شمول العبادة للدين كله وللحياة كلها

شمول العبادة للدين كله وللحياة كلها


📁 مقالات الإمام📅 2025-09-25 20:05:00👁 2,297 مشاهدة

سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول الله عزَّ وجلَّ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ} [البقرة:21]، ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب رحمه الله، عن ذلك إجابة مبسوطة مفصَّلة تضمنتها رسالته المعروفة باسم «العبودية»، وقد بدأها بقوله: «العبادة: هي اسم جامع لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرُّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.

وكذلك حبُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكُّل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله».

وهكذا نجد أن للعبادة - كما شرحها ابن تيمية - أفقًا رحبًا ودائرة واسعة، فهي تشمل الفرائض والأركان الشعائرية، من الصلاة والصيام والزكاة والحج.

وهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبُّد التطوعي من ذكر وتلاوة ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد.

وهي تشمل حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد، كبرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل، والرحمة بالضعفاء، والرفق بالحيوان.

وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلَّها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.  

كما تشمل ما نسميه بـ«الأخلاق الربانية»، من حبِّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخشية الله، والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكُّل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، والمراقبة له في الخلوة والجلوة.

وأخيرًا تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج ذلك كله وملاكه وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله.

بل تشمل العبادة أيضًا أمرًا له أهميته وخطره في الحياة المادية للناس، ذكره ابن تيمية في موضع آخر من رسالته، وهو الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن التي أقام الله عليها الكون، قال: «فكلُّ ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة».

وأكثر من ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: أن الدين كلَّه داخل في العبادة. إذ الدين يتضمَّن معنى الخضوع والذل. يقال: دنته فدان، أي أذللته فذلَّ. ويقال: يدين الله ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له. فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له. والعبادة أصل معناها: الذل أيضًا».

وبهذا يلتقي معنى الدين بأصل معنى العبادة لغة وشرعًا.

العبادة تسع الحياة كلها:

وإذا عرفنا أن الدين كلَّه عبادة كما قال الإمام ابن تيمية، وعرفنا أن الدين قد جاء يرسم للإنسان منهج حياته الظاهرة والباطنة، ويحدِّد سلوكه وعلاقاته، وفقًا لما يهدي إليه هذا المنهج الإلهي؛ عرفنا أن عبادة الله تسع الحياة كلها، وتنظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة وسياسة الحكم، وسياسة المال وشؤون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.

ولهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية، تتناول جوانب شتى من الحياة، وفي سورة واحدة - هي سورة البقرة - نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة: {كُتِبَ عَلَيۡكُمُ}.

ولنقرأ هذه الآيات الكريمة: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى} [البقرة:178]، {كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ} [البقرة:180]، {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، {كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡ‍ٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ} [البقرة:216].

فهذه الأمور كلُّها، من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال، مكتوبة من الله على عباده، أي: مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها.

وبهذا البيان يتَّضح لنا حقيقة هامة لا زال يجهلها الكثيرون من المسلمين. فبعض الناس لا يفهم من كلمة «العبادة» إذا ذكرتْ إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، ونحو ذلك من الأدعية والأذكار، ولا يحسب أن لها علاقة بالأخلاق والآداب، أو النظم والقوانين، أو العادات والتقاليد.

إن عبادة الله ليست محصورة - إذن - في الصلاة والصيام والحج، وما يلحق بها من التلاوة والذكر والدعاء والاستغفار، كما يتبادر إلى فَهم كثير من المسلمين إذا دُعوا إلى عبادة الله، وكما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفَّوا الإلهية حقَّها، وقاموا بواجب العبودية لله كاملًا.

إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء الإسلام - على منزلتها وأهميتها - إنما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده.

والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة، إنها تشمل شؤون الإنسان كلَّها، وتستوعب حياته جميعًا. 

 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام 📅 2025-10-30 09:16:00👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام 📅 2025-10-06 10:16:00👁 0 مشاهدة
الأكثر مشاهدة في مقالات الإمام