مئوية القرضاوي.. قرنٌ من الميلاد وأمةٌ من الأثر

مئوية القرضاوي.. قرنٌ من الميلاد وأمةٌ من الأثر


📁 مقالات عامة • 📅 2026-09-10 13:10:25 • 👁 52 مشاهدة

د. وصفي عاشور أبو زيد

في مثل هذا اليوم، التاسع من سبتمبر سنة 1926م، أبصرت قرية صفط تراب في محافظة الغربية بمصر مولد طفلٍ سيغدو، بعد قرن من الزمان، واحدًا من أعلام الإسلام الكبار، وأئمة الفقه والتجديد، وأصحاب الأثر الممتد في حياة الأمة.

إنه شيخنا الإمام يوسف بن عبد الله القرضاوي، رحمه الله ورضي عنه. واليوم، إذ تكتمل مئة عام على ميلاده، ونقترب من الذكرى الرابعة لرحيله في السادس والعشرين من سبتمبر 2022م، لا نستحضر تاريخ رجلٍ مضى، بل نستحضر مشروعًا علميًّا ودعويًّا وتربويًّا لا يزال حاضرًا في العقول والقلوب، وفي الكتب والمؤسسات، وفي مواقف العلماء وضمائر الأجيال.

لقد كان القرضاوي من أولئك العلماء الذين تتسع بهم صورة العالم في الوعي الإسلامي؛ فلا يقف علمهم عند فنٍّ واحد، ولا تنحصر رسالتهم في وظيفة واحدة. جمع بين الفقه وأصوله ومقاصد الشريعة، والتفسير والحديث، والدعوة والتربية، والفكر والاقتصاد، وفقه الأسرة والدولة والمجتمع، وأحسن الوصل بين علوم التراث وأسئلة العصر، وبين محكمات النصوص ومقاصدها، وبين فقه الأحكام وفقه الواقع والمآلات.

ولم تكن موسوعيته جمعًا للمعارف فحسب، بل كانت قدرةً على التأصيل والتجديد، وعلى تحويل العلم إلى بصيرة تهدي، ومنهجٍ يضبط، وفتوى تراعي الإنسان والزمان والمكان. ومن هنا كان حضوره البارز في إحياء فقه المقاصد والأولويات والموازنات والسنن والمآلات، وفي ترسيخ منهج الوسطية الذي يجمع بين الثبات والمرونة، والأصالة والمعاصرة، والتيسير المنضبط والوفاء للنصوص.

ولقد خلّف الإمام تراثًا علميًّا ضخمًا، انتظمت أعماله الكاملة في مائة وخمسة مجلدات، تشهد لعمرٍ نذر صاحبه نفسه للعلم والتعليم والتأليف والإصلاح. غير أن أعظم ما يميز هذا التراث أنه لم يبق حبيس الرفوف؛ فقد صار موضوعًا للدراسات والرسائل الجامعية والمؤتمرات، ومادةً لتكوين الباحثين والدعاة، وأساسًا لمدرسة علمية امتدت في أقطار العالم.

لقد ألّف الكتب، وألّف معها الرجال؛ وترك في الأمة تلاميذ ومحبي علمٍ يحملون مناهجه، ويناقشون اجتهاداته، ويواصلون الإفادة من مشروعه. وليس الوفاء له أن نزعم له العصمة، أو نغلق باب النظر في آرائه، وإنما أن نعرف قدره، وننصف اجتهاده، ونحفظ فضله، ونواصل البناء على ما فتحه من آفاق.

وكان من أجلّ ما اجتمع في شخصيته ذلك الوصل الواعي بين العلم الشرعي والموقف الشرعي؛ فلم يكن الفقه عنده معرفةً تنعزل عن آلام الناس، ولا كانت المقاصد شعاراتٍ تُرفع بعيدًا عن مقتضياتها. عاش لقضايا أمته، ودافع عن هويتها وحقوقها، وواجه الاستبداد والاحتلال، وصبر على ما أصابه من ابتلاء، وظل يعلن أن كرامة العالم في استقلاله، وأن العلم أمانة لا تُباع ولا تُستأجر.

وقد لخّص موقفه في كلمته التي بقيت شاهدًا على اختياره: «لا أبيع ديني بدنياي، فضلًا عن أن أبيعه بدنيا غيري». وهكذا كان، في تقديرنا، من العلماء الذين جمعوا بين بيان الحكم والشهادة للحق، وبين فقه النصوص وفقه واجبات الوقت، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39].

وأستحضر في هذه المئوية أول لقائي به في صيف سنة 1999م، وأنا طالبٌ في بداية مرحلة الماجستير، أقطع المسافات وأبحث عن سبيل إلى رؤيته والجلوس بين يديه. وما زالت صورة ذلك اللقاء حيةً في نفسي: عالمٌ كبير يفتح بابه لطالب علم شاب، ويقدّم له الضيافة بنفسه، ويجيبه عن أسئلته في الفقه والأصول والدعوة، ثم يرشده إلى الوصل بين الفقه والحديث، والموازنة بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، والعناية بفقه السنن والأولويات والموازنات والمآلات.

وحين سألته عن مسألة تحتاج إلى بحث، قال لي في تواضع العالم وأمانته: «لن أستطيع أن أجيبك قبل أن أبحث؛ لأنه سؤال يحتاج إلى بحث وتأمل». فكانت تلك الكلمة درسًا في العلم لا يقل أثرًا عن كثير مما قرأت في كتبه. ثم ودّعني بدعاء ما زال يتردد في سمعي: «أسأل الله أن يشرح صدرك، وأن ينير بصيرتك، وأن ييسر لك الطريق». رحم الله شيخنا؛ فما زلت أرجو أن يكون لي من ذلك الدعاء نصيب.

وتأتي هذه المئوية اليوم وقد خرج ابنه عبد الرحمن في مقطع مصوّر بعد خروجه من سجون الإمارات، فتتجاور في الوجدان ذكرى الأب وعودة الابن، ويستحضر المحبون ما عرفوه من صبر هذه الأسرة على المحن. ولعل من أبلغ معاني هذه المناسبة أن الإنسان قد يغيب بجسده، ولكن أثره يبقى حاضرًا في أهله وتلاميذه ومحبيه، وأن الكلمة التي تُقال لله، والعلم الذي يُبذل للناس، والموقف الذي يُتخذ نصرةً للحق، لا تنتهي آثارها بانتهاء أعمار أصحابها.

إن مئوية القرضاوي ليست مناسبةً لتجديد الرثاء وحده، بل هي دعوةٌ إلى تجديد العهد مع العلم والعمل، وإلى قراءة تراثه قراءةً علمية واعية، وتحقيقه ونشره وترجمته، ودراسة مناهجه وتجديداته، والإفادة من مدرسته في بناء فقهٍ يجمع بين النص والمقصد، وبين الثابت والمتغير، وبين صلاح الفرد ونهضة الأمة. فالوفاء للعلماء لا يكتمل بكثرة الثناء عليهم، وإنما يكتمل حين تتحول آثارهم إلى علمٍ نافع، وتربيةٍ راشدة، وعملٍ صالح، ومواقفَ تحفظ للأمة دينها وكرامتها.

رحم الله شيخنا الإمام يوسف القرضاوي رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام وأمته خير الجزاء، ورفع درجته في عليين، وجعل علمه وكتبه وتلاميذه صدقةً جاريةً له إلى يوم الدين. اللهم اجزه عن علمه وتعليمه، وعن دعوته وتربيته، وعن صبره وثباته، وأخلفه في أهله وتلاميذه وأمته بخير، واجمعنا به في مستقر رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

مئة عام على الميلاد، وأربعٌ على الرحيل؛ وما زال في الأمة من علمه نور، ومن فقهه بصيرة، ومن مواقفه عزم، ومن دعائه أثر. وإنا على عهد العلم والحق والوفاء باقون. 

مقالات مرتبطة بالمحتوي

الأكثر مشاهدة في مقالات عامة