قضيَّة فِلَسْطِين

قضيَّة فِلَسْطِين


📁 مقالات الإمام📅 2025-11-17 01:50:00👁 2,093 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

كانت قضيَّة فِلَسْطِين طيلة المرحلة الثانويَّة قضيَّة مهمة وحيَّة وساخنة في نفوسنا. وكان «الإسلاميون» أكثر اهتمامًا بها من «الوطنيِّين»؛ فكثير من الوطنيين لم يكونوا يدركون بوضوح خطورة المشروع الصهيوني على المنطقة، حتَّى لقد سُئِل أحد رؤساء الحكومات في مصْر يومًا عن شيء يتعلق بفِلَسْطِين، فكان ردُّه المؤسف: أنا رئيس وزراء مصْر، لا رئيس وزراء فِلَسْطِين. وإن كان ممَّا يُذكر للنحاس باشا تصريحه الشهير: إن مصر لا تستطيع أن تغُضَّ الطرف عمَّا يجري في حدودها الشمالية الشرقيَّة من أحداث! ولكن هذا التصريح لم يعقبْه عمل.

ولا عجب أن كنا نُسَيِّر من أجلها المظاهرات، وتدوي الهتافات، ونلقي الخطب النارية، وننشئ القصائد الثوريَّة، ونثير الطلاب والجماهير، لتهتف لفِلَسْطِين، وكنَّا ننتهز فرصة ذكرى وعد «بلفور» وغيرها لإحياء القضيَّة.

كان الإسلاميون هم الَّذين يعون تمامًا الخطر اليهودي وأطماعه وأهدافه في المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة، وكان في مقدمة هؤلاء الإسلاميِّين الوعاة لهذا الخطر وأبعاده: الشيخ حسن البنَّا، الَّذي كان يتابع من قديم ما يجري على الأرض المقدَّسة من أحداث، وما يخطَّط لها من مكايد، وما يقوم به أهلها من ثورات، وما يبذلونه من أرواح.

وكان أهم ما يقوم به حسن البنَّا وأمثاله من رجال الأمة ودعاتها: مقاومة موجة الغفلة الَّتي غشِيَت الأمة، وموجة الاتهام والتخوين لأهل فِلَسْطِين، الَّذين أشاعوا عنهم زورًا بأنَّهم باعوا أرضهم لليهود، وأنهم تقاعسوا عن الجهاد، وهذه أكاذيب نفَّقها اليهود والمستعمرون، فالواقع أن الَّذي بيع من أرض فِلَسْطِين لا يتجاوز (2%) منها، وكان الَّذين باعوها من الأجانب ومن غير المسلمين، كما أن أهل فِلَسْطِين قاوموا المشروع الصهيوني بكل ما في وُسعهم، ولكن الانتداب البريطاني على فِلَسْطِين كان يقف في سبيلهم، ويمنعهم من امتلاك أي سلاح يدافعون به عن أنفسهم، على حين يتيح لليهود كل أسباب القوَّة، بل العدوان.

وثار أبناء فِلَسْطِين ثورات شعبيَّة هائلة مثل: ثورة «البراق» الَّتي سقط فيها أكثر من ثلاثمائة شهيدٍ، وكانت هذه الثورات بقيادة أبطال تاريخيين؛ عز الدين القسام وأمثاله، سنة (1929م)، وسنة (1936م)، وكادت هذه الثورات تقضي على المشروع الصهيوني في مهده، لولا كيد الإنجليز، واستعانتهم بزعماء العرب لإيقاف الثورة وفض الإضراب!

والعجيب أن السياسة الاستعمارية والصهيونيَّة الَّتي استجاب لها العرب وقادتهم في ذلك الزمان: أن يُعزل الشعب الفِلَسْطِيني عن قضيته، ويُبعد عن ممارسة حقه في الدفاع عن أرضه ومقدساته، على خلاف السياسة المتَّبعة اليوم، والَّتي توحي بها بل تفرضها القوى المعادية للإسلام والعروبة، وهي ترك القضيَّة للفِلَسْطِينيين وحدهم، بعد أن تحوَّلت «إسرائيل» إلى أخطبوط في المنطقة، وإلى ترسانة عسكريَّة ضخمة، وهذا في الوقت الَّذي ترى فيه إسرائيل كل يهودي في العالم مسؤولًا عنها.

كان حسن البنَّا على وعيٍ كامل بهذه الحقائق كلها، ويجتهد أن يشيعها بين الناس، وأن يزيح عن الأعين الغشاوات حتَّى تُرى، ويزيل الوقر من الآذان حتَّى تُسمع. وكان له علاقة برجال فِلَسْطِين، وعلى رأسهم المجاهد الكبير الحاج أمين الحسيني.

