلغي - الإسلام والعروبة من الجزائر، وقام الشيخ ابن باديس وإخوانه: البشير الإبراهيمي، والعربي التِّبِسِّي، وغيرهما بمقاومة الفرنسيَّة، بحركته التعليميَّة التربويَّة التثقيفيَّة في كل ربوع الجزائر، وأنشأ الشيخ ابن باديس نشيده الَّذي كان يحفظه الجزائريون ويرددونه:
شعبُ الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسبْ
من قال: حاد عنَ أصْله أو قال: مات، فقد كذبْ
وأسس ابن باديس مجلَّة «الشهاب»، الَّتي كان يكتب فيها هو وإخوانه لتعميق فكرتهم، وتوصيلها إلى الشعب الجزائري.
وتحدث الشيخ الفضيل طويلًا عن شيخه بإعجاب وحب، وأنه كان يحول دروسه كلها بقدرة فائقة إلى دروس تربوية ودعوية.
ومما ذكره لنا: أن ابن باديس كان يشرح لهم «الألفية» في النحو، ووقف عند البيت الأوَّل فيها، وهو الَّذي يقول:
كلامنا لفظٌ مفيد فاستقم واسمٌ وفعلٌ ثمَّ حرف الكَلِم
فبعد أن شرح الشيخ البيت من الناحية النحوية، عرَّج على الناحية التربوية، فقال: انظروا إلى براعة الاستهلال في هذا البيت، فهو يقول: كلامنا لفظ مفيد، إنَّه يتكلم عن الجماعة المسلمة، ليُعلن أنَّها لا تهرف بما لا تعرف، ولا تُلقي الكلام جزافًا، ولا تقول ما يضرُّها في دينها أو دنياها، إن كلامها «لفظ مفيد» ليس عبثًا ولا ضارًّا.
ثم اختار التمثيل بكلمة «استقم»، وهي الَّتي أمر الله بها رسوله في كتابه: {فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ} (هود:112). وأوصى بها رسولُه مَن سأله من أصحابه عن وصية جامعة، فقال: «قلْ: آمنتُ بالله، ثمَّ استقمْ» رواه مسلم.
وذكر لنا أشياء من هذه المواقف، تُعَدُّ غاية في الرَّوْعة.
وفي هذا اللقاء حاول الشيخ الورتلاني أن يملأني ثقة بنفْسِي، فقال: أرى فيك مَشابِه من الأستاذ حسن البنَّا، وهذا يُلقي عليك تبعات. فقلتُ له: يا أستاذ، وأين يوسف القرضاوي من الأستاذ حسن البنَّا؟ وأين الثَّرى من الثُّريا؟
فثار عليَّ، وقال: لا تحقِرْ نفسَك، إن حسن البنَّا عندَه قدُراتٌ ليست عندك، وأنت عندَك قدرات ليست عنده، ومجموع مواهبك يؤهِّلُك لتقوم بدور، فلا تنسحب منه، ولا تبخسْ نفسك حقَّها.
قلتُ: أسأل الله أن يجعلني أهلًا لثقتِكَ وحُسن ظنِّك.
قال: ستُثْبِت لك الأيَّام حُسن ظني.
قلتُ: أرجو الله. وقد قرأتُ في حكم ابن عطاء الله السكندري: إن النَّاس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تستيقنه منها، أجهل النَّاس من ترك يقينَ نفسِه لظنِّ ما عند الناس.
قال: وهذا يزيدني ثقة بك.
وكان أخي الدمرداش يستمعُ إلى حديثه عنِّي، وهو منفرجُ الأسارير، فقد كان رحمه الله شديدَ الحبِّ لي، والاعتزاز بي، إلى حد الإسراف أحيانًا.
في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وبينما كان العالم العربي يخطو خطواته الأولى في فضاء الإنترنت، كانت هناك رؤى استشرافية تقرأ ما وراء الش
مِن أصحاب الأعذار الذين يلحقون بالمرضى من وجه، وإن خالفوهم من وجه آخر: الشيخ الكبير، الذي وهن العظم منه، وبلغ من الكبر عتيا، ويجهده الصوم وي
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: في هذه الفترة (1959) زار مصر الأستاذ الكبير العلامة أبو الأعلى المودودي، أمير «الجماعة الإسلاميَّة» ومؤس
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: سافرتُ إلى القدس (عام 1952) ونُظِّمت لي محاضرة فيها شهدها جم غفير، وبتُّ بها، وصليتُ في المسجد الأقصى، لأو
صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: أهم من درَّسني في المرحلة الثانويَّة، هو: الشيخ محمَّد متولي الشعراوي. وقد كان في تلك الفترة من حياته مع