أول رحلة إلى بلاد الشام

أول رحلة إلى بلاد الشام


📁 مقالات الإمام • 📅 2025-12-12 22:02:03 • 👁 50 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي: 

في أوائل شهر أغسطس سنة (1952م)، أي بعد حوالي مضي أسبوعين على قيام ثورة (23) من يوليو جاءني أمر من الأستاذ الهضيبي المرشد العام أن أتهيَّأ لرحلة إلى بلاد الشام: لبنان، وسوريا، والأردن، أنا والأخ الفاضل الأستاذ محمَّد علي سليم من إخوان الشرقيَّة، توثيقًا للصلة بالإخوة هناك، وتعميقًا للتربية عندهم.

وكانت هذه أوَّل رحلة لي خارج مصر، وقد رحبت بها كل الترحيب. فالسفر نصف العلم، وفي أمثالنا: قالوا: الَّذي يعيش يرى كثيرًا، قيل: لكن الَّذي يسافر يرى أكثر، وقد حفظنا من شعر الإمام الشافعي:

ما في المُقام لذي عقل وذي أدب   من راحة، فدعِ الأوطانَ واغترب

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسده    إن سال طاب، وإن لم يجْرِ لم يطِبِ

والتِّبْر كالتُّرب ملقى في أماكنه   والعود في أرضه نوع من الحطب

فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبُه         وإن تغرَّب ذاك اعتزَّ كالذهب

لهذا استبشرتُ بهذه الرحلة لأرى فيها الدُّنْيا والناس، وأتعلَّم من مدرسة الحياة لا من الكتب وحدها. وفيها كانت لي هناك أوَّليَّات شتى: فهي أوَّل مرَّة أستخرج فيها جواز سفر، وأول مرَّة أركب فيها الباخرة إلى خارج مصر، فقد ركبت الباخرة «عايدة» إلى الطور، وأول مرَّة أركب فيها الطائرة عائدًا إلى مصْر من عمَّان، وأول مرَّة ألبس فيها قميصًا وبنطلونًا، وأول مرَّة: أُضَّطر للتعامل مع إخواني بِاسمٍ غير اسمي، وأول مرَّة أحمل فيها نقدًا غير العملة المصرية، وأتعامل به، إلى آخره.

كانت الثورة (ثورة 23 يوليو 1952) في أيامها الأولى، ولم يكن يُسمح لأحد بالسفر إلا بتصْريح من رجال الثورة، ولا بد أن يكون التصريح مسبَّبًا. ولكن كانت العلاقة حسنة بين رجال الثورة والإخوان، فاستطاع الأستاذ منير دلَّة عضو مكتب الإرشاد أن يستخرج لي تصريحًا بالسفر، مندوبًا لشركة أدوات كهربائية يملكها أحد الإخوان.

وكان علينا أن نسافر بأرخص الوسائل حتَّى لا نكلف الجماعة الكثير، فكانت الباخرة هي الأرخص، وعلينا أن نختار أرخص الدرجات في الباخرة، وهي ما يسمونه: «أون دك» أي: على السطح، وكان الأخ سليم هو الَّذي يتولَّى الصرف.

ووصلنا إلى الإسكندريَّة، وألقيتُ محاضرة بدار الإخوان هناك، وبتُّ عند صديقي السيِّد الغضبان، ابن محلة أبو علي، ومندوب طلبة الإخوان في جامعة الإسكندريَّة، لنسافر من الغد إلى بيروت.

وركبنا الباخرة «سيبيريا» على ما أذكر، وأخذنا موقعنا على سطحها، وقلنا: باسم الله مجراها ومرساها. وكان السطح جميلًا جدًّا، وخصوصًا بالليل، تُطالعنا نجوم السماء، الَّتي جعلها الله زينة ومصابيح للسماء، وزيَّنها للناظرين، وكان البحر الأبيض في غاية الروعة والجمال والجلال، والباخرة الكبيرة تشق عبابه في قوَّة وانسياب، وأتذكر قوله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ} [الشورى:32].

وفي اليوم التالي، وصلنا إلى بيروت، وهي مدينة هادئة جميلة، ومعظم شوارعها لا تتسم بالسعة، ولم يكن فيها في ذلك الوقت أي ازدحام في الشوارع أو في المواصلات، بل الحياة رخية ندية كنسيم البحر الَّذي يهب عليها. ولم يكن للإخوان وجود رسمي بها، ولكن كانت هناك جماعة «عباد الرحمن»، الَّتي أسسها الداعية والمربي الفاضل الأستاذ محمَّد عمر الداعوق، فتعرَّفنا على مَن لقيناه منهم، ولا أذكرهم الآن، ولم يكن الأستاذ الداعوق حاضرًا ببيروت.

وكان في بيروت الأستاذ الفُضَيل الورتلاني، أحد مشاهير علماء الجزائر الَّذين نفتهم فرنسا من الجزائر، لخطورتهم ونشاطهم، وقد بقي في القاهرة مدة من الزمن، وكان على صلة وثيقة مع الأستاذ البنَّا، وقد كلفه الأستاذ البنَّا بملف «اليمن»، والاتصال بأحرارها ورجال الإصلاح فيها.

وكان له دور معروف غير منكور في انقلاب اليمن على الإمام يحيى حميد الدين، وقد فشل الانقلاب الَّذي قام به ابن الوزير، وسيف الإسلام إبراهيم ابن الإمام يحيى، بعد أن نجح أوَّل الأمر، ولكنَّه لم يستقر، لأسباب كثيرة.

وقد فرَّ الأستاذ الورتلاني من اليمن، وحاول أن يجد بلدًا يؤويه، فلم يجد، وظل على ظهر الباخرة شهرين، حتَّى استطاع بوسيلة أو أخرى أن ينزل إلى بيروت، ويُعرف بين النَّاس باسم: «أبو مصطفى».

وكانت فرصة طيبة لي أن التقيت به، وتحدثت طويلًا إليه، واستمعت إلى أفكاره في الإصلاح، واقترحتُ عليه أن ينزل إلى مصر، بعد تغيُّر الوضع وزوال المَلَكية، ووافق على ذلك، على أن ينزل في صورة تليق بمكانته وتاريخه.

بقينا في بيروت نحو ثلاثة أيام، ثمَّ عزمنا متوكِّلين على الله أن نتوجه إلى دمشق عن طريق البر طبعًا. وكان الأخ محمَّد سليم قد اقترح عليَّ أن أغيِّر زيِّي الأزهري؛ لأنَّه يلفت النظر في سوريا، في حين أنَّنا نريد أن نقضي أيامنا في ربوعها بلا ضجيج ولا إعلان.

ولهذا اشتريتُ قميصًا وبنطلونًا، وخلعت الكاكولة والعمامة، ولبستهما لأوَّل مرَّة، وكان هو الأليق بالحال في سوريا؛ فقد دخلت سوريا عصْر الانقلابات العسكريَّة، من حسني الزعيم، إلى الحناوي، إلى أديب الشيشكلي، الَّذي يحكم سوريا حاليًّا، وقد كانت قبضة الحكم العسكري قوية، ورجال المكتب الثاني يسيطرون على أزِمَّة الأمور.

لهذا لم يكن من الحكمة أن أتحرَّك بالزي الأزهري الَّذي يجعل الأصابع تشير إليَّ حيثما ذهبت. بل اقترح عليَّ الإخوة المسؤولون في دمشق، ومنهم: الأخ كاظم نصري، والأخ «عليّ الحسن» المسؤول عن الأسر، أن أختار اسمًا آخر أتعامل به مع الإخوان، فاخترت اسم «عبد الله المصري»، حتَّى لا يكون فيه كذب، فأنا عبد الله، ومصري.

وعرفني عامَّة الإخوان السوريين بهذا الاسم، إلا أخوين أو ثلاثة، ورتَّب لي الأخ عليّ الحسن لقاءات مع عدد من الأسر، ألتقي بهم في سرية وتكتُّم، حتَّى لا نكشف أمام جهات الأمن المفتَّحة الأعين.

كما هُيئ لنا معسكر في بعض القرى الجبلية القريبة من دمشق، كنت أقوم فيه بالتربية الإيمانية والفِكْرِيَّة، ويقوم بالتدريب: الأخ عبد العزيز علي، الَّذي لحق بنا هناك.

وفي ليلة من الليالي، كنتُ في بيت أحد الإخوان الدمشقيين، أُلقي عليهم درسًا، ومع حرصي على خفض صوتي، إلا أن طبيعتي غلبتني، وارتفع صوتي دون أن أشعر، وهو صوت مصري اللجهة! وسرعان ما سمع الإخوة طَرْقًا على الباب، فقالوا: المكتب الثاني!

وهنا أدخلوني إلى مكان الحريم في الداخل، وفُتح الباب، وإذا هو أحد رجال الأمن، اقتحم عليهم الباب، ودخل الحجرة الَّتي فيها الإخوان، فقال: هل عندكم ضيف؟ فقالوا: ليس عندنا أحد، ولكنَّا نجلس لتلاوة القرآن، ويحدثنا أحدنا في تفسير بعض الآيات! ولم يجترئ الرجل على أن يفتش حجرات الحريم، ومرت الليلة بسلام.

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام • 📅 2026-08-02 23:13:49 • 👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام • 📅 2026-05-09 23:13:36 • 👁 0 مشاهدة