وكان يجنِّد مجلته «النذير» ثمَّ «الإخوان»، لإيقاظ الأمة نحو القضيَّة وتطوراتها، وينتهز فرصة ذكرى الإسراء والمعراج، ليذكر بـ«المسجد الأقصَى»، كما يتخذ من (2 من نوفمبر) ذكرى وعد «بلفور» لتعبئة الأمة ضد هذا الوعد، الَّذي صدر ممَّن لا يملك لمن لا يستحق، والَّذي علَّق عليه الحاج أمين بقوله: إن فِلَسْطِين ليست وطنًا بغير شعب، حتَّى تستقبل شعبًا بغير وطن!

وفي سنة (1936م) أصدر حسن البنَّا عددًا خاصًّا من مجلَّة «النذير» عن ثورة فِلَسْطِين، وكتب فيه مقالًا عن «صناعة الموت»، يحرِّض الأُمَّة فيه على الجهاد، والاستعداد للموت في سبيل الله، فمن حرص على الموت وُهِبَتْ له الحياة.

وفي سنة (1946م) أرسل العالم الداعية الشيخ عبد المعز عبد الستار، ليطوف بمدن فِلَسْطِين مشرِّقًا ومغرِّبًا، لتنبيه العقول، وإحياء القلوب، وإشعال المشاعر، وتجميع الصفوف. وقد بقي الشيخ عبد المعز - كما سمعتُ منه - شهرَيْن كاملين في فِلَسْطِين، ولكنَّه عاد من هناك يحمل همًّا كبيرًا، ويُشفق على مصير فِلَسْطِين. فحينما زار المسجد الأقصى لم يجد فيه غير صفَّين أو ثلاثة، فآلمه ذلك أشد الإيلام، ولما قال لبعض المقدسيِّين ذلك، قال له: صحيح أن الصلاة ثقيلة عليهم، ولكن إذا ناديتهم إلى المعركة لبَّوا النداء في سرعة البرق. وقال لهم الشيخ: إن أوَّل الجهاد أن نجاهد أنفسنا، وأن ننتصر عليها. والله تعالى يقول: {ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} (البقرة:153).

ومما لاحظه الشيخ أن القادة كلهم غائبون، الحاج أمين الحسيني منفيٌّ في الخارج، والآخرون متفرِّقون. كما لاحظ أنَّ اليهود يعملون ليلَ نهارَ، وفي غاية من اليقظة والاستعداد، والعرب ليسوا على هذا المستوى؛ ولهذا حين عاد إلى مصر قال للأستاذ البنا: الحقيقة أنَّ دولة اليهود قائمة بالفعل، ولا ينقصها إلا الإعلان عنها!

وفي سنة (1947م) بدأ الاستعداد بتهيئة الإخوان لمعركة قادمة لا ريب فيها، ولا سيَّما بعد رفض قرار التقسيم، وبعد استفحال أمر العصابات الصهيونيَّة الَّتي تعمل بدهاء وتخطيط ومكر، في حماية الانتداب البريطاني، الَّذي فسح المجال للهجرات الجماعيَّة لليهود من روسيا ومن أنحاء أوربا - وخصوصًا الشَّرْقية - وأمريكا وغيرها، ليبنوا مستعمراتهم في سائر أرض فِلَسْطِين، ومكَّنهم من أن يسلحوا أنفسهم، في حين حرم على أهل البلاد مِنْ حمل أي سلاح، ولو كان قطعة صغيرة.

وجاءت سنة (1948م) والقِدْر تزداد غليانًا، ومعسكرات التدريب تستقبل الشباب ليومٍ معدود، وكان كثيرٌ مِنَّا متحمسين لخوض المعركة ضد اليهود، ولكن قرار «مكتب الإرشاد» بالقاهرة ألا يُشارك طلاب الثانوي في الجهاد، ويُكتفى بطلاب الجامعة وغيرهم من أبناء الشعب.

وكنا نحن دعاة الإخوان نطوف المدن والقرى، نحرِّض على الجهاد بالنفس وبالمال، وأحيانًا نركِّز على المال لشدة الحاجة إليه لشِراء السلاح لإخواننا في فِلَسْطِين، ونجمع لهم السلاح إن وجدناه، ونعبِّئ مشاعر الأمة وأفكارها، لتستعد لمعركة آتية عن قريب، مع بني صهيون، الَّذين زرعهم الغرب في المنطقة، ولا يزال يساندهم ويؤيدهم عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

وقد تجلَّى ذلك للعيان، حين أعلن قيام الكيان الصهيوني العدواني الَّذي سُمِّيَ: «إسرائيل»، فاعترفت أمريكا بها في الحال، وبعدها بريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها، وأعلن الجميع أنَّها خُلِقَت لتبقى. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام