الشيخ الشعراوي ممن درَّسني في المرحلة الثانوية

الشيخ الشعراوي ممن درَّسني في المرحلة الثانوية


📁 مقالات الإمام📅 2025-11-03 07:16:00👁 2,117 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:    

أهم من درَّسني في المرحلة الثانويَّة، هو: الشيخ محمَّد متولي الشعراوي. وقد كان في تلك الفترة من حياته معروفًا بالشعر والأدب، ولم يكن معروفًا بالدعوة الدينيَّة.

وكان للشعراء مجالٌ يبرزون فيه ويتنافسون، ويُظهر كلٌّ منهم أنفَس ما عنده من جواهر، وذلك في مناسبة الاحتفال بالهجرة النبويَّة أوَّل محرم من كل عام. ويتبارى فيه الخطباء والشعراء من الأساتذة ومن الطلاب.

وكان نجم الشعر المتألق في معهد طنطا هو الشيخ إبراهيم بديوي، الَّذي سُمِّي: «شاعر المعهد»، والَّذي كان له في كل مناسبة قصيدة جديدة. ولكن ظهر نجم آخر، غطَّى على نجومية البديوي.

هو نجم الشيخ الشعراوي، الَّذي ألقى قصيدة رائية من بحر الخفيف، شدَّت إليها الحاضرين، واستحوذت على قلوبهم، وتجاوب معها الشيوخ والطلاب. نسيتُ مطلعها، ولكن ممَّا جاء فيها عن سيِّدنا أبي بكر:

وَكَفَاهُ عَلَى الْفَخَارِ دليلًا      «ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ»

وختمها الشاعر ببيت من عيون الحكمة، يقول:

كُلُّ دُنْيَا تُبْنَى عَلَى غَيْرِ دِينٍ      فَبِنَاءٌ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ!

وكان الشيخ الشعراوي مدرِّسًا ناجحًا تمامًا، متمكِّنًا من مادته، حسن التعبير عن مراده، محترَمًا من الطلاب، قادرًا على ضبط الفصل، يتحرك يمنة ويسْرة في أثناء شرحه، أشبه ما يكون بطريقته في دروس التفسير الَّتي شهدها النَّاس منه بعد ذلك في حلقات «التلفزة».

وكان الشيخ الشعراوي من الناحية السِّياسيَّة محسوبًا على حزب الوفد، ومعدودًا من رجاله، ولكنَّه - والحقُّ يقال - لم يكن من الحزبيِّين المتفلتين، فقد كان رجلًا ملتزمًا بشعائر الدين، محافظًا على الصلوات في أوقاتها، هو وزميله وصديقه الَّذي كان يدرِّسُنا «تاريخ الأدب العربي» بقدرة وجدارة، الشيخ المنوفي.

وكان حزب الوفد في هذه المرحلة في تنافسٍ شديد، وصراع حارٍّ، مع جماعة الإخوان، فكلاهما يريد أن يكسب الشارع المصري إلى صفِّه. وبعد أن كان الوفد هو المسيطر على الشارع، وهو الَّذي يُحرِّك الرأي العام إذا أراد، أصبح له في الميدان منافس قوي شديد البأس، يقود الجماهير باسم الإسلام، ويكسب كل يوم منه أرضًا جديدة، ويخسر الوفد جزءًا من جمهوره التقليدي.

وهذا الصراع انعكس على طلاب الوفد وطلاب الإخوان في المعاهد والمدارس والجامعات. وكان الإخوان أقوى صوتًا، وأشد تأثيرًا، بمن لهم من ممثلين أقوياء، مثل: مصطفى مؤمن زعيم طلاب جامعة القاهرة، أو قل: زعيم طلبة مصْر كلها، والخطيب السياسي الجماهيري الَّذي يسحر الألباب.

ويبدو من سياق الأحداث أن الشيخ الشعراوي قد شُحِنَ من قِبَل بعض المشايخ والطلبة الوفديِّين في المعهد، ضد طلاب الإخوان، وأنهم حذَّروه منهم، وأنهم قد يُشغِّبون عليه في درسه، أو نحو ذلك.

ومن دلائل ذلك: أنِّي سألت الشيخ في أثناء درسه في البلاغة سؤالًا علميًّا بريئًا، كما أفعل مع كل أساتذتي، فأنا بطبيعتي أحبُّ أن أفهم، وأحب أن أناقش، ولا آخذ كل شيء قضيَّة مسلَّمة، ولكن الشيخ الشعراوي رأى السؤال تحديًا له، واستشاط غضبًا، ظهر على صفحات وجهه، وقال لي يرد على التحدِّي - في نظره - بتحدٍّ مثله أو أقوى منه: اسمع يا يوسف، إن كنت ريحًا فقد لاقيتَ إعصارًا! فقلت له: والله، ما قصدتُ غير السؤال العلمي البحت، ولم يتَّجه تفكيري إلى ما فهمته قط.

وكان هو السؤال الأوَّل والأخير، فلم أحاول أن أسأله بعد ذلك، حتَّى لا يُسِيء فهمي. ومضت السنة الدراسيَّة، وجاء الامتحان، وكان من نزاهة الشعراوي أن منحني أعلى درجة في الفصل.

وقد تلاقينا بعد ذلك في مناسبات شتَّى، قد يأتي الحديث عن بعضها، آخرها حين اختارت لجنةُ دبي الدولية للقرآن الكريم الشيخَ الشعراوي أولَ شخصيَّة إسلاميَّة تكرِّمُها.

وكلَّمني رئيس الجائزة وعدد من أعضائها يدعونني لحضور حفل تكريم الشيخ بصفته شخصيَّة سنة (1418هـ - 1997م)، فرحبت بالدعوة، وقلت لهم: إن للشيخ الشعراوي حقًّا عليَّ، ويسُرُّني أن أسهم في تكريمه.

والحق أن الشيخ رحمه الله سُرَّ سرورًا بالغًا بحضوري ومشاركتي، وذكَّرته بقصيدته القديمة الَّتي ألقاها في حفل المعهد بمناسبة الهجرة النبويَّة، والَّتي ختمها ببيته الشهير: كلُّ دُنيا تُبْنَى عَلَى غَيْرِ دَيِنٍ    فبِنَاءٌ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ!

فقال لي: إنَّ الشيخ محمَّد محيي الدِّين عبد الحميد رحمه الله (العالم المحقق المعروف) قال لي: إنَّ هذا البيت، هو بيت القصيد في هذه القصيدة. وذكر لي ما فهمتُ منه أنَّ بعض شيوخ الوفد الأزهريِّين كانوا قد حذَّروه من طلبة الإخوان، ولكنَّه وجدهم على غير ما ظنُّوه.

وقد كانت مناسبة لأتحدَّث عن فضل الشيخ الشعراوي، ودوره في تفسير القرآن، وفي تصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة، وفي الوقوف في وجه التيارات الهدَّامة، وإن لم يكن معصومًا، فكلُّ بشرٍ يؤخذ من كلامه ويُترك، إلَّا المعصوم صلى الله عليه وسلم. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2026-01-04 10:30:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام