قضيَّة فِلَسْطِين السبب الأوَّل في محنة الإخوان

قضيَّة فِلَسْطِين السبب الأوَّل في محنة الإخوان


📁 مقالات الإمام📅 2025-11-07 09:50:00👁 2,129 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

كان دور الإخوان في قضيَّة فِلَسْطِين على الصعيد الدعوي وعلى الصعيد السياسي وعلى الصعيد العسكري: دورًا مزعجًا للقوى الاستعمارية المساندة للصهيونيَّة، ورأَوْا في وجود هذه الجماعة واستمرار نشاطها خطرًا على المشْروع الصهيوني الوليد، والَّذي يُراد له أن يهيمن على المنطقة ويؤثِّر فيها ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا.

فلا غرو، أن اجتمع سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا في «معسكر فايد» - وهو من معسكرات الاحتلال البريطاني في منطقة «قناة السويس» - وطلبوا من رئيس الحكومة المصريَّة حينئذ محمود فهمي النقراشي باشا الإسراع بحل «الإخوان المسلمين». وهذا ثابت بالوثائق الرسميَّة، الَّتي كانت سِرِّيَّة، ثمَّ كُشفت بعد مرور ثلاثين سنة.

 وسرعان ما استجابت حكومة النقراشي لمطالب القوى الاستعمارية أو الاستكبارية، وصدر قرار حلِّ الإخوان في (8) من ديسمبر سنة (1948 م)، معلِّلًا بتعليلات أخرى تضمنتها مذكرة وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمَّار، الَّتي رد عليها الإمام البنا، ردًّا مفصَّلًا، وإن كان لم يُتَحْ له أن يُنشر في حينه.

لقد كان همُّ القوى الَّتي خلقت الكيان الصهيوني المغتصب الَّذي سمَّوه: «إسرائيل»، والَّتي شدَّت أزره من أوَّل يوم، وإلى الآن: أن تختفي جماعة الإخوان - وهي العقبة الكؤود ضد الصهيونيَّة - من الساحة، وألا يمر جهادهم وكفاحهم للعدو الغاصب دون عقاب يردعهم، ويخيفهم ومن يؤيِّدُهم في المستقبل، حتَّى يلزموا بيوتهم، ويعيش كلٌّ منهم لأمر نفسه.

وكانت هذه العقوبة هي الاعتقال والمصادرة والتشْريد والتنكيل على كل مستوى، حتَّى أُخذ الشباب المجاهدون من الميدان بلبسهم العسكري إلى المعتقل، إرضاءً للسادة الَّذين تُعَدُّ إشارتهم حُكمًا، وطاعتهم غُنمًا. ولنا في المرحلة القادمة عودة إلى هذا الموضوع بإيضاح وتفصيل.

بطولات الإخوان في فِلَسْطِين:

ومما سجَّله التاريخ بحروف من نور: مواقف «المتطوِّعين» من الإخوان في حرب فِلَسْطِين. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في حديثنا عن صديقنا الطالب الشهيد عبد الوهاب البتانوني، وعن أخينا الفلاح حسن الطويل.

ذهب «المتطوعون» - كما سمَّوهم - باختيارهم، مؤدِّين حق الإسلام وحق الجهاد عليهم، متاجرين مع الله في أربح صفقة، بائعين أرواحهم لله تعالى.

ولقد دخلت جيوش الدول العربيَّة السبع، الَّتي كانت تتكوَّن منها الجامعة العربيَّة إلى فِلَسْطِين، وهي لا تدري تمامًا الهدف من دخولها! ومع كل جيش منها، مشكلة: هذا على رأسه قائد إنجليزي، وهذا يحارب بأسلحة فاسدة - كما قيل - وهذا ليس عنده أوامر، ولم يكن ضباط هذه الجيوش أحرارًا في اتخاذ قرارهم، حتَّى قال بعض قادة الجيش المصري: إنِّي لا أخاف من «شرتوك» تل أبيب، بقدر ما أخاف من «شراتيك» القاهرة!

ومعنى هذا: أن كثيرًا من الضباط الكبار في الجيش المصري لم يكونوا على دين السياسيِّين والزعماء المستسلمين، وكان لبعضهم دور مشكور، مثل: اللواء المواوي، واللواء صادق، وسيد طه الملقب بالضبع الأسود.

ومما شكا منه المخلصون الواعون: أن الجيوش العربيَّة لم يكن بينها أي قدر من التنسيق، ناهيك بالتعاون والتضامن.

على أي حال، لم تستطع جيوش الدول الرسميَّة أن تقاوم عصابات بني صهيون. وحوصر الجيش المصري في «الفالوجا»، وكان فيه جمال عبد الناصر، وبعض الضباط الأحرار.

وأُسِر بعض الضباط المصريين، ومنهم: الرائد (الصاغ) معروف الحضَري. وكان الَّذين قاموا بدور ملموس في ذلك الوقت هم المتطوعين الإسلاميِّين، الَّذين ضربوا أروع الأمثال في التضحية والفداء والإيثار، سواء منهم من كان تحت قيادة البطل أحمد عبد العزيز، أم تحت قيادات إخوانيَّة مثل: كامل الشّريف، وغيره من قادة الإخوان.

لقد وضع هؤلاء الشباب الأبطال رؤوسَهم على أكفهم، ولم يبالوا أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، فهم لا يهابون الموت، بل يسعَوْن إليه، وإنَّما هي إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة في سبيل الله، وهل هناك درجة أعلى من الشهادة في سبيل الله؟

على أنَّهم يؤمنون أن الأعمار أيَّام معدودة، وأنفاس محدودة، وأن أجل الله إذا جاء لا يؤخَّر، وأن لكل إنسان أجلًا مسمًّى، وأن من لم يمت بالسيف مات بغيره، وأن الموت في سبيل الله هو عين الحياة، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169].

حتَّى لقد قال أحد القادة البريطانيين في أوَّل معركة دخل فيها هؤلاء، واستشهد فيها اثنا عَشَرَ من شباب الإسلام، كان بينهم بعض طلاب الأزهر من شبين الكوم مثل: صديقنا حلمي جبريل، وإخوانه، قال هذا القائد: لو كان معي ثلاثة آلاف من هؤلاء، لفتحت بهم الفتوح.

ولقد حكى الأستاذ كامل الشريف في كتابه التاريخي: «الإخوان المسلمون في حرب فِلَسْطِين» صورًا رائعة، لبطولات فارعة لهؤلاء الفتية الَّذين آمنوا بربهم وزادهم هدًى. حتَّى إنَّه كان إذا أراد واحدًا أو اثنين أو ثلاثة لمهمة عسكريَّة خطيرة، تقدَّم إليه العشرات، يتسابقون أيهم يقوم بالمهمة، فلا يفصل بينهم إلا القُرْعة.

ولقد كان أحدهم يصاب في المعركة، فيفقد ساقه أو ذراعه، فينظر إلى العضو المصاب وهو ينشد ما أنشده الصحابي الأوَّل:

وَلَسْتُ أُبَالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا  **  عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ  **  يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

ولقد قال بعض ضباط اليهود للرائد معروف الحضَري، وهو أسير لديهم: نحن لا نخاف من الجيوش العربيَّة، ولكننا حقيقة نخاف من جماعة «الله أكبر». أي من شباب المتطوعين. قال لهم: وما الَّذي يُخيفكم منهم، وهم قليلو الخبرة بالأمور العسكريَّة، وسلاحهم متواضع؟ قال له: نحن لا نخاف من سلاحهم، ولا من تدريبهم، ولكنَّا نخافهم لأمر مهم؛ هو أنَّنا - نحن اليهود - جئنا من أقطار شتَّى إلى هذه الأرض لنعيش، وهؤلاء جاؤوا من أقطارهم إليها ليموتوا، فكيف نواجه أمثال هؤلاء؟!

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-01-04 10:30:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-11-17 01:50:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام