صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:


📁 مقالات الإمام • 📅 2026-01-30 22:52:59 • 👁 92 مشاهدة

صفحة من مذكرات سماحة الشيخ القرضاوي:

انتهت رحلة البحث عن العمل الَّذي أكسب منه لقمة العيش الحلال، لأدخل في رحلة أخرى هي رحلة البحث عن بنت الحلال شريكة الحياة. وقد كنت أرجو قديمًا أن أتزوج بعد تخريجي بسنة واحدة، ولكن الاعتقالات لاحقتني، فلم تُمكنِّي من تحقيق هذه الأمنية.

كان الجانب المالي يمثِّل أولى العقبات في سبيل الزواج، فلم تكن لديَّ الوظيفة المستقرَّة بعد خروجي من المعتقل، كما لم يكن لديَّ ما أدفعه مهرًا وشبكة وأعد به بيتًا صالحًا لحياة زوجيَّة مناسبة.

فلما هيَّأ الله لي التعيين في وزارة الأوقاف، أمست لي وظيفة معقولة، كما هيَّأ الله لي ظروفًا جمعتُ فيها ما يقرب من مائتي جنيه، وهذا مبلغ طيب يُشجِّعني على التقدُّم إلى أسرة ملائمة لأخطب منها.

ويطيب لي أن أذكر من أين جاءني هذا المال، لقد جاءني من ابتعاثي سنتين خلال شهر رمضان إلى مدينة العريش عاصمة سيناء من قِبل وزارة الأوقاف، وكانت تعطيني في كل مرَّة حوالي سبعين جنيهًا.

كما كلَّفتني الوزارة - أو مراقبة الشؤون الدينيَّة فيها - أنا والأخ أحمد العسَّال بالإشراف على طباعة تفسير لعالِم هندي كبير (ثناء الله الآمرتُسْري)، ويتضمن تفسير القرآن بالقرآن، وهو تفسير على هامش المصحف، وقد قُمنا بالمهمة، ومنح كل منا مكافأة، أظنها كانت سبعين جنيهًا.

هذه «السبعينات» الثلاثة من الجنيهات المصريَّة، كانت هي رأس المال الَّذي ادَّخرته للزواج، ولم أنفق منه شيئًا، ولا سيَّما أنِّي ليس لي مصاريف شخصيَّة، فأنا لا أجلس على مقهى، ولا أدخل سينما، ولا أدخِّن.

ولا أكاد أنفق إلا في مأكلي ومشربي وملبسي، وشراء كتبي، وغالبًا ما تكون من الكتب القديمة، بعضها من «سور الأزبكية» الشهير، الَّذي كان سوقًا معروفة لبيع الكتب القديمة، ولا يوجد عالِم أو أديب أو باحث، لم يذُق لذَّة البحث عن الكتب حول هذا السور العتيد.

لقد حاول خالي رحمه الله - وأنا طالب بكُلِّيَّة أصول الدِّين - أن يزوَّجني من إحدى قريباتنا من قرية شبشير الحصة بالقرب من قريتنا، وكان لا ينقصها الجمال ولا الدين ولا الخلق، ولا الحسب ولا المال، ولكن كان ينقصها شرط، وينقصني أنا شرط.

أما شرطها، فهي أنَّها لم تتعلم أكثر من الابتدائيَّة، وهذا القدر من التعلُّم لا يكفيني. وأما الشرط الَّذي ينقصني أنا، فهو أنِّي لم أزل طالبًا، ومعنى زواجي منها: أن تنفق عليَّ من مالها، وقد كان أهلُها مرحِّبين غاية الترحيب بذلك، ولكن كرامتي لم تسمح لي أن أكون عالة على مال امرأتي.

شروط فيمن أريدها زوجة:

بدأ إخواني وأصدقائي من حولي يسألونني عن شروطي في الفتاة الَّتي أنشدها زوجًا لي وأمًّا لأولادي. فقلتُ لهم: إن لديَّ أربعة شروط لست مستعدًا لأن أتنازل عن واحد منها:

الأول: أن تكون من أسرة طيبة، ذات معدِن أصيل، وأن يظهر ذلك في دينها وسلوكها، فلا أريد «خضراء الدِّمَن»، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء. فلا بد أن تكون محافظة على الصلاة، فهذا أمر أساس.

قالوا: هل تشترط أن تكون محجبَّة؟ قلت: أستحسن هذا ولا أشترطه - لندرة المحجبَّات في ذلك الوقت - ولكن لا تكون متبرِّجة.

والثاني: ألا يقلَّ تعليمها عن الشهادة الثانويَّة، ولو كانت جامعية، فهو أفضل، حتَّى تستطيع أن تتفاهم معي، وأتفاهم معها، وأن تساعد أولادها في المستقبل.

والثالث: أن تكون على قدر من الجمال يُرضيني، فخير النساء من تسُرُّ إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، والجمال أمر نسبي، فما يعجبني قد لا يعجب غيري، وما يعجب الآخرين قد لا يعجبني. والناس في ذلك جد متفاوتين. المهم أن أراها فتدخل قلبي. والناس يقولون: الحب مستغنٍ عن الجمال. يعنون: أن الرجل قد ينظر إلى امرأة فتستهويه، وتملك عليه قلبه من أوَّل نظرة، وهي في عينه ملكة جمال، والآخرون ربَّما لا يرون فيها شيئًا من الجمال.

والرابع: شرط غريب في نظر الكثيرين، وهو: أن يكون لها إخوة أشقاء من الذكور خاصَّة. وسرُّ ذلك: أنِّي وحيدُ أبي، فليس لي إخوة، ومعنى هذا: أن أولادي لن يكون لهم أعمام، فينبغي أن يكون لهم أخوال.

هذه شروطي الأربعة، الَّتي أعلنتها وأشعتها بين الأصدقاء، وعلى أساسها يجب أن يكون بحثهم معي عن النصف الآخر، وقد طفقوا يبحثون، وطفقت أنا أبحث أيضًا.

وبدأ الأصدقاء يرشِّحون لي أسماء لفتيات من مدن وبلاد شتَّى، فأحيانًا أرفض العرض، لنقص شرط من الشروط الَّتي وضعتها.

وبعد مشوار شاقِّ حافل بالمحاولات الفاشلة؛ جاء الفرج والتيسير من الله، الَّذي قضت سُنته أن تجعل بعد العُسر يسرًا، وبعد الليل فجرًا.

لقد رشَّح لي عدد من أصدقائي بمحلة أبو علي وسمنود: فتاة من عائلة طيبة الأصول، كريمة المعدن، والدها يعمل ناظرًا بإحدى المدارس، في مركز سمنود، وخالها طبيب كبير مشهور، ولها ثلاثة أشقاء، أكبرهم خريج كلية الحقوق، وهو يقضي الآن مدة التجنيد الإجباري، وقالوا لي: نظنك تعرفه، فقد كان معتقلًا معك في السجن الحربي، وهو الأخ سامي عبد الجواد الهرم.

وقد حصلت على الشهادة الثانويَّة، ولم تسمح ظروفها العائلية بالسفر إلى القاهرة للدراسة بالجامعة، وهي الآن في العشرين من العمر، أو فوق العشرين بقليل، وهي على قدر طيب من الجمال باعتراف الجميع. كما أنَّها على قدر أطيب من حسن السيرة والخُلُق، يشهد به كل من خالطهم.

قلت للإخوة: أما الأخ سامي عبد الجواد، فأنا أعرفه جيدًا، وهو مفتاح جيد لهذا الباب.

وقلتُ في نفسي: الحمد لله، هذه والله مناسبة من جميع الوجوه، وفيها توافرت الشروط الأربعة الَّتي وضعتُها لمن أختارها، وهي: العائلة، والجمال، والثقافة، والأشقاء. لعلَّ الله جلَّ ثناؤه يكون قد كتبها لي.

وقال الإخوة الكرام الوُسَطاء: محمَّد بدر عبد الباسط، وعليّ خلف من سمنود، ومصباح عبده، ورمزي الدمنهوري من محلة أبو عليٍّ: نرتب لك لقاءً، تراها وتراك. قلتُ لهم: لقد حلفتُ ألَّا أفعل ذلك، لما سبَّبْته من أذًى نفسيٍّ لبنات الناس. ولكن يجب أن تساعدوني في رؤيتها بدون علمها، وهذا جائز شرعًا، ما دام القصدُ هو الارتباط الحلال وفق شرع الله.

وفعلًا رتبوا ترتيبًا حسنًا، فقد كانت الفتاة المرشَّحة صديقة صدوقة لشقيقة الأخ محمَّد بدر عبد الباسط، وكانتا زميلتين في الدراسة، وبينهما تزاوُر وتلاقٍ مستمرٍّ، وكانت الخطة: أن تذهب شقيقة الأخ محمَّد للعروس، وتصحبها من بيتها لزيارة أخرى، وأن أنتظر في مكان معيَّن مناسب في الطريق، ومعي بعض هؤلاء الإخوة، ليعرفوني: من هي منهما؟

وقد تحقَّق ما اتفقنا عليه، ومرَّت الفتاتان في المكان المعهود عند مكان اسمه: «سيدي محمد»، وقيل لي: إنَّها تلك صاحبة الفستان الأصفر، فقلت: الله أكبر. هذه هي العروس الَّتي كنتُ أبحث عنها. لقد انفتح لها قلبي من أوَّل نظرة. والعينُ رسول القلب، وسألت الله أن ييسِّر الأسباب لإتمام الأمر على ما يحب ويرضى.

وهنا قال الإخوة الأصدقاء الوُسطاء: بقي عليك الآن أن تتحرَّك، وتبدأ الخطوة الأولى. وهي الاتِّصال بشقيقها الأستاذ سامي، الَّذي عرفته في السجن الحربي، وهو يعرفك من قديم كما نعرفك، وازداد معرفة بك داخل السجن قطعًا، وهو يقضِي فترة التجنيد في القاهرة، ويخرج كل يوم خميس ليقضِي إجازته عند خالته في حلوان، وتستطيع أن تقابله هناك. وأعطَوْني العنوان، وأوصوني بسرعة التحرُّك.

ولقد عرفت الأخ سامي فعلًا في السجن، واسترحتُ إليه، لما لمستُ فيه من ذكاء وإخلاص، ونشاط وبشاشة وجه، وحسن خلق وحضور شخصيَّة، ولم أكن أحسب أن القَدَر سيربط بيننا بمصاهرة أبدية، وأنه سيصبح الخالَ الأكبر لأولادي.

لذا حين عدتُ إلى القاهرة ذهبت إلى منزل الخالة نجيَّة خالة سامي وخالة العروس، ودققتُ الباب، فخرج الأخ سامي، وفوجئ بي، فقال: أهلًا وسهلًا، وتعانقنا، وجلسنا في حجرة الضيوف - الَّتي يسمونها: «الصالون» - ورحَّب بي الأخ سامي، الَّذي لم يرَني منذ أيَّام الحربي، ولم يكن يتوقَّع هذه الزيارة الَّتي لا يدري سببها. وقد كان يعرفني شيخًا معمَّمًا، فها هو يراني قد غيرت زيي القديم، لأرتدي الحُلَّة الإفرنجيَّة (البدلة).

وبادرتُ أنا بالحديث، لأقطع دهشة المفاجأة، وقلتُ: هل تعرف يوسف القرضاوي؟ قال: كيف لا أعرفه؟! أخونا الكبير وأستاذنا. قلتُ: وهل تعرف إسعاد عبد الجواد؟ قال: كيف لا أعرفها وهي أختي وشقيقتي؟ قلت: بلا مقدمات وتطويل، لقد جئت لأخطبها، فما قولك؟ وأنا الآن موظف في وزارة الأوقاف، ومستقرٌّ والحمد لله.

قال: مبدئيًّا هذا يسعدني، ولكنك فاجأتني، ولا بدَّ من تمهيد الأمر عند العائلة، وخصوصًا الوالد، فأعطني فرصة حتَّى أرد عليك.. ثمَّ دخل عند خالته ليحضر لنا الشاي، ولكنَّه انتهز الفرصة وكلَّمها فيما جئتُ من أجله. فقالت له: أتِحْ لي فرصة لأراه و«لأخطبه» نيابةً عن إسعاد ابنة أختي، فقال لها: يمكنكِ أن تَرَيْه من نافذة الحجرة إذا خرجتِ إلى الشارع.

وقد علمتُ أنَّها رحمها الله خرجت إلى الشارع، ونظرتْ وحدَّقت، وقدَّمت تقريرًا كان في صالحي.

سرتني هذه المقابلة الأولى، واستأذنت في الانصِراف، منتظرًا الرد من الأخ سامي، بعد أن يكتب إلى والده، ويشاور العائلة.

وكان سامي في صفِّي، واجتهد أن يقنع والده بقبولي خاطبًا لابنته الوحيدة، وأن يضفي عليَّ من الصفات و«المقبِّلات» ما يروج عند والده رحمه الله.

وبعد فترة أبلغني الأخ سامي بموافقة العائلة على أن نلتقي لنتحدث في التفاصيل والإجراءات.  

الرحلة إلى سَمَنُّود ثمَّ المنصورة لشراء الشبكة:

واتفقت مع الأستاذ سامي على المهر و«الشبكة»، وعلى موعد عقد القران. وفي أواخر شهر يوليو ذهبت إلى منزل والد العروس في سمنود لأوَّل مرَّة، ومعي: السُّكَّر والشربات وعُلب الحلوى الَّتي توزع على المدعوِّين ونحو ذلك.

وعندما وصلتُ إلى المنزل قلت لهم والعروس حاضرة، وقد رأوني لأوَّل مرَّة: أمَّا أنا فقد رأيت العروس من قبل رؤية خاطفة، ولكنَّها كافية، وهي لم ترني إلا الآن، ومن حقها ألا تتم الصفقة إذا لم تُعجبها البضاعة عند المعاينة، والقاعدة الشرعيَّة: أن من اشترى ما لم يره، فله الخيار إذا رآه. وضحكوا، وقالوا: يبدو أن العريس دمه خفيف. وقالوا: كيف نرجع في كلامنا بعد أن أحضرت الشربات ولوازم الفرح؟ قلت: ولكنَّا لا زلنا على البر.

وبت عندهم تلك الليلة، وجلست مع العروس في حضور أهلها، وتعرفت عليها، وتعرفت عليَّ، واستراح كلانا إلى الآخر. أو «دخل قلبه». وفي الحديث الصحيح: «الأرواح جنود مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». ويبدو أن رُوحينا قد تعارفتا فائتلفتا، وهذا من فضل الله.

وفي الصباح تقرَّر أن نذهب إلى المنصورة لنشتري ما يسميه المصْريون: «الشبكة»، على أنِّي لا أجد مانعًا من قبول فكرة «الشبكة»، على اعتبار أنَّها نوع من الهدية يهديها الخاطب إلى مخطوبته.

ذهبنا إلى المنصورة أنا والعروس بصحبة الحاجة رابعة أم الأخ محمَّد بدر عبد الباسط، وشقيقته مجيدة صديقة العروس - الَّتي رتَّبت فرصة رؤيتي الأولى لها - وهي صديقة أم العروس، وقد أنابتها عنها في شراء الشبكة؛ لأنَّها مشغولة بإعداد الطعام للضيوف، وعلى رأسهم «عريس» .... البنت الوحيدة، وكانت الحاجة رابعة سيِّدة من فضليات النساء، ولها خبرة بمحلات الذهب وبائعيه والثقات منهم، وتعرف ما المطلوب في هذه المناسبة.

ومشينا في شوارع المنصورة، وكانت خطواتي سريعة، فكنتُ أسبقهم بمسافة، فقالت لي الحاجة: يا أستاذ يوسف، لا بدَّ أن تعوِّد نفسك من الآن على المشْي المناسب للنساء، فلا تُسرع الخطوات كثيرًا، وإلا تركتَ زوجتك تمشي وحدها!

وكانت نصيحة مهمة، فالمشي مع النساء لا تُناسبه السرعة الَّتي تعودتُها في عهد العزوبة.

واشترينا شبكة محترمة على ذوق العروس، وكان الذهب رخيصًا في ذلك الزمان، فكان ثمنها أقل من سِتِّين جنيهًا فيما أذكر.

عقد القران:

وبعد يومين قضيتهما في سمنود بالقرب من العروس، كانا من أسعد الأيَّام في حياتي، ذهبتُ إلى قريتي صفط تراب، لأدعو الأقارب والأحباب والمهمِّين من أهل القرية لحضور عقد القران في سمنود في عصر يوم (31/7/1958م).

وفي اليوم المحدَّد ذهبتُ مع الأهل والأقارب إلى سمنود لعقد العقد أو «الميثاق الغليظ» كما سمَّاه القرآن الكريم، وقد أُعدَّ سرادقٌ أمام منزل العروس، وعقد العقد على بركة الله تعالى، بحضور هذا الجمع الكريم من أهل سمنود، وأهل صفط وطنطا والمحلة ومحلة أبو علي.

وفي الليل عاد المدعوُّون من أهل صفط وطنطا وغيرها إلى بلدانهم، وبقيت أنا في منزل الأصهار، وقد أصبحت واحدًا منهم، فالمصاهرة أحد الرابطين اللذين يربط الله بهما بين النَّاس برباط طبيعي، وهما: النسب والصهر، كما قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗا} (الفرقان:54).

يا سبحان الله! إن هذه الكلمات القليلة: زوَّجتُكَ ابنتي فلانة على كتاب الله وعلى سُنَّة رسول الله.. وقبلتُ الزواج منها.. بحضور الشهود، تُحِلُّ للإنسان ما كان محرَّمًا، وتدخله في أسرة كان غريبًا عنها، وتنشئ بيتًا إسلاميًّا، يُضَم إلى بيوت المسلمين.

بقيت مع عروسي، بعد أن أمست زوجة شرعيَّة لي، ولم يعد أهلها حريصين على أن يكون بيننا رقيب من إخوانها الصغار، كما كان ذلك قبل العقد. وتحدَّثتُ إليها، وتحدثت إليَّ، وطال الحديث الَّذي لم ينقطع إلى اليوم، والحمد لله.

كان أصهاري كرماء معي، فلم يطلبوا مني من الصداق ما يؤود ظهري، وقالوا: ادفع ما تقدر عليه، فدفعتُ مائة جنيه مقدَّمًا، وسجلت عليَّ خمسين مهرًا مؤخَّرًا.

ووفقًا للتقاليد المصريَّة، كان على والد العروس أن يُعِدَّ لها جهازًا لائقًا: ثلاث حجرات: للضيوف (الصالون)، والطعام (السفرة)، والنوم. وعليَّ السجاجيد والنجف والمطبخ.

وبعد يومين أو ثلاثة غادرت سمنود، بعد أن تعلَّق قلبي بعروسي، وتعلَّق قبلها بي، في انتظار أن يكمل تصنيع الجهاز، الَّذي يقوم به محل أثاث متخصص مشهور بالإتقان، يملكه أحد أقارب حماتي (ابن عمتها).

وسافرتُ من سمنود إلى مدينة «بورسعيد» لأقضي نحو عشرة أيَّام على شاطئها، مع ثلة من المشايخ والإخوان، على رأسهم: شيخنا الشيخ محمَّد الغزالي، ولما انتهت رحلتنا إلى بورسعيد، عدت إلى سمنود، لأبقى بها يومًا أو يومين، ثمَّ أسافر إلى القاهرة، وأحيانًا إلى قريتنا.

وبعد شهور تقرَّر الزفاف - بحمد الله - في (14/12/1958م)، ونقلنا الأثاث من سمنود إلى شقتي بالقاهرة، في حدائق شبرا شارع الشيخ عبد الرحمن قراعة.

وفي الليلة السابقة على الزفاف، أقيم حفل عائلي محدود، جمع الأقارب وأخص الأصدقاء في منزل العروس. وفي اليوم التالي (14/12) أعارنا عمدة قريتنا سيّد بك خضر سيارته لأمتطيها أنا وعروسي ووالدتها إلى شقتنا المذكورة، وقد حملَتْ معها من ألوان الطعام الفاخر ما يكفينا لعدة أيَّام، وخصوصًا أنَّنا في فصل الشتاء، فنعمنا بالرُّومي والبط والحمام.

وبعد أيَّام تركتني حماتي، وأوصتني بابنتها خيرًا، وقالت: إنَّها أمانة عندك. فقلتُ لها: إنَّها في عيني، وأنا أولى من يصون الأمانة إن شاء الله. لقد باتت جزءًا مني، كما أنِّي جزء منها

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام • 📅 2026-07-12 23:13:45 • 👁 0 مشاهدة