السياسة والأخلاق

السياسة والأخلاق


📁 مقالات الإمام📅 2025-11-25 11:45:00👁 2,126 مشاهدة

كما ربط الإسلام الاقتصاد بالأخلاق، ربط بها السياسة أيضًا، فليست السياسة الإسلامية سياسة «ميكافيلية» ترى أن الغاية تبرر الوسيلة أيًّا كانت صفتها، بل هي سياسة مبادئ وقيم، تلتزم بها، ولا تتخلَّى عنها، ولو في أحلك الظروف، وأحرج الساعات. سواء في علاقة الدولة المسلمة بمواطنيها داخليًّا، أم في علاقتها الخارجية بغيرها من الدول والجماعات.

إن الإسلام يرفض كلَّ الرفض الوسيلة القذرة، ولو كانت للوصول إلى غاية شريفة: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، فالخبيث من الوسائل، كالخبيث من الغايات مرفوض، ولا بدَّ من الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة.

في علاقة الدولة بمواطنيها يقول الله تعالى مخاطبًا أولي الأمر من المسلمين: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} [النساء:58].

فأداء الأمانات - بمختلف أنواعها المادية والأدبية - إلى مستحقيها، والحكم بين الناس - كلِّ الناس - بالعدل، هو واجب الدولة المسلمة مع رعاياها.

ولا يجوز للحاكم المسلم أن يحابي أحد أقاربه أو حاشيته، فيوليه ما لا يستحقُّ، ويحرم مَن يستحقُّ، والرسول صلى الله عليه وسلم، يجعل هذا إيذانًا باقتراب ساعة هلاك الأمة، فقد سأل رجل يومًا عن الساعة، فقال: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة». قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

كما لا يجوز إسقاط عقوبة مقرَّرة عمَّن يستحقُّها؛ لنسبه أو جاهه أو قربه من ذوي السلطان، وفي هذا جاء الحديث: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها».

إن السياسة الإسلامية في الداخل يجب أن تقوم على أساس العدل والإنصاف والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات والعقوبات، وعلى الصدق مع الشعب ومصارحته بالحقيقة، دون تضليل أو تدجيل أو كذب عليه، فإن أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: «ملك كذاب»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي علاقة الدولة بغيرها من الدول يجب عليها الوفاء بعهودها، وجميع التزاماتها، واحترام كلمتها.

يقول تعالى: {وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ * وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ * وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡ‍َٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [النحل:91-93].

ففي هاتين الآيتين يأمر الله تعالى باحترام العهود والمواثيق ويضيفها إلى الله تعالى «عهد الله»، ويحذر من نكث العهود بعد إبرامها، كفعل تلك المرأة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد إحكامه، وقوة إبرامه، وينادي بأن تكون المعاهدات والاتفاقات بين الأمم مبنية على الإخلاص وحسن النوايا، دون الدَّخَل والغشِّ الذي يقصد به أن تكون أمة هي أربى وأزيد نفعًا من أمة، فتستفيد من المعاهدة على حساب أمة أخرى. وهو ما نشاهده في معاهدات هذا الزمان.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، مثالًا يُحتذى في احترام الاتفاقات، ورعاية العهود، وإن رأى أصحابه فيها أحيانًا ما يعتقدونه إجحافًا بالمسلمين، كما في صلح الحديبية.

ولما جاء حذيفة وأبوه وكانت قريش قد أخذتهما وقالوا: إنكم تريدون محمدا. أي اللحاق بجيشه في غزوة بدر. فقالا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منهما عهد الله وميثاقه لينصرفن إلى المدينة، ولا يقاتلان معه. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».

فإذا كان بعض الناس يعتقد أن السياسة لا أخلاق لها، فهذا أبعد ما يكون عن سياسة الإسلام، التي تقوم - أول ما تقوم - على العدل والوفاء والصدق والشرف ومكارم الأخلاق. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2025-05-07 23:13:31👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2017-10-17 23:14:32👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام