(3) الدين محور الحياة في القرية

(3) الدين محور الحياة في القرية


📁 سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-24 00:28:11 • 👁 27 مشاهدة
د. يوسف القرضاوي:
كان الدِّين في قريتنا ـ كما كان في قرى مصر بصفة عامَّة ـ هو المُؤثِّر الأوَّل في حياة الناس، كان الموجِّه الأوَّل لتفكير الناس، والمصدر الأوَّل لتثقيفهم، كما سنرى بعد، والمؤثِّر الأوَّل في سلوكيَّاتهم.
الدين محور الحياة:
المولود يولد على اسم الله، وعلى أنَّه نعمة من نعم الله سبحانه.
والزواج يتمُّ على كتاب الله وسُنَّة رسول الله، وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حَنِيفة النُّعْمان، كما يقول مأذون البلد باستمرار.
والميِّت يموت على مِلَّة رسول الله، ويُغسَّل ويكفَّن ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين على شرع الله.
والإنسان حين يأكل يبدأ باسم الله، وحين يفرغ من أكله يختم بحمد الله.
وكثيرًا ما نسمع منهم هذه الكلمة حين يأكل بعضهم ويشبع من الطعام العادي: اللهمَّ أدِمْها نعمة، واحفظْها من الزوال.
وكانوا يحترمون الخبز، ويُسَمُّونه: «النِّعمة»، وإذا وجد أحدُهم لقمةَ خبزٍ ساقطة في الطريق التقطها وقبَّلها، حتَّى لا يدوسها النَّاس بأقدامهم، فيكون ذلك كُفرانًا بنعمة الله.
وكل الظواهر والأشياء تُفسَّر باسم الله، وتقترن بذكر الله.
حين يعطس الإنسان يقول: الحمد لله، ويُشمِّته صاحبه فيقول: يرحمك الله.
وحين يودِّع صاحبه يقول له: في أمان الله، وبسلامة الله.
وحين يعود من السفر يقال له: الحمد لله على السلامة.
وحين يعود المريض يقول له: أجرٌ وعافية إن شاء الله.
وحين يخسر في صفقة أو يضيع منه شيء يُقال له: العوض على الله.
ويقول بعض من خسر: الله جاب(1) (أعطى) الله أخذ، الله عليه العوض.
وإذا نزلت بأحدهم مصيبة يقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وإذا عزَّاه أحدهم يقول له: ربّنا يجبر مصيبتك ويعوِّضك خيرًا.
وإذا قيل لأحدهم: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ أو كيف حالك؟ فإن ردَّه دائمًا: بخير والحمد لله.
إذا اغتنى أحدهم قال: هذا بفضل الله.
وإذا افتقر قال: بقدر الله.
وبهذا نرى النَّاس في القرية مخلوطين ومعجونين في الدِّين.
مساجد القرية:
كان أهمُّ مؤسَّسة في القرية هي: «المسجد»، وأهمُّ شخصيَّة مؤثِّرة في القرية هي شخصيَّة «عالِم الدِّين».
وكان في قريتنا خمسة مساجد، ثلاثة كبيرة، واثنان صغيران، والمسجد الصغير يُسَمِّيه الناس: زاوية.
وكانت المساجد ـ على عادة القرى في مصر ـ تسمَّى بأسماء مشايخ مدفونين فيها. ولا أدري هل بُنِيَ المسجد أوَّلًا ثمَّ دُفِنَ الشيخ أو العكس؟
في القرية مسجد سيِّدي عبد الله بن الحارث الصحابي، ومسجد سيِّدي سليمان، وزاوية سيِّدي صالح، وزاوية سيِّدي عبد الغني، ومسجد المُتولِّي، وهو مسجد ناحيتِنا، ومن فضل الله عليَّ أنَّه لم يكن فيه ضريحٌ لشَيْخ، وإن كان النَّاس يقولون: مسجد سيِّدي المتولِّي، على العادة. ويبدو أنَّ كلمة المتولِّي تعني: مُتَوَلِّي أمر البلدة، أي مسجد الحكومة. ويوجد مسجد المتولِّي بمدينة المحلَّة، وبالقاهرة أيضًا.
بعض النساء اللاتي لا يُصلِّين، وبعض الرجال الَّذين لا يُصَلُّون، كانوا يحافظون على الصلاة في شهر رمضان. فقد كان لرمضان حرمةٌ عظيمة في نفوس المسلمين، وكانوا يلتمسون فيه مغفرة خطاياهم طَوَال العام. وكثير من النَّاس الَّذين أضاعوا الصلوات، واتَّبَعوا الشهوات، لم يجرؤوا على إفطار رمضان، فكان هذا الشهر يُجبرهم على احترامه، ويُحَفِّزهم على صيامه.
وكثير من النساء كُنَّ يصُمْن رمضان كلَّه، حتَّى إنَّهنَّ لا يُفْطِرْن أيَّام الدورة الشَّهريَّة (الحَيْض)، مع أنَّ الصوم في هذه الأيَّام حرام، ولا يُقبل منها. ولكنَّ الجهل الشائع لدى النساء أدَّى إلى هذه النتيجة.
كان شهر رمضان كُلَّ عامٍ موسمًا للطاعات، ومتجرًا للصالحين والصالحات. وكان النَّاس يُجَدِّدون فيه إيمانهم بحقٍّ، بصيام نهاره، وقيام لَيْلِه، والانتفاع بدروسه؛ ولذا سمَّيتُه في بعض ما كتبتُ: «ربيع الحياة الإسلاميَّة»(2)، تتجدَّد فيه القلوب بالإيمان والصيام والقيام، والعقول بالمعرفة والعلم، والأسرة بالالتقاء على الفطور والسحور، والمجتمع بقوَّة الترابط والتزاور، والإحسان إلى الفقراء.
وكان فرصة لتلاوة القرآن وذكر الله تعالى وتسبيحه والدعاء والاستغفار له، وخصوصًا عند الإفطار، حين يفطر الصائم، ويقول: اللهمَّ لك صمتُ، وعلى رزقِكَ أفطرتُ.
ولقد كتب أحد كبار المُبَشِّرين في مصر تقريرًا في أوائل هذا القرن: كيف فشلت الحملة التبشيريَّة على مصر؟ فذكر أنَّ من أسبابه «أربعة أمور» تحطمت عليها محاولات التنصير في مصْر المسلمة: الأوَّل: القرآن. والثاني: الأزهر. والثالث: اجتماع الجمعة الأسبوعي. والرابع: مؤتمر الحجِّ السنوي.
وقد علَّقت على هذا القول بأنَّ هذا المنصِّر نسِي أن يذكر أمرًا خامسًا، وهو الموسم السنوي العظيم شهر رمضان، وما له من إيحاءات وثمرات في الأنفس والحياة بصيام أيامه، وقيام لياليه، ودروسه وعظاته.
وهناك فريضة دينيَّة، وشعيرة إسلاميَّة، وركن ركين من أركان الإسلام، لم يكن له أثر ملموس في الحياة الإسلاميَّة، كما شهدتها في صباي، وأعني به: فريضة الزكاة. وركن الزكاة، هو الركن المالي الاجتماعي الاقتصادي من أركان الإسلام، وهو الَّذي قرنه القرآن مع الصلاة في ثمانية وعشْرين موضعًا، والَّذي قال فيه أبو بكر: والله، لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة(3).
ويبدو لي أنَّ سبب اختفاء هذا الركن وعدم ظهوره بوضوح، يرجع إلى عدَّة أسباب:
أوَّلها: أنَّ جمهرة النَّاس في القرية كانوا فقراء لا يملكون النِّصاب.
ثانيًا: أنَّ كثيرًا من الَّذين يملكون النِّصاب، وتجب عليهم الزكوات، كانوا يخرجونها دون إعلان لأقاربهم وجيرانهم.
ثالثًا: غلبة الشُّحِّ وحبِّ الدُّنْيا على كثير من الناس، حتَّى نسُوا إقامة هذا الركن العظيم.
رابعًا: عدم وجود من يطالبهم بالزكاة، لا من الدولة، ولا من هيئات شعبيَّة.
ولكنِّي لاحظتُ أنَّ بعض الفلَّاحين ـ ومنهم عَمِّي ـ كانوا يُخرجون إذا اجتمع لهم خمسون كيلة مصريَّة من الحبوب (القمح أو الذُّرة أو غيرهما) كيلتين ونصفًا منها، زكاة للفقراء، نصف عُشر ما خرج من الأرض، حيث كانت الأرض تسقى بالسواقي ونحوها من الآلات، وليس بماء السماء.
وكان الملاحظ: أنَّ الفلَّاحين المحدودي الدخل هم الَّذين يحرصون على أداء الزكاة، لا كبار المُلَّاك الزراعيِّين.
رمضان موسم ديني سنوي:
في شهر رمضان يُصَلِّي إمام مسجدنا الشيخ أحمد مولانا التراويح بعِشْرين ركعة غير الشفع والوتر، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة: آية أو بعض آية من أوائل أرباع سورة البقرة، وعدد أرباعها: عشرون. فإذا كانت الآية قصيرة أكملها، وإن كانت طويلة نسبيًّا قرأ جملة منها، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا﴾[البقرة: 26]. ويكتفي بذلك، أو قوله سبحانه:﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾[البقرة: 177]. ويكتفي.
وبين المغرب والعشاء، بعد الإفطار السريع، يعقد درس في المسجد يقوم به أحد المشايخ، وهو مأذون البلدة، ومعظمه في الفقه على مذهب الشافعي، ويُطيل في هذه الدروس، الَّتي تتحدَّث غالبًا عن الطهارة: المياه وأحكامها، والاستنجاء وشروطه وآدابه، والوضوء وأركانه وشروطه وسننه ونواقضه، والتيمُّم والحيض والنفاس، إلخ. ولقد علَّقتُ على هذه الدروس يومًا، فقلت: إنَّ الشيخ يمضِي في دروسه هذه ثلاثين ليلة، ولا يخرج من دورة المياه!
والعجب أنَّه يكرِّر هذه الدروس في رمضان كُلَّ سنة، ولا يُجَدِّد نفسه. وقد تركَتْ هذه الدروس بعض الآثار السلبيَّة في نفسي إلى اليوم. فممَّا سمعته وتأثَّرْتُ به، وحاولت تطبيقه بشدَّة: ما سمعتُه من الشيخ في أحد دروس العشاء في رمضان عن شروط النيَّة، وقول الناظم فيها:
يَا سَائِلِي عَنْ شُرُوطِ النِّيَّهْ
القَصْدُ والتَعْيِينُ والفَرْضِيَّهْ
وقد شرح هذه الشروط، وضرورة استحضارها عند تكبيرة الإحرام بين الهمزة والراء، وقد جاهدتُ واجتهدتُ حتَّى تعلَّمْتُ ذلك، وبعد ذلك علمتُ أنَّ هذا الجهد الجاهد ليس من الدين في شيء، ولا لزوم له. ولكنِّي كثيرًا ما أنوي وأتوقف قبل تكبيرة الإحرام إلى اليوم، حتَّى أستحضر هذه النِّيَّة المزعومة!
الشيخ عبد المُطَّلِب البتَّة:
وظلَّ مسجدنا على هذه الوتيرة حتَّى ظَهَر «عالم جديد»، هو الشيخ عبد المُطَّلِب البتَّة، الَّذي تخرَّج في كُلِّيَّة الشريعة بالأزهر، وكان أوَّل دُفعته، وهو عالمٌ نشيط، ذو رُوح قويَّة وهِمَّة عالية، وشجاعة في قول الحقِّ، مع خفَّة ظلٍّ، وقَبول عند الناس.
بدأ الشيخ عبد المُطَّلِب بخطب الجمعة، فقلبها رأسًا على عقب، أصبح يرتجل الخطبة ارتجالًا، ولا يقرؤها من ورقة، كالخطباء من قبله، وأصبح يُحَضِّر خطبته تحضيرًا جيِّدًا، ويُحَدِّد لها موضوعًا معينًا، يُعِدُّه ويُهَيِّئ له أعمدته من الآيات والأحاديث، والأقوال المأثورة، فشدَّ النَّاس إليه، وانتفع النَّاس به.
وقد عالج الشيخ عبد المُطَّلِب في خُطبه أمراض المجتمع من الغشِّ والكذب والخيانة، وعقوق الوالدين، وقطع الأرحام، وغيرها، وحارب البدع المنتشِرة في المجتمع، وأمسى هو الموجِّه الأوَّل للناس.
وفي رمضان ابتكر الشيخ درس العصر، ولم يكن موجودًا قبله، يفسِّر فيه آيات من القرآن، أو يشرح أحاديث من الأحاديث النبويَّة، مثل أحاديث «الأربعين النوويَّة». وكان للشيخ عبد المُطَّلِب تجديدات في دروسه لا يجدها النَّاس في غيره، يريد أن يُنَشِّط بها النَّاس، ويجذب انتباههم، مثل دعوته الحاضرين إلى أن ينشدوا معه في كلِّ درس، هذه الأبيات:
يَا رِجَالَ الله هُبُّوا
ليس غَيْرَ اللهِ ربُّ
إنَّ في القُرْآنِ آيَةْ
وَهْيَ لِلعُشَّاقِ طِبُّ
لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى
تُنْفِقُوا ممَّا تحبُّوا
يقصد:﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: 92]. كما هو لفظ الآية، ولكن حذفت النون لضرورة القافية. ولا أدري هل يجوز هذا في القرآن الكريم؟
كان الشيخ عبد المُطَّلِب البتَّة مثالًا حيًّا للعالِم القويِّ في علمه، القوي في رُوحه، الحريص على أداء رسالته، ونفع أهل قريته. وأشهد أنِّي انتفعت بالشيخ البتَّة، ولزمتُ دروسه بعد العصر في مسجد المتولِّي، حتَّى كدتُ أحفظها، بل كنتُ ألزمه في صلاة التراويح، حيث كان يصليها في مسجد صغير يُسمَّى: مسجد سيِّدي عبد الغني. وكان يصلي التراويح عشرين ركعةً كالعادة، ولكنَّه خالف أوائل أرباع سورة البقرة في كلِّ ركعة، واخترع طريقة أخرى لضبط العدد، وهو أن يقرأ سورة الضحى مرتين، وهي إحدى عشرة آية. ولكنَّه يقرأ في الركعة الأولى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾[الضحى: 1، 2]. ثمَّ في كل ركعة آية.
وقد ظل الشيخ عبد المُطَّلِب يخطب أكثر الجُمَع بمسجد المتولِّي، حتَّى عُيِّن مُدَرِّسًا بمعهد شبين الكوم الديني. وكان خِرِّيجو الأزهر لا يجدون عملًا لهم في تلك المرحلة من الزمن، ولكن لأنَّ الشيخ البتَّة كان أوَّل فرقته، فقد عُيِّن مدرِّسًا بالمعاهد الأزهريَّة. ولكنَّه كان يعود إلى الخطابة بالمسجد في فترة الإجازة الصيفيَّة، ومن حُسْنِ الحَظِّ أنَّ رمضان كان يأتي في إجازة الصيف، فلم ينقطع عن درسه فيه.
علماء القرية الآخرون:
وكان شقيق الشيخ عبد المُطَّلِب هو الشيخ أحمد البتَّة «وهو واعظ بالأزهر»، يخطب أحيانًا إذا زار القرية، أو يلقي درسًا بعد الصلاة، وكان واعظًا مجيدًا ومُؤَثِّرًا، وقد تُوفي مبكرًا 5 .
وكذلك الشيخ أحمد محمَّد صقر المدرس بكُلِّيَّة أصول الدِّين، من علماء القرية المرموقين، وكان يخطب الجمعة أو يلقي درسًا في المسجد إذا زار القرية، وقد كان مقيمًا بالقاهرة، وكان من أحسن النَّاس تلاوة للقرآن، وقد تأثَّرتُ بتلاوته كثيرًا.
ومِثْلُ الشيخ أحمد صقر ابنُه العالِم المحقِّق الشيخ السيِّد أحمد صقر، الَّذي خطب في مسجد المتولِّي مرَّة أو مرَّتين، والشيخ أحمد عبد الله المُدَرِّس بكُلِّيَّة الشريعة بالأزهر، وقد كان يلقي درسه بانتظام في مسجد سيِّدي سليمان، القريب من بيته، وقد حضرت بعض دروسه في رمضان، وكان عبارة عن أحاديث نبويَّة يختارها غالبًا من «شرح النووي على صحيح مسلم»، ويُعَلِّق عليها تعليقًا خفيفًا.
أمَّا مسجد سيِّدي عبد الله بن الحارث ـ وهو مسجد الصحابي الجليل دفين القرية ـ فقد كان قليل الحظِّ من الخطباء والعلماء، حتَّى عُيِّن فيه الشيخ عبد المُطَّلِب غانم، من قبل وزارة الأوقاف، فأخذ يُنَظِّم خطبه ويُعِدُّها إعدادًا طيِّبًا، واستمرَّ بالمسجد حتَّى أُحِيل على التقاعد 5 .
وكان بعض الأزهريِّين من طلَّاب المعاهد الثانويَّة والكلِّيَّات الأزهريَّة، يشاركون في الخطابة في مساجد القرية، وأذكر أنَّ أحدهم خطب مرَّة خطبة عنَّف فيها أهل القرية ووبَّخهم، وكان من عباراته الَّتي حفظها النَّاس وردَّدوها: أَوَكلَّما سافرتُ من القرية وعدتُ إليها وجدتُكم كالأنعام أو أضلّ سبيلًا؟! ممَّا جعل أهل المسجد يردُّون عليه ويشتمونه، وهو فوق المنبر! ولهذا ينبغي أن يكون الخطيب عَفَّ اللسان، حكيمًا في تعبيره، بحيث لا يجرح مشاعر الناس، ولا يهوِّن من شأنهم.
الطرق الصوفيَّة في القرية:
لم يكن للطرق الصوفيَّة الشهيرة والكبيرة في قريتنا نفوذ وأتباع، إلَّا أفرادًا قليلين كانوا من أتباع الطريقة الشاذلية، ممَّن كانوا يعملون في مصانع شركة الغزل بالمحلَّة الكبرى. ولكن كان هناك أتباع للطريقة «البيوميَّة»، وهم مشهورون بالذِّكْر الجماعي، الَّذي كثيرًا ما يتمُّ على نشيد المنشد وأنغام «السلاميَّة»، ويتراقصون في ذكرهم بطريقة رياضيَّة قويَّة، تحتاج إلى جسمٍ مَرِنٍ قادرٍ على هذه الحركات والالتواءات.
وكان من المشايخ الَّذين لهم صلة بالقرية: الشيخ محمَّد سليمان العناني، الَّذي كان يأتي من طنطا إلى القرية، والَّذي يعتقد أهل القرية أنَّه من أولياء الله الصالحين، وكان رجلًا مُشْرِقَ الوجه، يبدو على وجهه نورانيَّة تجذب النَّاس إليه، وقد رأيتُه مرَّة، ورأيتُ ازدحام النَّاس عليه.
وكان من الطرق الشهيرة في مصْر في ذلك الوقت: «الطريقة الخليليَّة» الَّتي أسَّسها الشيخ إبراهيم أبو خليل في الشرقيَّة. وكان رجلًا أُمِّيًّا، ولكنْ يحكون عنه من الكرامات والخوارق الشيء الكثير، وكنتُ أسمع هذه الحكايات من زوج خالتي الحاجِّ محمَّد الرياشي الحاروني، الَّذي أخذ عهدًا على الشيخ «أبو خليل» نفسه، وكان دائم الذكر والتسبيح. وكان الحاجُّ رياشي رجلًا صالحًا في نفسه، صادقًا في قوله، أمينًا في عمله، مستقيمًا في أخلاقه.
وقد نشأتْ في قريتنا طريقةٌ مستقلَّة انبثقت من الطريقة الخليليَّة، وهي طريقة الشيخ «محمَّد أبو شادي»، الَّذي كان خليليًّا في أوَّل أمره ثمَّ استقل بطريقته الخاصَّة، الَّتي كان قِوامها: الذِّكْر والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ، ثمَّ قراءة فصل من كتاب: «إحياء علوم الدين» للغزالي. فجمعت بين العلم والعمل، أو بين الثقافة والسلوك. وكان لها شعار اتَّخذته يحفظه أتباعها، يقول: «من جالسنا فلا يذكرْ إلَّا الله وحدَه، فإن كان ولا بدَّ من ذِكْر غيره، فليذكر الآخرة، وليذكر الصالحين» فعَدَّ ذكر الآخرة مقابلًا لذكر الله! والصواب أنَّه جزء من ذكر الله، أي ذكر لقائه وحسابه.
وهذا يشبه ما قاله بعض مشايخ الصوفيَّة المتقدِّمين حين قرأ قوله تعالى عن الصحابة في غزوة أُحد:﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْءَاخِرَةَ﴾[آل عمران: 152]، فصرخ الشيخُ وقال: فأين من يريد الله؟
وردَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّ من أراد الآخرة فقد أراد الله؛ إذ لا يعقل ألا يكون في الصحابة من أهل أُحد: من لا يريد الله(4)!
وقد عرفتُ هذه الطريقة من أحد أتباعها المخلصين، وهو جارنا الفاضل الشيخ بيومي العزُّوني، الَّذي أخذني إلى إحدى جلساتهم ـ أو حَضْرتهم ـ في إحدى الليالي، ولكنِّي لم أستمرَّ معهم؛ إذ كان مزاجي منذ الصبا مع المنهج الوسط.
وقد كان من أتباع الشيخ أبي شادي بعض علماء الأزهر المرموقين، منهم العالِم الجليل الشيخ عبد الحليم قادوم شيخ معهد الزقازيق، وأحد الصالحين من علماء الأزهر، وقد شهدتُه بنفسي حين قدم إلى القرية، وزار قبر شيخه أبي شادي، وألقى درسًا في «أدب الأكابر».
وقد استفدتُ من هذه الطريقة شيئًا مهمًّا، ممَّا كان له تأثير في حياتي، وهو التعرُّف المبكِّر على حُجَّة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي، وذلك عن طريق كتابه: «الإحياء»، الَّذي كان جارنا الشيخ بيومي العزُّوني يقتنيه، بحكم التزامه بالطريقة الَّتي ترى أنَّ قراءة «الإحياء» أحد رُكْنَيْها.
وكان الشيخ بيومي يعمل كاتبًا في إحدى الدوائر الزراعيَّة في القرية، وكان رجلًا ذكيًّا، له قراءة في فقه الشافعيَّة، واطِّلاع على «الإحياء»، وكان يحبُّني ويعتزُّ بي ويناديني دائمًا بكُنْية التزمها كلَّما جاء إلى دارنا ونادى من بعيد: يا أبا يوسف. قلت له: أنا يوسف ولست أبا يوسف! قال: ولكنِّي أُناديك بهذا، وأقول لك ما قاله أبو حنيفة لصاحبه أبي يوسف: لتأكلنَّ الفالوذجَ على مائدة الملوك!
وكُنَّا نلتقي ـ منذُ التحقتُ بالمعهد الديني ـ بعد عصر كلِّ يوم، لنقرأ فصلًا أو أكثر من كتاب: «الإحياء»، أو بالأحرى من «كتب الإحياء»، فالإحياء ليس كتابًا واحدًا في الواقع، بل هو أربعون كتابًا في كتاب، مقسَّمة إلى أرباع أربعة، وكلُّ ربع فيه عشرة كتب؛ ففيه ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات، وكلُّ ربع منها عشرة كتب.
فكُنَّا نختار بعض الكتب ـ ولا سيَّما من المُهْلِكات أو المْنْجِيات ـ لنقرأ فيه. وكثيرًا ما كنتُ أختلف أنا والشيخ بيومي في بعض المواضع، فقد كنتُ أعترض على بعض النقاط في الكتاب، بحكم ما فطرني الله عليه من كراهية الغلوِّ والمبالغات، وحبِّ التوسُّط والاعتدال، وهو كان يقبلها بحكم نشأته الصوفيَّة، وتعظيمه الشديد للإمام الغزالي، الَّذي كاد يصل إلى حدِّ التقديس، فكان يسيغ ما ذكره الإمام الغزالي في كتاب: «التوكَّل»، وفي كتاب «الزهد»؛ ممَّا يتعارض مع ما كان عليه النبيُّ ﷺ وأصحابه، ومع ما يدعو إليه القرآن من الجمع بين حسنة الدُّنْيا وحسنة الآخرة، والدعوة إلى العمل، والأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن الَّتي وضعها الله ليقوم عليها نظام هذا الكون.
كما لاحظتُ أنَّ في الكتاب أحاديث كثيرة يرفضها عقلي، ثمَّ اكتشفتُ أن «الإحياء» يحتوي معه كتابًا آخر للحافظ العراقي، سمَّاه: «المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأحاديث والأخبار»، وهو يعلِّق على كلِّ حديث يرويه «الإحياء»، ويذكر مَنْ رواه، ويُبَيِّن أنَّه حديث صحيح أو حديث حسن أو ضعيف أو ضعيف جدًّا، أو لا أصل له، أو موضوع. فكان هذا الكتاب نافعًا لكلِّ من قرأ «الإحياء» بل ضروريًّا له.
وهذان المأخذان على «الإحياء» لم يُسقِطا اعتباره، ولا اعتبار الإمام الغزالي عندي. وهذا ممَّا أحمدُ اللهَ تعالى عليه: العدل والاعتدال مع الناس، وخصوصًا مع العلماء، فلا أغلو في حبِّ بعضهم إلى درجة التقديس، ولا أتطاول على كبرائهم لمجرَّد أنَّه أخطأ، فكلُّ بني آدم خطَّاء، ولكلِّ عالمٍ هَفْوة، ولكلِّ جَوَادٍ كَبْوة. ثمَّ ما يدريني لعلَّ ما أظنُّه صوابًا هو الخطأ بعينه، ولا سيَّما في الأمور الاجتهاديَّة. والغزالي إمام أي إمام، وقد أضفت عليه الأُمَّة لقب: «حُجَّة الإسلام».
وفي ضوء هذا لم يؤثِّر اختلافي مع الشيخ بيومي في المودَّة الَّتي بيننا، وعلى رغم فرق السنِّ بيني وبينه، فقد كان يكبرني بنحو ثلاثين سنة.
وبعد مدَّة ترك لي كتاب: «الإحياء» هديةً منه إليَّ، فضممتُه إلى كتاب آخر للغزالي كنتُ قد أخذتُه من مكتبة زوج خالتي الشيخ طنطاوي مراد، وهو كتاب: «منهاج العابدين»، وهو كتاب مختصَر مفيد في علم السلوك، وإن لم يخلُ من مبالغات الصوفيَّة في الزهد والتوكُّل ونحوهما.
وأذكر أنِّي عندما اعتُقلتُ لأوَّل مرَّة سنة (1949م) مع الإخوان، كنت أصطحب معي كتابَيْن، أحدهما: «إحياء علوم الدين»، والثاني: أجزاء من «العِقْد الفَرِيد» في الأدب.
ظاهرة الموالد:
وكان من آثار التصوُّف في قريتنا: الاهتمام بـ «موالد الأولياء». وأهمُّها وأبرزها: مولد السيِّد «أحمد البدوي» بمدينة طنطا القريبة منَّا، «على بُعد نحو عشْرين كيلو مترًا» من القرية، والَّتي هي عاصمة مديريَّتنا، والَّذي كان يُحتفل به كلَّ سنة لمدَّة أسبوع كامل، تحتشد فيه عشرات الألوف بل مئات الألوف من مديريَّة الغربيَّة وغيرها من مديريَّات الوجه البحري، بل يأتي إليه ألوف من الصعيد. وتنصب الخيام في ضواحي طنطا (قرية سيجر وما حولها)، ويأتي النَّاس محمَّلين بالزاد معهم، مصطحبين معهم الخِراف الَّتي نذروها للمولد أو للسيِّد.
وتكون هذه فرصة سنويَّة لأهل القرية، ليخرجوا في إجازة إجباريَّة من أعمالهم المُنْهِكة، ومن قريتهم ليعيشوا في المدينة، وقد تبهرجت وتزيَّنت، ولبست أبهى حُلَلِها، وجاء أصحاب الألعاب المختلفة ليعرضوا ألعابهم، وكثير من «النصَّابين» كذلك، ليستغلُّوا سذاجتهم، ويسلبوا منهم أموالهم.
وفي آخر ليلة من الأسبوع (ليلة الجمعة) تطلق الصواريخ إيذانًا باستكمال الاحتفال، وتُسَمَّى: «الليلة الكبيرة». وفي يوم الجمعة وبعد الصلاة تكون «رَكْبة الخليفة». والخليفة هذا هو أحد ورثة المحتفَى بمولده، وهو يركب حصانًا، ويلبس ثيابًا تاريخيَّة خاصَّة، وعليه عمامة كبيرة، ويطاف به في الشوارع الكبرى بالمدينة، وأمامه أصحاب المهن والصناعات المختلفة في عربات مزوَّقة ومزخرفة. وفي الطريق على الجانبين: النَّاس الَّذين اصطفُّوا بكثافة وغزارة، وفي ازدحامٍ شديد، حيث يختلط الرجال بالنساء، متماسِّين متلاصقين، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
وبانتهاء «زفَّة الخليفة» ينتهي المولد، ويعود النَّاس إلى قراهم وبلدانهم، وقد حملوا معهم «الحِمَّص والحلاوة» من ذكريات المولد. ومن لم يستطع أن يعود بشَيْء من ذلك قال النَّاس عنه: رجع من المولد بلا حمص! وهي كلمة أصبحت مثلًا شائعًا.
وبعد مولد السيِّد البدوي بقليل يبدأ مولد آخر لولي شهير آخر، في مدينة دسوق، الَّتي كانت تتبع مديريَّة الغربيَّة أيضًا. وهو مولد سيِّدي «إبراهيم الدسوقي»، دفين مدينة دُسُوق، وهو أحد الأولياء المشهورين عند العوامِّ، ويقول عنه الناس: إنَّه أحد «الأقطاب الأربعة» الَّذي وَكَلَ الله إليهم التصَرُّف في هذه الأرض، كل منهم له ربعها. فأحدهم: أحمد البدوي، والثاني: إبراهيم الدسوقي، والثالث: عبد القادر الجيلاني، والرابع: أحمد الرفاعي!
وهي بالقطع خرافة لا أساس لها من دين الإسلام، وهي تنافي عقيدة التوحيد، الَّتي جعلت الأمرَ كلَّه لله، فلا يملك نبيٌّ ولا وليٌّ أن يتصَرَّف في الكون في حياته، فما بالك بعد مماته؟! ولقد قال الله تعالى لخاتم رسله وصفوة خلقه:﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف: 188].
وفي قريتنا كان يقام مولدان، أحدهما: مولد سيِّدي عبد الله بن الحارث الصحابي، والثاني: مولد سيِّدي سليمان، وكلاهما صورة مصغَّرة من الموالد الكبرى. أي هو مولد على مستوى القرية، وإن كان مولد سيِّدي عبد الله أهم وأكبر.
وكل ما كان يُهِمُّني من هذه الموالد في صباي هو اللهو واللعب، والتمتُّع بشِراء الأشياء من المولد، إذا استطعت ذلك، فكثيرًا ما كان ضِيقُ ذات اليد، وقلَّة النقود تحول بيني وبين ما أشتهي، والله تعالى يقول:﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍۢ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍۢ يُسْرًۭا﴾[الطلاق: 7].
رأيي في الموالد:
ولي رأي في هذه الموالد، أقوله بعد تأمُّل طويل وتحليل لهذه الظاهرة الشعبيَّة المنتشرة في أكثر العالم الإسلامي، وأرجو ألا يُغضب هذا الرأي إخواننا المتشددين في أمر الموالد.
الَّذي أراه: أنَّ هذه الموالد ليست إلَّا «مهرجانات شعبيَّة» وأفراحًا عامَّة للجماهير، تنفِّس بها عن ذاتها، وتعبِّر بها عن مشاعرها، وتعطي أنفسها إجازة من عملها المُضْنِي طَوَال العام، الَّذي تَكِدُّ فيه اليمين، ويعرق الجبين، لتمرح وتلهو مدَّةَ أسبوع من الزمان.
ونظرًا لأنَّ مجتمعاتنا مجتمعات دينيَّة، وكل شيء في حياتها موصول بالدين، فقد مزجت هذه المهرجانات بالدِّين، وأضفت عليها طابعًا دينيًّا، أو شكلًا دينيًّا، أو عنوانًا دينيًّا. وهي ـ في الحقيقة ـ مهرجانات دنيويَّة محضة، وكل ما فيها دُنْيا مرح ولهو ولعب وأسواق وبيع وشراء.
فلو قيل عن «مولد السيِّد البدوي»: مهرجان طنطا السنوي الشعبي، لكان هذا القول حقًّا، ولعبَّر عن واقع الحال بصدق.
وكذلك يقال عن «مولد الدسوقي»: مهرجان دسوق السنوي.
وكذلك مولد قريتنا: «مهرجان صفط تراب» السنوي الأوَّل، والثاني.
واعتقادي أن (99 %) من الَّذين يذهبون إلى هذه الموالد لا يخطر في بالهم فكرة التعبُّد لله تعالى بالذهاب إلى المولد، ولكن الدافع لهم هو: الفسحة، والترويح، والترفيه.
وفي هذه الحالة ينبغي أن نضبط هذه الموالد بما نضبط به كل المهرجانات الشعبيَّة الكبرى، من حيث: الإعداد، وحسن التنظيم، والمحافظة على الصحة والنظافة، ورعاية الآداب العامَّة، وحماية عوامّ النَّاس من النصَّابين، إلى غير ذلك ممَّا لا بدَّ منه في مثل هذه التجمعات الكبيرة درءًا للمفاسد، وجلبًا للمصالح. كما لا بدَّ من تهيئة توعية دينيَّة نيِّرة لهذه الجماهير الغفيرة المحتشدة في هذا المهرجان، لتصحيح عقائدهم وعباداتهم، وضبط سلوكهم وفق معايير الشرع، وتحرير معتقداتهم من الشركيَّات، وعباداتهم من المبتدَعات، وأخلاقهم من السلبيَّات.

مقالات مرتبطة بالمحتوي

سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-23 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-22 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-21 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-20 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-19 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة