المسافر والصيام

المسافر والصيام


📁 مقالات الإمام • 📅 2026-02-23 22:52:59 • 👁 54 مشاهدة

السفر والتنقل جزء من حياة الإنسان، قلما يستغني عنه الناس في بدو أو حضر. وللإنسان من وراء السفر حاجات وأغراض دينية ودنيوية، فردية واجتماعية. فهو يسافر لطلب العلم، ولطلب الرزق، ولطلب الأمن، ولطلب الشفاء، ولطلب الثواب بالحج أو العمرة، أو الجهاد، كما يسافر لأغراض علمية واجتماعية مثل زيارة الأقارب والأصدقاء، أو التعرف على معالم البلدان الأخرى، والمشاركة في ندوات أو مؤتمرات، وقد يكون السفر لمجرد ترويح النفس بعد عناء العمل الطويل، وكل هذا مشروع، ولا حرج فيه.

ولهذا عني الإسلام بالسفر، وجعل له أحكامًا، تقوم على التيسير والتخفيف عن المسافر، وتضع له رخصًا وأحكامًا شتى، في الطهارة والصلاة والصيام والزكاة.

شرعية الفطر للمسافر:

ومن الرخص التي شرعها الإسلام للمسافر رخصة الفطر في الصيام، وهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع. ففي القرآن: قال الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة:185].

وقد أعاد الله تعالى في هذه الآية ما ذكره في الآية السابقة، التي كانت تمثل مرحلة في التشريع ثم نسخت: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. وذلك ليؤكد بقاء هذا الحكم، وأنه لم ينسخ كما نسخ حكم التخيير بين الصوم، والفطر مع الفدية.

أكد القرآن أن المريض والمسافر يفطران ويقضيان عدة من أيام أخر، بعدد الأيام التي أفطراها. وجاءت السنة فأكدت هذا الحكم قولًا وعملًا وتقريرًا. ففي الصحيحين، عن عائشة، أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: «إن شئتَ فصم، وإن شئتَ فأفطر».

وفي رواية لمسلم، أنه قال: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه». وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر.

وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، أفطر، فأفطر الناس. وعن أبي الدرداء: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره، في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة.

وعن أنس بن مالك: كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة، وسيأتي بعضها في مناسبته.

وأجمعت الأمة بكل مذاهبها على شرعية الفطر للمسافر. حتى ذكر الإمام ابن تيمية: أن من أنكر الفطر للمسافر يستتاب، وإلا حكم عليه بالردة.

وقد ذهب بعض الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر، وأن من صام لا يجزئه الصيام، وعليه القضاء، وهو مذهب الظاهرية، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فدل على أن قضاء أيام أخر واجب عليه لا محالة، والجمهور تأولوه بأن المراد: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر. والسنة القولية والعملية والتقريرية تدل عليه، وفيما ذكرناه من الأحاديث ما يكفي.

السفر بالوسائل لا يسقط الرخص الشرعية:

والسفر بالقطارات والسفن البخارية، والطائرات ونحوها من الوسائل المريحة في عصرنا لا يُسقط الرخصة التي جاء بها الشرع، فهي صدقة تصدق الله بها علينا فلا يليق بنا أن نرفضها.

وقد تفلسف بعض الناس البعيدين عن الفقه وزعموا أن السفر الآن غير السفر في الماضي، فلم يعد سيرًا على الأقدام، ولا ركوبًا للجمال، ولا قطعًا للفيافي، فلا مبرر للرخص المرتبة على هذا النوع من السفر.

ونسي هؤلاء أن الأحكام الثابتة ـ وخصوصًا في أمور العبادات ـ لا تبطل بالرأي المجرد. وقد ربطت نصوص الشرع رخصة الإفطار كغيرها بأمر ظاهر منضبط، وهو السفر، ولم تربطه بالمشقة؛ لأنها غير ظاهرة ولا منضبطة.

على أن السفر ـ أيًّا كانت وسيلته ـ لا يخلو من نوع مشقة، والإنسان إذا لم يكن في داره ومحل إقامته واستقراره، لا يخلو من قلق ومعاناة. وللسفر في عصرنا متاعب أخرى ـ عصبية ونفسية ـ يعرفها الذين يعانون الأسفار، فليست المشقة البدنية هي كل شيء.

وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: «يجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصيام أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرًا، في الظل والماء ومعه من يخدمه، جاز له الفطر والقصر».

مسافة السفر ومتى يفطر المسافر؟

اختلف الفقهاء في مقدار السفر الذي يحيز الأخذ بالرُّخص للمسلم المسافر، ومنها: الفطر في الصيام. ومتى يفطر: من مجاوزة عمران البلد، أم من منزل المسافر نفسه؟ وهل يفطر وإن كان قد نوى الصيام وسافر بعد الفجر؟

والمشهور في فقه المذاهب الآن أن مسافة السفر نحو «80» أو «90» كيلو مترًا. وأنه لا يفطر حتى يجاوز مساكن البلدة. ولكن ابن القيم يقول في «زاد المعاد»: «ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد ﷺ.

وكان الصحابة حين ينشئون السفر، يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه ﷺ، كما قال عبيد بن جبر: ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟

ولفظ أحمد: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دنونا من مرساها، أمر بسفرته، فقرِّبت ثم دعاني إلى الغذاء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ؟ فقلت: لا. قال: فكل. قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا.

وقال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلَتْ له راحلته وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة. ثم ركب».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى»: «وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر، فمذهب مالك والشافعي وأحمد: أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا، كما بين مكة وعسفان ومكة وجدة، وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين. وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة.

وإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد. أظهرهما أنه يجوز ذلك، كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي ﷺ. وقد ثبت في الصحيح، عن النبي ﷺ، أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.

وأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة. وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء، ولكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.

ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب، وغيرهم، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم، وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه. فأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا فهذا لا يقصر ولا يفطر». 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

مقالات الإمام • 📅 2026-02-25 16:15:00 • 👁 0 مشاهدة
مقالات الإمام • 📅 2018-05-23 23:11:43 • 👁 0 مشاهدة