(4) مواسم دينيَّة في القرية

(4) مواسم دينيَّة في القرية


📁 سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-23 00:28:11 • 👁 84 مشاهدة
د. يوسف القرضاوي:
وكان من تأثير الدين في القرية وأهلها: أنَّ هناك عدَّة مواسم سنويَّة يحتفل النَّاس بها، تُذبح فيها الذبائح، ويوسِّع النَّاس فيها على أنفسهم وأسرهم.
فقد كانت القرية لا تُذبح فيها الذبائح وتباع اللحوم بشكل واسع إلَّا في يوم الأربعاء من كلِّ أسبوع، وهو موعد سوق القرية. وذلك باستثناء أيَّام هذه المواسم المعروفة.
أول هذه المواسم: يوم «عاشوراء»، وهو اليوم العاشر من محرَّم من كل عام. وقد رُوِي في هذا حديث ذكره الحافظ المنذري في كتابه: «الترغيب والترهيب» يقول: «مَن وسَّع على عياله في عاشوراء، وسَّع الله عليه سائر سنته» قال المنذري: وقد قال بعض العلماء المتقدِّمين: جربناه فوجدناه صحيحًا(1)! ورد عليه بعض المحقِّقين: أنَّ الأحاديث لا تصحح بالتجارب! وقد ذكر ابن تيمية: أنَّ الحديث موضوع(2).
وفي ظَنِّي: أن َّهذا الحديث وضعه بعض أهل السُّنَّة؛ ردًّا على ما يصنعه الشيعة عادة في هذه المناسبة، من نياحة وعويل وضرب للصدور إلى حد إسالة الدماء، من أجل استشهاد الحسين بن علي ^ في كربلاء في ذلك اليوم. فعَدُّوا هذا اليوم يوم حزن وحداد، فقاومهم غُلاة أهل السنة، وعَدُّوه يوم احتفال وتوسعة. وكلا الأمرين مرفوض. ونحن نأسى كلَّ الأسى على استشهاد الحُسَيْن مظلومًا، كما نأسى لاستشهاد أبيه من قبله، ولكنَّا لا نجعل يوم الاستشهاد يومَ لطم للخدود، وشقٍّ للجيوب. كلُّ ما جاء في عاشوراء هو الترغيب في صيامه، وكذلك في صيام اليوم التاسع من قبله.
وفي «الصحيح»: أنَّ النبيَّ ﷺ حين هاجر إلى المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم عنه، فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل، فقال لهم: «نحن أولى بموسى منكم». وصامه وأمر بصيامه(3).
المولد النبوي:
ومن المواسم السنويَّة: يوم «المولد النبوي»، وقد اشتهر أنَّه اليوم الثاني عشَر من شهر ربيع الأول. وقد جرت عادة القرية بالاحتفال بهذا الموسم ابتداءً من أوَّل ربيع، حيث تنصب الزينات، وتضاء المساجد، وتقرأ قصَّة المولد كلَّ ليلة، وتوزَّع الحلوى والشربات، إلى أن تأتي الليلة الكبيرة، ليلة الثاني عشر، فيكون الاحتفال بها أكبر، والتجمُّع أعظم، والحلويات أكثر وأكثر. وكنَّا ـ ونحن صغار ـ نفرح بهذه المناسبة، وما يُوزَّع فيها من حلوى وشربات، وما نسمعه من شيخ المسجد كل ليلة من قصَّة المولد المكتوبة بشكلٍ مسجوع، والَّتي تُتْلى بطريقة منغَّمة، وفيها فقرات، يفصل بينها بدعاء يُتلى ملحَّنًا بطريقة جماعيَّة، وصيغته: اللهمَّ عطِّر قبره بالتعظيم والتحيَّة، واغفرْ لنا ذنوبنا والآثام. وكان هناك قِصَّتان أو كتابان مشهوران لقراءة المولد، أحدهما: «مولد المناوي»، والآخر: «مولد البرازنجي».
وقد عرفتُ بعد ذلك، أنَّ معظم ما يذكر في هذه الموالد من أحداثٍ وقَصَصٍ لم يصحَّ به حديث، ولا قام عليه دليل من عقل أو نقل، سواء ما حدث في حالة حمله ﷺ ، وما حدث عند ولادته. وكان خيرًا من هذا لو ذكرت جوانب صحيحة من سيرته ﷺ ، أو جوانب من عظمة شخصيَّته، ممَّا فيه أسوة للناس، كما قال تعالى:﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا﴾[الأحزاب: 21].
وقد عرفت بعد نضجي وتجوالي في العالم أنَّ المسلمين في آسيا وأفريقيا وفي أوربا وغيرها من أقطار العالم يحتفلون بالمولد النبوي، ويعدُّون ذلك من باب المحبَّة والتكريم والتعظيم لرسول الله ﷺ ، ووفاء ببعض حقِّه على أُمَّته.
وقد انقسم العلماء إزاء هذه القضيَّة إلى طرفين وواسطة:
أوَّلهم: ينكر هذه الموالد، ويرفضها رفضًا كليًّا، وحُجَّته أنَّها من المُحْدَثات، وكلُّ مُحْدَثة بِدْعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وأنَّ الرسول وأصحابه لم يفعلوا ذلك، ولا دَعَوا إليه، ولا شرعوه، وأنَّه من مُحْدَثات الفاطميِّين الغُلاة، الَّذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله.
والطرف الثاني: ويمثل أغلب المسلمين، يرون ذلك مظهرًا من مظاهر الحب لرسول الله ﷺ ، ويستدلُّون على ذلك بأنَّه من باب ذكر النِّعَم، وقد قال تعالى في كتابه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾[المائدة: 11]، وتكرَّر هذا في القرآن. ولا شكَّ في أنَّ ميلاد الرسول نعمة، أو هو من لوازم النعمة، وهي بعثته ﷺ .
كما أنَّه ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين، وحرصه على ذلك، فقال: «ذاك يوم ولدتُ فيه، وبعثتُ فيه»(4). فأشار إلى أهميَّة الولادة في ذلك اليوم، ممَّا يوحي بتعظيم يوم ولادته. وهؤلاء يُقرِّون المولد بعُجره وبُجَره، وما يشتمل عليه من مبالغات وخرافات. وهناك من علماء الأمة السابقين من أيَّد هذا الاتجاه، مثل: ابن حجر، والسيوطي، والمناوي، وغيرهم.
والرأي الثالث: وهو الوسط بين هذين الأمرين، وهو انتهاز هذه المناسبة، وكل المناسبات الإسلاميَّة المتعلقة بالسيرة النبويَّة (مثل: هجرته ! ، وإسرائه ومعراجه، وغزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، وغزوة خيبر، ونحوها من المناسبات والذكريات المحمَّديَّة) للحديث عن السيرة المحمَّديَّة، وعن الرسالة الإسلاميَّة، وربط النَّاس بهما، وتقديم صورة مشرقة عن سيرة محمد، وعن رسالة محمَّد ﷺ .
وممَّا لا ريب فيه: أنَّ الصحابة @ ، ومن اتَّبعهم بإحسان، في خير قرون الأُمَّة، لم يحتفلوا بالمولد ولا بغيره من الذكريات المحمَّديَّة، ربَّما لأنَّهم لم تكن لهم حاجة إلى ذلك، فقد كان رسول الله ! حيًّا في ضمائرهم، حاضرًا في حياتهم، حبُّه في قلوبهم، وسِيرته نُصب أعينهم، وسُنَّته ماثلة لهم. حتَّى إنَّ أحدهم عندما حضره الموت، وسمع امرأته تقول: واكرباه، فقال لها: بل قولي: وافرحاه، غدًا ألقى الأحبَّة، محمَّدًا وصحبه(5)!
وقال سعد بن أبي وقَّاص: كنا نُرَوِّي أبناءنا مغازيَ رسولِ الله ﷺ كما نُحفِّظهم السورةَ من القرآن(6).
فلمَّا بعُد العهد، وخبت جذوةُ الشوق والحبِّ، وقلَّ نصيبُ النَّاس من استحضار الأسوة النبويَّة، ربَّما أصبحوا في حاجة إلى ما يذكِّرهم بالرحمة المهداة، والنعمة المسداة، بالبشير النذير، والسراج المنير، صاحب الخلق العظيم، والمبعوث بالرسالة الخالدة وبالرحمة العامَّة، ليُتمِّم مكارم الأخلاق، ويُكَمِّل الله به الدِّين، ويُتِمّ النعمة على المسلمين:﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا﴾[المائدة: 3]، وقال تعالى:﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ﴾[الأنبياء: 107].
وممَّا يؤكِّد هذا في عصرنا: أنَّ النَّاس أمسَوا يحتفلون بميلاد ملوكهم ورؤسائهم وعظمائهم، بل كثيرًا ما يحتفلون بميلاد أولادهم، بل بميلاد أنفسهم، فلماذا لا يحتفلون بمولد من أنقذهم الله تعالى على يده، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط مستقيم؟!
فإذا حوَّلنا احتفالات هذه الموالد إلى ندوات أو مؤتمرات سنويَّة للحديث عن الرسول العظيم وشخصيَّته وسِيرته ورسالته، فقد كسبنا من وراء ذلك كسبًا عظيمًا، وأبلينا في سبيل دعوة الإسلام بلاءً حسنًا.
ليلة الإسراء والمعراج:
ومن المواسم السنويَّة: الاحتفال في أواخر رجب من كلِّ عام بذكرى الإسراء والمعراج (ليلة السابع والعشرين منه). ورحلة الإسراء: هي الرحلة الأرضية الَّتي ذكرها القرآن، وافتتح بها السورة الَّتي سُمِّيت باسم هذه الذكرى (الإسراء)، وقال فيها ربنا 8 : ﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾[الإسراء: 1]. وقد ربطت الآية بين مبدأ الإسراء ومنتهاه (المسجد الحرام والمسجد الأقْصَى) لحكمة استشرفناها بعد ذلك، ليرتبط المسجدان المقدَّسان في ضمير المسلم، ويؤمن بأن من فرَّط في أحدهما يوشك أن يفرط في الآخر.
وأمَّا «المعراج»: فهو «الرحلة السماويَّة» الَّتي ابتدأت من المسجد الأقصَى إلى السماوات العُلا، إلى سدرة المنتهى، كما قال شوقي:
حَتَّى ارْتَقَيْتُ سِمَاءَ لَا يُطَارُ لَهَا
عَلَى جَنَاحٍ وَلَا يَسْعَى عَلَى قَدَمِ(7)
وهي الَّتي أشار إليها القرآن في سورة «النجم»:﴿عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ١٤ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰٓ ١٥ إِذْ يَغْشَى ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ١٦ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰٓ﴾[النجم: 14 ـ 18].
وهذه الليلة ليس لها مراسيم معيَّنة، ولا تقرأ فيها قصَّة، وليس فيها صيام ولا قيام، إلَّا ما فيها من التوسعة بطيِّب الطعام والشراب.
وشهر رجب ليس فيه شيء غير هذه الليلة، على أنَّها غير مؤكَّد وقوع الإسراء فيها؛ إذ لم يكن الصحابة يهتمُّون بهذه التواريخ، خصوصًا أنَّه لم تُشْرع فيها عبادة، لا صيام، ولا قيام، ولا ذكر معين. كل ما جاء في شهر رجب: أنَّه واحد من الأشهر الحرم الَّتي نوَّه الله بها في كتابه في قوله:﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًۭا فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۭ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا۟ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾[التوبة: 36].
وهو الشهر الَّذي وقعت فيه الحادثة مع المشْركين ونزل فيه قوله تعالى:﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾[البقرة: 217].
وقد جاء في الحديث الحث على صيام الأشهر الحُرُم بصفة عامَّة، ولم يثبت في شهر رجب بصفة خاصَّة شيء، وإن كان الوضَّاعون قد وضعوا أحاديث في فضل رجب، وفي أوَّل ليلة منه، وابتدعوا صلاة فيها سمَّوْها: «صلاة الرغائب»، وهي صلاة مكذوبة على رسول الله، كما بيَّن المحقِّقون من العلماء.
وشاع بين النَّاس حديث طالما سمعته في صباي من خطيب مسجدنا: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أُمَّتي». وهو حديث غير ثابت.
وشاع بين النَّاس المثل القائل: «لا يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب»(8). ولم يثبت شيء في صيام رجب خاصَّة، إلَّا أنَّه من الأشهر الحرم.
ومع هذا وُجِد في قريتنا من كان يصوم رجب كلَّه، وشعبان كلَّه، ورمضان كلَّه بالطبع، والأيام الستَّة عقب عيد الفطر، وكانت جَدَّتي ـ أمُّ أُمِّي ـ من هذا النوع من الناس، وكانت تَعُدُّ عيدها يوم الثامن من شوال، بعد أن تكون قد صامت الأشهر الثلاثة والستَّة الأيَّام البيض كما يُسمِّيها المصريُّون. ولا أدري لماذا سمَّوها بيضًا؟ وهي في أوَّل الشهر وليست وسطه، والمعروف أنَّ الأيَّام البيض هي الأيَّام القمريَّة في وسط الشهر. والخليجيُّون يسمون أيَّام شوال الستَّة: «الصبريَّات»، وأحسبها مأخوذة من الصبر، على تقدير أنَّ الصوم نصف الصبر.
وصيام الأشهر الثلاثة متَّصلة لم تثبت بها سُنَّة عن الرسول الكريم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا من اتَّبعهم بإحسان، وكان أكثر شهر يصوم فيه الرسول بعد رمضان هو شعبان، ولكنَّ الصحيح: أنَّه لم يصُمه كلُّه، بل لم يصم شهرًا كاملًا غير رمضان. أمَّا شهر رجب، فلم يثبت عنه أنَّه صامه أو صام فيه أيَّامًا بخصوصها، إلَّا ما كان يصومه في الشهور الأخرى مثل: أيَّام الاثنين والخميس، أو الأيَّام البيض، أو نحوها، ولا سيَّما أنَّه من الأشهر الحرم.
والمطلوب في العبادات: أن نقف عند ما ورد. فالأصل في العبادات وشؤون الدين: التعبُّد والاتِّباع، والأصل في شؤون الدنيا: الابتكار والابتداع. وهذا ما كان عليه سلف الأُمَّة في خير القرون وأزهى العصور، اتَّبعوا في أمور الدين، وجدَّدوا وابتكروا في أمور الدنيا. فلما ساء حال المسلمين وتراجعت مسيرتهم وحضارتهم، عكسوا الآية، فاخترعوا وابتدعوا في أمور الدِّين، وجمُدوا وقلَّدوا في أمور الدُّنْيا، فأضاعوا الدِّين والدُّنْيا معًا.
ليلة نصف شعبان:
ومن المواسم الدينيَّة الشهيرة: موسم ليلة النصف من شهر شعبان، وهي ليلة لها مراسم كثيرة وعجيبة وغريبة.
ذلك أنَّ النَّاس يجتمعون ليلتها بكثافة في المسجد بعد صلاة المغرب، ويقرؤون سورة يس، ثمَّ يصلون ركعتين بنيَّة «طول العمر»! ثمَّ يقرؤون يس مرَّة أخرى، ويصلون بعدها ركعتين بنيَّة «الغنى عن الناس»!
ولا أدري إلى اليوم مِنْ أيِّ مصدر جاؤوا بهاتين الصلاتين الغريبتين: طول العمر، وهو أيَّام معدودة، وأنفاس محدودة، لا يزيد ولا ينقص، ولم يُشرع مثل هذا في القرآن ولا في السُّنَّة. وكذلك الغنى عن الناس، وظاهر هذا العنوان مُسْتَنْكَر؛ إذ لا يستطيع أحد أن يستغني عن الناس، كما لا يستطيع النَّاس أن يستغنوا عنه، وقد قال الشاعر:
النَّاسُ للنَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وحَاضِرَةٍ
بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ(9)!
وقد سمع أحد العلماء رجلًا يسأل الله الغنى عن الناس، فقال له: إذن أنت تطلبُ الموت. فالمرء ما دام حيًّا سيحتاج إلى الناس.
وصدق هذا العالِم، فقد قال الشاعر:
نَرُوحُ وَنَغْدُو لِحَاجَاتِنَا
وَحَاجَاتُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي!
تَمُوتُ مَعَ الْمَرْءِ حَاجَاتُه
وتَبْقَى لَهُ حَاجَةٌ مَا بَقِي(10)!
وبعد ذلك يجلس الجميع ليدعو بصوت واحد بدعاء نصف شعبان المشهور، وممَّا جاء فيه: اللهمَّ يا ذا المنِّ ولا يُمَنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام، ويا ذا الطَّوْل والإنعام. اللهمَّ إن كنتَ كتبتني عندك في أمِّ الكتاب شقيًّا أو محرومًا أو مطرودًا، أو مقتَّرًا عليَّ في الرزق، فامحُ اللهمَّ بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي وإقتار رزقي، وأثبتني عندك في أمِّ الكتاب سعيدًا مرزوقًا موفَّقًا للخيرات كلِّها، فإنَّك قلتَ وقولك الحق في كتابك المنزَّل على لسان نبيِّك المرسل:﴿يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ﴾[الرعد: 39].
إلٰهي بالتجلِّي الأعظم، في ليلة النصف من شهر شعبان المكرم، الَّتي يُفرَق فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ ويُبْرَم؛ أن ترفع عنَّا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم.
وفي هذا الدعاء الَّذي يحتفي به النَّاس ويحتشدون له؛ عدَّة مخالفات شرعية:
الأولى: أنَّه قائم على التشكيك والترديد في الدعاء، والنبي ﷺ يقول: «لا يقولنَّ أحدُكم: اللهمَّ اغفرْ لي إن شئت، اللهمَّ ارحمْني إن شئت. ليعزم المسألة، فإن الله لا مُكْرِه له»(11).
وهذا يقول: اللهمَّ إن كنتَ كتبتني، فامحُ وأثبتْ.
الثانية: أنَّ فيه غلطًا واضحًا، فآخره يناقض أوَّلَه، فهو يقول: إن كنتَ كتبتني عندك في أمِّ الكتاب شقيًّا أو محرومًا إلخ، فامح اللهمَّ شقاوتي وحرماني، وأثبتني عندك في أمِّ الكتاب سعيدًا مرزوقًا. ويستدلُّ على ذلك بالآية الكريمة: ﴿يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ﴾[الرعد: 39]. ومعنى الآية: أنَّ أم الكتاب لا محو فيها ولا إثبات، فكيف يقول: امحُ شقاوتي وحرماني من أمِّ الكتاب، وأثبتني في أمِّ الكتاب سعيدًا مرزوقًا. ويستدل بالآية الكريمة الَّتي تناقض دعواه؟
الثالثة: أنَّ الدعاء وصف ليلة النصف من شعبان: أنَّها الليلة الَّتي «يُفرق فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ ويُبرم»، وهذا ما وصف الله به ليلة القدر، حيث قال في سورة الدخان: ﴿حمٓ ١ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمْرًۭا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾[الدخان: 1 ـ 5]. فهذه الليلة الَّتي يُفرق فيها كلُّ أمر حكيم هي الليلة الَّتي أنزل فيها القرآن، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾[القدر: 1]. ومعلوم بالتواتر أنَّها في شهر رمضان، فهي ليلة واحدة، وليست ليلتين.
وقد تنازع العلماء حول ليلة النصف من شعبان، وهل ورد في فضلها أحاديث؟ ومن العلماء من ردَّ ما جاء فيها من أحاديث وحكم عليها كلِّها بالضعف.
ومنهم من حسَّن بعض ما جاء فيها. على أنَّ أصحَّ ما جاء فيها قوله 0 : : «يطَّلع الله إلى جميع خلقه ليلةَ النِّصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلَّا لمُشْرِك أو مُشَاحِن»(12). والمشاحن: من كان في قلبه شحناء وعداوة لأخيه.
نظام الحياة اليومي:
كان نظام الحياة اليومي في القرية مرتبطًا بالصلوات الخمس، ومنضبطًا بها. فقد كان النَّاس ينامون عادة بعد صلاة العشاء، لا يعرف عامَّتهم السهر، إلَّا في مناسبات خاصَّة كالأعراس، فقد يسهرون قليلًا للغناء للعروسين، وخصوصًا في بيت العروس (المرأة) قبل الزفاف.
ويستيقظ النَّاس مبكِّرين لصلاة الفجر، وبعد أن يتناولوا شيئًا من الطعام، يذهبون إلى حقولهم مع شروق الشمس، مردِّدين قولهم: البركة في البُكُور، أخذًا من الحديث الشريف: «اللهمَّ باركْ لأُمَّتي في بكورها»(13). فهم يتناولون الصباح طاهرًا نظيفًا قبل أن تلوِّثَه أنفاس العصاة، الَّذين ينامون عادة إلى الضحى أو الظهر! وقد قال ! في رجل نام حتَّى أصبح (أي طلعت عليه الشمس): «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه»(14). وما أكثر الَّذين يجعلون من آذانهم «مباول» للشيطان!
وبعد صلاة الظهر يتناولون ما تيسَّر لهم من الغداء، قد يحملونه معهم في «مناديلهم»، وقد تأتي به إليهم نساؤهم أو أبناؤهم، ثمَّ يخلدون إلى شيء من القيلولة تحت الشجر إذا كانوا في الحقل، أو في المنزل إذا كانوا في البيت.
وقبيل المغرب يعودون إلى بيوتهم، ليصلوا المغرب في المسجد، ثمَّ يعودون إلى البيت ليتناولوا العشاء، وهو الوجبة اليوميَّة الرئيسيَّة، الَّتي يجتمع عليها غالبًا جميع أفراد الأسرة، ثمَّ يصلُّون العشاء في المسجد، ليستعدُّوا للنوم.
الاهتمام بالقرآن والصدقة:
وكان من تأثير الدين في أهل القرية: اهتمامهم بالقرآن الكريم وحفظه، وكان في القرية أربعة كتاتيب: كُتَّاب في غربي القرية (الشيخ دسوقي)، وكُتَّاب في شرقيِّها (الشيخ نور الدين)، وكُتَّابان في وسطها: «كُتاب الشيخ حامد» ـ وهو كُتَّابي الَّذي تعلمتُ فيه ـ وكُتاب «الشيخ يماني مراد». وكان في القرية نحو مائة حافظ للقرآن، أو أكثر.
وكانت حلقات للقرآن الكريم تُقام في المساجد يوم الجمعة في مسجد سيِّدي عبد الله، ويوم السبت في مسجد المتولِّي (وهو مسجدنا)، وتُسَمَّى: «السبتيَّة»، ويهيئ النَّاس له متطوِّعين صواني العَشاء والأرز باللبن.
ويعتقد النَّاس أنَّ البيت الَّذي لا يُقرأ فيه القرآن كل يوم يكون كالبيت الخَرِب، ولذا كانوا يرتِّبون أحد القراء، ليمر كل يوم بالبيت، ويقرأ «ربعًا» من القرآن يكون رحمة للأموات، وبركة على الأحياء. ويعطونه في كل موسم حصاد ما تجود به أنفسهم من القمح أو الذُّرة.
وكانوا يعتقدون أنَّ كل بيت لا بدَّ أن تخرج منه كل يوم صدقة، يسمونها «حسنة»، ويأسفون إذا لم يمر سائل في يوم يطلب حسنة، ويخرجونها مضاعفة في اليوم التالي.
وأكثر ما تكون الحسنة رغيفًا من الخبز، فقد كانت النقود عزيزة، والجود من الموجود.
وبعض النَّاس يعطون أكثر من حسنة، وآخرون يعطون حسنة واحدة كل يوم؛ ولهذا لو جاء سائل بعد آخر، قالوا للثاني: طلعتْ. يعني: جئتَ بعد فوات الأوان، والغالب أنَّ الَّذين كانوا يسألون، كانوا يسألون من حاجة، وقليل منهم مَن احترف السؤال والتسوُّل.
المعاصي في القرية:
وكانت المعاصي قليلة في القرية. أعني الكبائر، أمَّا الصغائر فقلَّما يسلم منها أحد، وهي على كل حال يُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة وسائر الحسنات: ﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾[هود: 114]، كما تكفِّرها المصائب الَّتي تنزل بالمسلم من النصب والوَصَب والغمِّ والأذى، حتَّى الشوكة يُشاكُها، يكفِّر الله بها من خطاياه. بل ذكر القرآن أن اجتناب الكبائر يُكفِّر الصغائر، كما قال تعالى:﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا﴾[النساء: 31].
وربَّما وقعت الكبيرة في السرِّ، ولكن المعاصي إذا استتر النَّاس بها لم تضُرَّ جماهير المجتمع، إنَّما تضر وتؤذي حقًّا إذا شاعت واشتهرت وتبجَّح بها مرتكبوها. كما في الحديث الصحيح: «كُلُّ أُمَّتي معافًى إلَّا المجاهرين»(15).
قد يوجد الزنى، ولكن في خِفية وإسرار، ولا يجاهر به إلَّا فاجر أو فاجرة.
ولم تكن الخمر معروفة في القرية، ولا يعرف بها أحد من أهل السُّكْر.
وقد وجد بعض النَّاس يستعملون «الأفيون»، ولكن المخدرات الأخرى لم تكن معروفة. وقد سمعت في صباي عن رجلٍ قبضوا عليه لأنَّه يتعاطى «الهيروين»، وهي أوَّل مرَّة أسمع فيها هذه الكلمة.
ولكن جريمة «القتل» كانت تقع بين الحين والحين، قتل الغِيلة، من أجل صراعات بين العوائل بعضها وبعض، وهي عادات جاهليَّة، وأحيانًا تستأجر العائلة مَن يقتل غريمها.
وقد تستفحل هذه الخصومات، فتُفضي إلى فساد كبير، من سَمِّ البهائم، وقلع الزرع، وإحراق المنازل، وغير ذلك من ألوان الفساد في الأرض.
خلل في الفهم والسلوك:
ومع هذا الاستغراق في الجانب الديني، كان هناك خلل كثير فيه: خلل في الفهم والتفكير، وخلل في السلوك والعمل.
كان تصوُّف القرون الأخيرة هو الغالب على تفكير العامَّة، بما فيه من سلبيَّات يعرفها الدارسون، مثل: الجبريَّة في العقيدة، حتَّى يكاد الإنسان يكون مُسَيَّرًا لا مخيَّرًا.
ومثل: الشركيَّات الَّتي شابت التوحيد، مثل: التبرُّك بالأحجار، واستخدام التمائم والأحجبة، والمبالغة في تعظيم الأولياء والصالحين، والاستغاثة بهم، والطواف بقبورهم كما يُطاف بالكعبة، والنذر لهم، والذبح لهم. ومثل: الذهاب إلى الكهنة والعرَّافين والمنجِّمين والرمَّالين وأمثالهم، ممَّن يدَّعون أنَّهم يكشفون أستار الغيب.
ومثل: الخرافات الَّتي انتشرت عن السحر والجنِّ والعفاريت.
وممَّا لاحظته من قديم ـ وما زلتُ ألحظه إلى اليوم ـ أنَّ النَّاس عندما يُخفقون في أمرٍ، كأن تخفق المرأة في المحافظة على حبِّ زوجِها لها، أو يخفق الرجل في الاحتفاظ بقلب امرأته، لا يفتش أحدهم فيما عسى أن يكون قد قصَّر فيه، وأهمله من سنن الله، بل يحمل هذا الإخفاق والفشل على عمل سحري، عُمِل له مِن قِبَل حُسَّاده وخصومه، وهذا تفسيرٌ مريحٌ يعفي الإنسان من تحمُّل أيِّ مسؤوليَّة، ويعلق الوزر على هذا السبب (أو هذه الشماعة): السحر والعمل.
ومثل ذلك كثير من النساء المصابات بأمراض عصبيَّة معيَّنة، وبعض تشنُّجات، ويدعين أنَّ عِفريتًا ركب إحداهن، وهكذا تذهب إلى الكاهن أو الساحر أو الدجَّال، ليزعم لها أنَّ جنًّا ركبها، وأنَّها في حاجة إلى وصفات كذا وكذا، ومن هذه الوصفات: إقامة ما يُسَمَّى: «الزار»، وهي حفلة رقص وغناء وموسيقا، فيخرج الجنيُّ، أو تساعد على إخراجه من جسد المرأة. وكلُّ هذه نفقات وتكاليف باهظة تتحمَّلها المرأة إن كانت ذات مال، أو يتحمَّلها زوجها المسكين، وهي لا تكاد تنتهي، فمن حفلةٍ إلى حفلة، ومن دعوةٍ إلى دعوة، ومن مطلبٍ إلى آخر، حتَّى ينفد آخر ما عند المرأة؛ ولذا قال القائل:
ثَلَاثَةٌ تشقى بهن الدارُ
العرس والمأتم ثُمَّ الزارُ!
كما أنَّ هذه الحفلات لا تتقيَّد بضوابط الشرع في شيء، ففيها الاختلاط، وفيها المجون، وفيها التبرُّج.
وبعضهنَّ يذهبن إلى بعض المشايخ ليقرأ عليها تعويذات معيَّنة، ليخرج من جسدها العفريت الَّذي يسكنها. والمعتاد أنَّ المرأة يسكن جسدها جِنِّي، أمَّا الرجل فيسكن جسده جنيَّة.
وكان شيخنا الشيخ محمَّد الغزالي رحمه الله تعاليينكر هذا الهوس، وقال للرجل الَّذي جاءه يشكو إليه، وقال له: أنا مسكون. فقال له: وما سكنك؟ قال: جِنِّي. قال له: ولماذا لم تسكنه أنت، وأنت ما شاء الله شحط طويل عريض؟! ولماذا لم يسكن هذا الجِنِّي الخواجات في أوربا وأمريكا؟!
قلت له مرَّة: يا مولانا، يبدو أنَّ العفاريت استضعفت المسلمين، فاحتلَّت رؤوسهم أو نفوسهم، كما أنَّ المستعمرين من قبل استضعفوهم فاحتلُّوا ديارهم!
وإنِّي لأعجب حقًّا، كيف يُسلِّط الله الجنيَّ على الإنسان إلى هذا الحدِّ الَّذي يتحكم فيه، ويدخل في بدنه، ويتصرَّف فيه، وينطق على لسانه، ويصبح الإنسان مسخَّرًا له؟ فأين كرامة الآدمي الَّذي قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾[الإسراء: 70]، وهل هذا هو خليفة الله في الأرض، الَّذي قال الله في شأنه:﴿إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: 30]؟!
وإذا كانوا يحتجُّون بقوله تعالى في شأن آكل الربا:﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾[البقرة: 275]، فالمسُّ ـ لو فسَّرناه تفسيرًا حسيًّا دنيويًّا ماديًّا ـ غير ما يزعمه هؤلاء من ركوب الشيطان للإنسان وسيطرته عليه وتصرُّفه فيه!
أوَّل ما يفسر به المسُّ ما كان على نحو ما جاء على لسان أيُّوب 0 : : ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍۢ وَعَذَابٍ﴾ [ص: 41]، والمسُّ هنا ضرب من الوسوسة والدعوة لإغراء الإنسان وإغوائه، وليس للشيطان سبيل على الإنسان أكثر من هذا، كما قال كبير الشياطين يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى﴾ [إبراهيم: 22].
وقد كان حديث أهل القرية عن الجنِّ والعفاريت والغِيلان ونحوها، والقصص الَّتي تحكي عن ظهورها في الليل لفلانٍ وفلانة، كان هذا الحديث يملأ قلوبنا رُعبًا وخوفًا. حتَّى إنَّ أهل حارتنا كانوا يحكون عن عفريتة خاصَّة بالحارة، تظهر بالليل قبل الفجر، اسمها: «أم جلاجل»، وهي تسكن في «بدروم» المدرسة الَّتي نتعلَّم فيها بالنَّهار، وهو عبارة عن دورة مياه. ويقول أهل حارتنا: إنَّ هذه الجنية ظهرت بالليل لفلان وفلان! وهذا ما جعلني من بعد صلاة المغرب عندما أمرُّ على هذه المدرسة أركض ركضًا، وأجري كالريح خوفًا من أن تطلع عليَّ أمُّ جلاجل. وكلُّها تهاويل وخرافات، وكما عبَّر عن ذلك المثل: «اللي يخاف من العفريت يطلع له»(16). أي حالته النفسيَّة تُخيِّل إليه أنَّه ظهر له العِفْريت، فيرى الكلب قد كَبُر حتَّى أصبح كالحمار أو البغل، والحقيقة أنَّه لم يزل كلبًا.
ومثل ذلك: عفريتة المقتول، الَّتي تظهر لمدَّة أربعين يومًا، في المحيط الَّذي قُتِلَ فيه، وهكذا.
وهناك خلل في السلوك، فهناك عدد من النَّاس لا يؤدُّون الصلاة، صحيح أنَّهم مكروهون من الناس، محتقَرون مِن قِبَلهم، ولكنَّهم موجودون.
كما أنَّ كثيرًا من النساء لا يعرفن الصلاة، ويعِشْن ويمتن ولم يركَعْن لله ركعةً واحدة، مع أنَّ آباءهن يُصلُّون، وأزواجهنَّ يُصَلُّون، وأبناءهنَّ يُصَلُّون.
وكان كثير من النساء في حارتنا لا يُصلِّين، لغلبة الجهل عليهن، حتَّى امرأة عمِّي ماتت دون أن تُصَلِّي، على حين كانت عَمَّتي وخالاتي جميعًا محافظاتٍ على الصلاة.
وأعتقد أنَّ هذا كان من ثمرات حرمان المرأة من المسجد، فقد شدَّد الفقهاء في منع المرأة من صلاة الجماعة، وصلاة الجمعة في المسجد، خوف الفتنة، على الرغم من أنَّ المرأة في عصر النبوة كانت تؤدِّي الصلوات الخمس في المسجد، حتَّى العشاء والفجر. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»(17).
ولكن هناك كلمة قالتها أمُّ المؤمنين عائشة # إنكارًا على بعض نساء زمنها؛ إذ قالت: «لو علم رسول الله ما أحدثْنَ بعده لمنعهنَّ من الخروج»(18). فكانت هذه الكلمة تكأة للفقهاء في منعها.
وكان الفقهاء في بعض الأزمنة يمنعون المرأة الشابَّة، ويسمحون للكبيرة، ثمَّ جاء الفقهاء المتأخِّرون، ومنعوا الشابة والعجوز، وقال قائلهم:
لِكُلِّ سَاقِطَةٍ فِي الْحَيِّ لَاقَطِةٌ
وَكُلُّ كَاسِدَةٍ يَوْمًا لَهَا سُوقُ(19)
والعجيب أنَّهم قالوا: تُصلِّي في بيتها، وعلى أبيها أو زوجها أن يُفَقِّهها في الدِّين. ولكن إذا كان الأب أو الزوج نفسه في حاجة إلى من يُعَلِّمه أو يُفَقِّهه في الدِّين، فكيف يُفَقِّهُ غيره؟! وفاقد الشيء لا يعطيه، وقد ضلَّ من كانت العميان تهديه!

مقالات مرتبطة بالمحتوي

سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-22 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-21 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-20 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-19 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة