مسرحيَّة «يوسف الصِّدِّيق»

مسرحيَّة «يوسف الصِّدِّيق»


📁 مقالات الإمام📅 2025-10-27 03:00:00👁 2,116 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

أوَّل عمل لي دخل المكتبة العربيَّة كان عملًا شعريًّا مسْرَحِيًّا، فقد قرأتُ مسرحيَّتي شوقي: «مصرع كليوباترا»، و«مجنون ليلى» وتأثَّرتُ بهما، وأردت أن أنسج على منوالهما مسرحيَّة عن قصَّة سيِّدنا يوسف عليه السلام، لما فيها من غرائب الأحداث، ممَّا يصلح لمسرحيَّة شعريَّة.

وقد شرعت في كتابتها وأنا في السنة الرابعة الابتدائيَّة، وأكملتها وأنا في السنة الأولى الثانويَّة، ودفعتُ بها إلى المطبعة، وكانت تُسمَّى: «المطبعة اليوسفيَّة»، فكان هذا من المفارقات، فالموضوع هو: «يوسف الصِّدِّيق»، والمؤلف هو: يوسف القرضاوي، والمطبعة هي: «اليوسفيَّة» لصاحبها: يوسف..  

وكانت المشكلة في تكاليف الطبع، فالمطبعة تريد مبلغًا مقدَّمًا، وأنا لا أملك هذا المبلغ، ولا توجد جهة تُشجِّع الشباب الناشئين كما يوجد في هذه الأيام. ولم أجد مَن يُعينني في ذلك غير قريب لي هو الحاج محمَّد الرياشي الحاروقي، الَّذي أسلفني مبلغ خمسة جنيهات، أعطيته للمطبعة، وكتبت عليَّ وَصْلًا بالباقي، وكان العدد كله (500) خمسمائة نسخة، أهديت وبعت منه في محيط الطلبة والإخوان حوالي المائة.

وبقي نحو (400) أربعمائة نسخة، فهيَّأ الله رجلًا اشتراها على ما أذكر بعشرة جنيهات، أعطيت منها الخمسة الَّتي استلفتها من قريبي وسددت باقي مبلغ المطبعة، وقلت: الحمد لله الَّذي أخرجني سالمًا، لا لِي ولا عليَّ، فإن الدَّيْن همٌّ بالليل، ومَذَلَّة بالنهار.

وقد أثنتْ بعض المجلات الأدبيَّة في حينها على المسْرَحيَّة، بوصفها تمثِّل نموذجًا من شعر الشباب، ونقلت فقرات منها.

وقد كتبتُ على غلاف المسرحيَّة هذه الأبيات:

يَا مَنْ رَمَتْهُ اللَّيَالِي اصْبِرْ لِرَمْيَتِهَا  **  إِنَّ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ أَدْوَارُ

فَالْجَوُّ يَصْحُو، وإِنْ عَمَّتْ غَمَائِمُهُ  **   وَاللَّيْلُ يَعْقُبُهُ صُبْحٌ وَإِسْفَارُ

وَانْظُرْ لِيُوسُفَ أَضْحَتْ مِصْرُ فِي يَدِهِ  **   وَقَبْلُ فِي سِجْنِهَا انْتَابَتْهُ أَظْفَارُ

وعلى غرار ما جرى عليه كثير من الشعراء في ذلك الزمن، وضعت صورتي في مقدمة المسرحيَّة، وكتبت تحتها:

أَمُصَوِّرَ الْأَشْكَالِ وَالْأَبْدَانِ  **  هَلَّا تُصَوِّرُ حِكْمَتِي وَبَيَانِي!

أَتُصَوِّرَنْ وَجْهَ الرِّجَالِ وَتَتْرُكَنْ  **  تَصْوِيرَ مَا بِالرَأْسِ مِنْ عِرْفَانِ

الْمَرْءُ لَيْسَ بَوَجْهِهِ أَوْ جِسْمِهِ  **  لَكِنْ بِفِكْرٍ ثَاقِبٍ وَلِسَانِ

لَوْ كَانَ قَدْرُ الْمَرْءِ جِسْمًا لَا حِجًا  **  لَسَمَا عَلَيْهِ الثَّوْرُ بِالْجُسْمَانِ

ويبدو في هذا الشعر شيء من الإعجاب بالنفس، وهو ليس من خُلقي، ولكنِّي قلته محاكاةً وتقليدًا لشعراء ذلك الزمان.

كان هذا هو عملي المسرحي الأول. ولقد عملتُ عملًا مسْرحيًّا آخر، في عالم النثر، وهو مسرحيَّة تاريخيَّة تجسد طغيان الحجَّاج بن يوسف الثقفي وجبروته وموقف العلماء منه، ممثَّلًا في واحد من أبرزهم هو العالم الفقيه الشجاع سعيد بن جُبَيْر. وقد سَمَّيْتُ هذه المسرحيَّة: «عالمٌ وطاغية».

وقد مُثِّلتْ في أكثر من بلد، ولقيتْ قبولًا. وأما مسْرحية: «يوسف الصديق» فلم تمثَّل؛ لأن الفتوى المعتمدة: أن رسل الله وأنبياءه لا يُمَثَّلون.

ولم أجرِّب نفسي في فنِّ القِصَّة، وإن كنتُ فكرتُ في ذلك، وأنا في هذه المرحلة الثانويَّة، ثمَّ تهيَّبْتُ خوض التجربة، وإن كنتُ كثيرًا ما أنصح إخواني وأبنائي من الأدباء الإسلاميِّين الناشئين أن يدخلوا هذا المعترك، ولا يَدَعوه للماركسيِّين والعلمانيين، الَّذين أودعوا رواياتهم وقصصهم مفاهيمهم وفلسفتهم عن الدِّين والحياة، وعن الله والطبيعة، وعن الفرد والمجتمع، وعن الإنسان والشيطان، أحيانًا صريحة مكشوفة القناع، وأحيانًا بالرمز والتغطية بأثواب شتَّى.

وقلَّ من الإسلاميِّين من أبدع في هذا الفن الأدبي، وترك «بصمة» تشير إليه، وتدلُّ عليه، مثل صديقنا: الدكتور نجيب الكيلاني رحمه الله، وصديقنا: محمَّد عبد القُدُّوس حفظه الله .

 

لا توجد أخبار حاليًا

الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام