(10) إلى الكُتَّاب

(10) إلى الكُتَّاب


📁 سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-17 00:28:11 • 👁 98 مشاهدة
د. يوسف القرضاوي:
كانت قريتنا قرية كبيرة نسبيًّا، فقد كان سكانها ـ وأنا صبي ـ أكثر من عِشْرين ألفًا، وكان فيها أربعة كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم، اثنان في وسط البلاد، حيث منزلنا وحارتنا، وواحد في الشرق، وآخر في الغرب.
كانت الكتاتيب تنسب إلى معلِّميها، وهم في الواقع أصحابها ومُلَّاكها. وهي في العادة ملاصقة لبيوتهم أو هي جزء منها.
وفي منطقتنا كان كُتاب الشيخ يماني مراد، وكُتاب الشيخ حامد أبو زويل. وقد ذهبت أوَّل ما ذهبت إلى كُتاب الشيخ يماني بإغراء من أحد أقاربنا الَّذي كان من تلاميذ هذا الكتاب. ولكنِّي انتسبت إليه يومًا واحدًا فقط، ولم أعد إليه بعد ذلك؛ وذلك لأنَّ الشيخ يماني ضرب التلاميذ جميعًا «لتنشيطهم»، وكنت بالطبع من المضروبين. فعز عليَّ أن أُضرب ظلمًا وبلا سبب، وفي أوَّل قدومي، ورفضت أن أعود إلى هذا الكُتَّاب مرَّة أخرى.
ويبدو أنَّ كراهية الظلم والنفور منه، والثورة على مرتكبيه ـ ولو كان ظلمًا صغيرًا ـ خصلة قديمة عندي، أو هي فطرة فطرني الله عليه، فلا أحب أن أظْلِم أو أُظْلَم، وقد تعلمت بعد ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يستعيذ بالله أن يَظلِم أو يُظلَم، أو يَجهل أو يُجهل عليه(1).
وهذا الظلم الَّذي وقع عليَّ جعلني أنقطع عن الذهاب إلى أي كُتاب مدة من الزمن، حتَّى حرضتني والدتي رحمها الله على الذهاب إلى كُتاب الشيخ حامد، وهو جارٌ لبيت جدي (والد أمي)، وأنَّها ستوصيه بي خيرًا، وستوصي والدتَه (خالتي رَيَّا) بي أيضًا، وكانت أمي حريصة كل الحرص على أن أتعلَّم. وبالفعل أخذَتْ بيدي في زيارتها لبيت أبيها، وسلمتني إلى الشيخ حامد، وقالت له: هو أمانة عندك. قال لها: إنَّه ابننا، وهو في أعيننا.
وفعلًا استقبلني الشيخ حامد 5 استقبالًا حسنًا، وكنت محظيًّا عنده وعند والدته رحمها الله. وقد لاحظ الشيخ حامد أنِّي تلميذ مجتهد، فقد لاحظ سرعة حفظي، وسلامة نطقي، كما لاحظ أنِّي أوَّل صبي يحضُر إلى الكُتَّاب، أذهب مبكرًا وأدق الباب على خالتي ريَّا، وآخذ مفتاح الكتاب، أو تفتحه هي لي، وتحذِّرني من «البراغيث»، فقد كانت أرضية الكُتَّاب من التراب، كأكثر منازل قريتنا، والكُتَّاب جزء منها، وكان أوَّل من يذهب إلى الكُتَّاب تصطاده البراغيث وتتجمَّع عليه، وهذا ما كان يحدث لي كل يوم، ولا ينجِّيني منها إلَّا القعود على «الدِّكَّة» متربِّعًا، حتَّى يأتي بقية الصبيان ويأخذوا حظَّهم بالاشتراك والمساواة من قَرْص البراغيث. وهذه البراغيث سهلت عليَّ فهم قاعدة في النحو عرفتها بعد ذلك، وهي تجري على لغة من لُغات العرب، ويسمونها لغة: «أكلوني البراغيث»!
كان الكُتَّاب بمثابة مدرسة خاصَّة، ولكن رسومه وأجوره كانت زهيدة بسيطة، فهو يأخذ نصف قرش في يوم الأربعاء من كل أسبوع؛ وذلك لأنَّ الأربعاء يوم سوق القرية. ومع هذا كان نصف القرش هذا ثقيلًا على بعض الناس، وأنا منهم. ولكن الشيخ حامدًا كان يتسامح معي إذا لم أجد نصف القرش، لأمرين: لأنَّه يعرف أنِّي يتيم، والثاني: لنجابتي بين تلاميذه. وكان هذا من فضل الشيخ حامد ومكارم أخلاقه، حتَّى إنَّه أصبح يأخذ مني نصف القرش كل أسبوعين.
ومن فضل الشيخ حامد عليَّ: أنَّه لم يضربني قط، برغم أنَّه كان يضرب كثيرًا من أبناء الكتاب، وأنا في الحقيقة لا أحبُّ أن أُضرَب، ويعز عليَّ أن أضرب. وأذكر أنَّ الشيخ حامد مَدَّني مرَّة في «الفَلَكة» ليضْربني، ولكن الله نجَّاني من الضَّرب. ولم يكن الضرب بسبب تقصير في واجبي الكتَّابي اليومي، بل لسبب آخر. فقد كانت أمي ككثير من الأمهات والآباء، يخافون على أبنائهم من الغرق إذا ذهبوا للاستحمام في ترعة القرية، أو قنواتها الصغيرة، وخصوصًا يوم الجمعة، فكان الشيخ حامد يُعَلِّم على أفخاذنا بالقلم «الكوبْيَة»، وفي يوم السبت يكشف علينا، فإذا وجد العلامة باقية فبها ونعمت، وإذا وجدها زالت، كان ذلك دليلًا على أنَّنا ذهبنا إلى الترعة.
وهذا ما حدث في هذه المرَّة، واستحققت العقاب، ولكن قريبة لأُمِّي كانت تسكن بجوار الكُتَّاب، ومرَّت في ذلك الوقت، وشفعت لي، فنجَّتني من الضَّرْب. ولا أدري هل كان مرورها مصادفة، أو كان ذلك بتدبير حتَّى لا أضرب؟ يبدو أنَّ الاحتمال الأخير هو الأقرب. وربَّما كان هذا التدبير من والدتي رحمها الله بالاتِّفاق مع الشيخ حامد.
كان الشيخ حامد من حُفَّاظ القرآن المحترمين، عزيز النفس، محتفظًا بكرامته. كان جُلُّ حفظة القرآن يقرؤون في أيَّام الأخمسة على المقابر بأجرة زهيدة يدفعها أهل الموتى، كثيرًا ما تكون بعض المأكولات، ولكن الشيخ حامدًا نزَّه نفسه عن ذلك.
وكان رجلًا بسيطًا نظيفًا أنيقًا، يلبس جلبابًا وعمامة، ويصلي الصلوات الخمس في المسجد، وهو قريب من البيت والكُتَّاب، وكثيرًا ما يؤم النَّاس إذا تغيب الإمام الراتب.
كان عملنا في الكتاب: حفظ فقرة مناسبة من القرآن الكريم. هذه الفقرة نكتبها بأيدينا في لوح مدهون بالزيت، بحيث يصلح للكتابة عليه بالحبر. وكنَّا نشتري الحِبر من الصبَّاغين في القرية، حيث كان الفلَّاحون يلبسون الجلاليب الزرقاء، وهي في الأصل بيضاء ثمَّ تصبغ باللون الأزرق عند الصباغ. وكذلك تلبس المرأة «الْمَلَس» وهو من الحرير الأبيض، ثمَّ يصبغ باللون الأسود.
كُنَّا نشتري الحِبْر منهم ونضعه في «الدواة» أو «المِحْبَرة»، ونأتي بأقلام البوص ونبريها، وأحيانًا يبريها لنا الشيخ حامد نفسه. ونكتب كل يوم القدر المطلوب حفظه، ونُصَحِّحه على الشيخ قبل أن نحفظه، ثمَّ نحفظه في المنزل بعد عودتنا من الكُتَّاب، وفي اليوم الثاني «نسمِّعه» على العريف. فمن لم يكن حفظه جيدًا، رُدَّ ليجوِّد حفظه.
ثم إذا سمَّعنا المحفوظ اليومي، راجعنا ما حفظنا من قبل، ويسمى: «الماضي».
وكنا نتعلم القراءة والكتابة بالمحاكاة، يتعلم بعضنا من بعض. ولم تكن في الكُتَّاب طريقة منهجية للتعليم، وإن كان الشيخ حامد يستعمل السبورة أحيانًا أو يكتب بعض الكلمات، ويطلب من التلاميذ أن يحاكوها، ويكتبوها في اللوح عدة مرات، حتَّى يتعلَّموا الكتابة.
وكنا نُردِّد كل يوم كلمات كالببغاوات، نُلقَّنها بطريقة ملحَّنة بطريقة الأناشيد ولا نفهم لها معنى. نقول بصوت جماعي: با: با ألف، بي: با يي، بو: با واو، تا: تا ألف، تي: تا يي، تو: تا واو.
وكانوا يلقنون الطلاب كلمات نحفظها في العقيدة ولا نفهم لها أي معنى، مثل: صفات الله تعالى عشرون: الوجود، والقِدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية، والعلم، والإرادة، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصْر، والكلام، وكونه تعالى عالِمًا، ومريدًا، وقادرًا، وحيًّا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلِّمًا.
كما كانوا يحفظوننا من السيرة النبويَّة: أولاد النبي سبعة: عبد الله، والقاسم، وإبراهيم، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وكلُّهم من السيِّدة خديجة، إلَّا إبراهيم، فإنه من مارية القبطيَّة.
ولعلَّ هذا الجزء من السيرة هو الَّذي يُجدي حفظه، أمَّا العقيدة فلا يغني فيها «الصَّمُّ» والحفظ بغير فهم. والذين يلقنون الصبيان العقيدة بهذه الصورة على المذهب الأشعري أخطؤوا الطريق، فالإيمان لا ينشأ بهذه الطريقة، ولا يتكوَّن على هذا التلقين فكر سليم، ولا عاطفة حية.
بدأ الشيخ حامد 5 معي حفظ القرآن من جزء عمّ، بحفظه منكوسًا أي سورة الناس، فسورة الفلق، فالإخلاص، فالمسد، فالنصْر، فالكافرون، إلى أن فرغت من حفظ جزء عم، ثمَّ جزء تبارك، ثمَّ قد سمع، بهذه الطريقة، ثمَّ جزء الذاريات، إلى سورة النجم.
ثم قفز بي الشيخ حامد إلى سورة الأنعام، فحفظت سورة الأنعام، ثمَّ المائدة، ثمَّ النساء، ثمَّ آل عمران، ثمَّ البقرة.
وعندما ختمتُ البقرة، أقام الكتاب حفلًا صغيرًا بهذه المناسبة، فقد كان أهل القرية يسمُّون ختمة سورة البقرة: «الختمة الصغيرة»، وختم القرآن كله: «الختمة الكبيرة».
ووجدتُ لهذا أصلًا، وهو أنَّ سيِّدنا عمر حين ختم سورة البقرة حِفْظًا: نحر جَزُورًا، أي: ناقة؛ ابتهاجًا بما وفقه الله إليه(2).
ونحن لا ننحر جزورًا ولا شاةً ولا دجاجةً، إنَّما وزعنا بعض الحلوى على الأولاد في الكتاب، ومَن حضر مِن الأقارب.
كان الشيخ حامد حريصًا على أن يعلِّمني بعض الدقائق الَّتي يراها تفيدني في حفظ القرآن، فأراه مثلًا حينما قرأت عليه قوله تعالى في سورة النحل: ﴿فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾[النحل: 29]. قال لي: هذه الآية الوحيدة الَّتي فيها:﴿فَلَبِئْسَ﴾، وكل آيات القرآن:﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾[الزمر: 72، غافر: 76].
وكذلك عندما قرأتُ عليه قوله تعالى في سورة العنكبوت:﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾[العنكبوت: 26]. قال لي: هذه هي المرة الوحيدة بهذه الصيغة:﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
وسألني مرَّة: كم مرَّة جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾؟ فقلت له: كثير. قال: اذكر لي ولو مرَّة منها، فلم أستطع أن أستحضِر أيَّ آية فيها هذه الفاصلة، فقال: إنَّها لم ترد في القرآن بهذه الصيغة إلَّا مرَّة واحدة في سورة التوبة:﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةًۭ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦٓ إِن شَآءَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾[التوبة: 28].
وسألني أيضًا: كم مرَّة ذُكر قوله تعالى: ﴿وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾؟ فقلت: أظنُّها تكرَّرت كثيرًا. قال: اذكر لي بعضًا منها، فذكرت له آية التوبة: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ﴾[التوبة: 29]، فقال: فتح الله عليك. وهناك آية أخرى في سورة النساء، وهي قوله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾[النساء: 38].
ولا يوجد في القرآن ﴿وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ إلَّا في هاتين الآيتين.
وكان الشيخ حامد يُعطينا بعض الضوابط في الآيات المشتبهة، الَّتي كثيرًا ما يحدث فيها الخطأ من التلاميذ، ويلتبس بعضها ببعض، مثل كلمة «ضرًّا ولا نفعًا» أو «نفعًا ولا ضرًّا»، فقد يضع التلميذ هذه موضع تلك، فحفَّظنا الشيخ حامد تلك الجملة لضبط ذلك: والنفع قبل الضُّرِّ يا ذا النبأ.. في سورة الأعراف، والرعد، سبأ.
والمراد ممَّا في سورة الأعراف قوله تعالى:﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾[الأعراف: 188].
ومثل ذلك: عبارة «لهوًا ولعبًا» أو «لعبًا ولهوًا»، أيهما يقدم، وأيهما يؤخر؟ وهنا جاءت عبارة ضابطة: تذكَّر أيها القارئ قبل أن تموت: أنَّ اللهو قبل اللعب في الأعراف والعنكبوت. يعني في الأعراف قوله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا﴾[الأعراف: 51].
وكذلك كُنَّا نَحَار في قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ﴾بين «يزيدُهم» بالضمة أو بالفتحة، حيث لم نكن نعرف النحو، وكانت هذه الجملة:﴿وَيَزِيدَهُم﴾ يا شاطر، في النور وفاطر. يعني قوله تعالى:﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦٓ﴾[فاطر: 30].
ثم بدأتُ بعد ذلك أحفظ القرآن غير منكوس، ابتداءً من سورة الأعراف ثمَّ الأنفال ثمَّ التوبة، إلخ. حتَّى وصلتُ إلى نصف القرآن، ووقفنا عند ربع: ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ﴾[الكهف: 79]، وهو بداية الجزء السادس عشر من المصحف.
وهنا وقفنا وقفة لنراجع الماضي ونثبِّته. وفي هذه الفترة سافرتُ مع خالي في بعض سفراته التجاريَّة، وانقطعت عن الكُتَّاب عدَّة أيَّام. ومن خوفي من الشيخ حامد استمررتُ في الانقطاع، وتماديتُ فيه. ولم يهتمَّ أحد بهذا الانقطاع الَّذي كان يمكن أن يغيِّر حياتي، وبقيتُ نحو عشرة أشهر. ثمَّ أصرَّ عمِّي على أن أعود إلى الكُتَّاب، فعدتُ إليه، ورحَّب بي الشيخ حامد، واتَّفق معي على أن نثبت ما مَضَى أولًا، ونعيدُ حفظَه وتسميعه، ثمَّ نبدأ في حفظ الجديد.
وكان الاتِّفاق أن أسمِّع كل يوم نصف جزء من الماضي، وفعلًا لم يمضِ أكثر من شهر حتَّى كنتُ قد استعدتُ نصف القرآن الأوَّل حفظًا، وسمَّعته على الشيخ حامد. وبدأت أحفظ النصف الثاني.
كتبتُ نصف ربع: ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ﴾ من سورة الكهف في اللوح كالعادة، وفي صباح اليوم التالي باكرًا سمعته، فقال لي الشيخ حامد: ما رأيك في أن تحفظ نصف الربع الباقي في المصحف؟ فقلت: لنجرِّب ولنستعن بالله تعالى. فقرأته عليه لأصحِّحه، ثمَّ شرعت في حفظه، فما هي إلَّا فترة، حتَّى حفظتُ المقرَّر المطلوب، وسمعتُه على الشيخ حامد، فقال لي: إذن من السهل عليك أن تحفظ كل يوم ربعًا من المصحف، ولا داعي لكتابته، وأن تقوم بتسميعه مباشرة. وقد كان.
ولهذا لم يأخذ النصف الثاني من القرآن معي أكثر من ثلاثة أشهر؛ إذ كنت قد حفظتُ من قبل من سورة النجم إلى آخر القرآن.
وانتهى بي المطاف إلى اللوح الأخير في القرآن الكريم، وهو عادة يكون من سورة الضحى إلى سورة الناس، وفي العادة يكتب في لوح كبير، ويقرؤه التلميذ في حفل ختام القرآن.
واستعدَّ الكُتَّاب، واستعدَّ التلاميذ فيه، واستعدَّ الأقارب بإحضار الشَّرْبات و«الكراملَّة»، واستعدَّ الشيخ حامد، فدعا بعض أحبابه للحضور، واستعددْتُ أنا لقراءة اللوح الأخير في اليوم المشهود، يوم الختمة الكبيرة.
وكان حفلًا متواضعًا، ولكنَّه كان جميلًا ورائعًا. كنتُ أقرأ السورة، وفي ختامها أقول: لا إلٰه إلَّا الله، والله أكبر، ولله الحمد. وأولاد الكُتَّاب جميعًا يردِّدون معي هذا الذكر بصوتٍ جماعي مؤثِّر، من سورة الضحى إلى سورة الناس.
كان عمري في ذلك الحين (9) سنوات وبضعة أشهر، وكنت أصغر طالب حفظ القرآن في القرية، ولولا الأشهر العشْرة الَّتي غِبْتها عن الكُتَّاب لختمتُ القرآن قبل سنة تقريبًا. ولكنَّ كلَّ شيء بأجلٍ مُسَمًّى.
ومن ذلك اليوم شيَّخني الناس، وسمَّوْني: «الشيخ يوسف» حافظ كتاب الله.
وقد عرفتُ فيما بعد: أنَّ كثيرًا من المسلمين في باكستان والهند وغيرها يُلَقِّبون من أتمَّ القرآنَ حفظًا بـ «الحافظ»، ويقرنونها باسمه، حتَّى تصبح وكأنها جزء منه، وقد كان أحد طلابنا في قطر من باكستان، اسمه: حافظ عبد القيوم، وظننت أوَّل الأمر أنَّ اسمه: حافظ، مثل: حافظ إبراهيم، الشاعر المعروف، ولكنِّي عرفتُ منه أن اسمه الأصلي: عبد القيوم، أضيف إليه لقب: «حافظ» بعد حفظه للقرآن، ولَزِمَتْهُ طَوَال حياته.
كان من حق الشيخ حامد أن يحصل على جنيه مكافأة ختمِ القرآن، يأخذها عادة من كل تلميذ يُتمُّ حفظ القرآن، ولكنَّه ـ رعاية لحالي ـ اكتفى بنصف جنيه. جزاه الله خيرًا.
بعد ختمي للقرآن، ظلِلْتُ في الكُتَّاب، أثبِّت الحفظَ من ناحية، وأساعد الشيخ حامدًا في الإشراف على الصغار من الأولاد، ومعاونتهم على الحفظ، مع الذهاب إلى المدرسة الإلزاميَّة، في فترة ما بعد الظهر، وهي مرحلة كنتُ قد بدأتها منذ سنتين ونصف السنة تقريبًا، كما سنتحدَّث عن ذلك في الصفحات التالية.
حفظ «التحفة» في أحكام التجويد:
ومن الفوائد الَّتي اجتنيتها من كُتَّاب الشيخ حامد: حفظ «تحفة الأطفال»، وهي منظومة أو أرجوزة تتضمن أحكام التجويد.
وقد اعتاد أهل العلم في العصور الأخيرة: أن يضعوا في كل علم أو فن «متنًا» موجزًا مركَّزًا، يُحفظ ثمَّ يُشرح. وشاع عند طلبة العلم قولهم: من حفظ المتون، حاز الفنون!
وكثيرًا ما يكون هذا المتن «منظومًا» ليسهل حفظه، كما في «ألفية ابن مالك» في النحو والصرف، و«الجوهرة» للَّقَّاني في علم التوحيد، و«الرحبية» في علم الميراث، و«السُّلَّم» في علم المنطق، وكلها من بحر الرجز، و«الشاطبية» في علم القراءات القرآنية، وهي لامية من بحر الطويل.
ويبدو أنَّ الشيخ حامدًا قد لمس فيَّ سرعة الحفظ، وجودة الفهم والهضم؛ فحرص 5 على أن يحفظني متن «التحفة» في التجويد، ويشْرحه لي ويطبِّقه معي. وقد كانت قراءتي بفضل الله حسنة، ولكن بدون معرفة القواعد.
وقد جاءني ـ على ما أذكر ـ بنسخة قديمة من التحفة، لأشرع في حفظها، وسرعان ما استوعبتها، وإن كنت لا أفهم مضمونها. وهي تبدأ بقول المؤلف:
يَقُولُ رَاجِي رَحْمَةِ الْغَفُورِ
دَوْمًا سُلَيْمانُ هُوَ الجَمْزُورِي
الحَمْدُ لله، مُصَلِّيًا على
مُحَمَّدٍ وآلِهِ ومَنْ تَلَا
وبعد المقدّمة يشرع في بيان أحكام النون الساكنة والتنوين، وهي أهم أحكام علم التجويد، فيقول:
للنُّونِ إنْ تَسْكُنْ وللتَنْوِينِ
أَرْبَعُ(3) أَحْكَامٍ فَخُذْ تَبْيِينِي
فَالْأَوَّل الْإِظْهَارُ قَبْلَ أَحْرُفِ
لِلْحَلْقِ، سَتٌّ رُتِّبَتْ فَلْتَعْرِفِ
هَمْزٌ فَهَاءٌ، ثُمَّ عَيْنٌ حَاءُ
مُهْمَلَتَانِ، ثُمَّ غَيْنٌ خَاءُ
وشرح لي الشيخ حامد: حروف الحلق الستَّة، وعرفت لأوَّل مرَّة معنى أنَّ الحرف «مهمل» أي غير منقوط، وأمَّا المنقوط فيسمى: «مُعْجَمًا».
وقرأتُ ربعًا من القرآن، وأنا أطبق أحكام «الإظهار الحلْقي»، وقد وعيتُه وهضمته تمامًا.
ثم طفِقْتُ أتعلَّم بقايا الأحكام الأربعة من «الإدغام» مع الحروف الَّتي تجمعها كلمة «يرملون». وهو قسمان: إدغام بغنَّة مع الحروف الَّتي تجمعها كلمة «ينمو»، والقسم الثاني: إدغام بغير غُنَّة. وفيه قال صاحب التحفة:
والثانِ إِدْغام بِغَيْرِ غُنَّةْ
في اللَّامِ والرَّا ثُمَّ كرِّرَنَّهْ
إلى آخر الأحكام الأربعة للنون الساكنة والتنوين، ثمَّ سائر أحكام التجويد الأخرى. كان متن «التحفة» في التجويد أوَّل المتون الَّتي حفظتها، حتَّى قبل أن أدخل الأزهر.

مقالات مرتبطة بالمحتوي

سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-16 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة