اللطف الإلهي

اللطف الإلهي


📁 مقالات الإمام📅 2025-10-06 08:20:00👁 2,087 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

كانت الحياة قد بدأت تغلو قليلًا قليلًا، وبدأ النَّاس يشكون من زحف الغلاء سنة بعد أخرى.

وكان هذا الغلاء الزاحف ببطء بالنسبة إليَّ امتحانًا عسيرًا، فما عندي من النفقة محدود، والعين بصيرة، واليد قصيرة. ولكن لله ألطافًا وأسرارًا لا يعرفها إلا من عايشها، كما قال الشاعر:

لَا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ  **  ولَا الصَّبَابَةَ إلَّا مَنْ يُعَانِيهَا

وقد قال ابن عطاء الله في حكمه: مَنْ ظنَّ انفكاك لطفه عن قدره، فذلك لقصور نظره {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ} (يوسف:100).

ولهذا كان من اللطف الإلهي أن نودي عليَّ: إن لك مكافأةً في الإدارة، فاذهب لقبضها. وكانت هذه المكافأة «ثلاثة جنيهات مصْرية» بالتمام والكمال، هي مكافأة «الأولية» في الترتيب. فكانت هذه نجدة من السماء، فقد كان هذا المبلغ في ذلك الوقت كبيرًا ومجزيًا، ويقضي به المرء أوطارًا لا وطرًا واحدًا.

وكانت هذه المكافأة تُسمَّى: «جراية المنشاوي»، والمنشاوي هذا أحد أثرياء الغربيَّة، الَّذين وفقهم الله تعالى فوقفوا أموالهم على الخير؛ فهناك جامع المنشاوي للصلاة، ومستشفى المنشاوي الخيري للعلاج، ومعهد المنشاوي الديني للتعليم. وكان يدخله من لم يستكمل شروط المعهد الرسمي مثل السن ونحو ذلك.

ثم هذه الأوقاف الَّتي وقفها، ليُنفَق من رِيعها على طلبة العلم المتفوِّقين في دراستهم، تشجيعًا وتكريمًا لهم، وحفزًا وتحريضًا لغيرهم. فجزى الله المنشاوي باشا خيرًا عما قدَّم لي ولأمثالي، وللفقراء من أبناء وطنه، وغفر له ورحمه رحمة واسعة.

وكان هذا من حسنات عددٍ من باشوات عهد الملكيَّة، على خلاف الباشوات الجدد (باشوات الثورة) الَّذين جمعوا الملايين، ولا يجودون بالملاليم!

ولذا كان أوَّل ما فكرتُ فيه أن كسوتُ نفسي بما يليق، فاشتريت ثلاثة أمتار إلا ربعًا من الصوف الجيد، وفصَّلتها جلبابًا يليق بالعمامة الَّتي ألبسها. كما اشتريت بعض الملابس الأخرى داخلية وخارجية، وحسَّنت من فراشي وغطائي. وقد قال تعالى: {لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِ} (الطلاق:7).

وظلَّت هذه الجنيهات الثلاثة مصدرًا ثابتًا لي، فلم تتخلَّف عني في سنة من السنوات، حتَّى بعض السنوات الَّتي لم يكن ترتيبي بها الأوَّل -مثل الشهادة الابتدائيَّة- لم أُحرم منها، فقد كانت تعطى للثلاثة الأوائل. 

 

لا توجد أخبار حاليًا

الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام