(11) إلى المدرسة الإلزاميَّة

(11) إلى المدرسة الإلزاميَّة


📁 سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-16 00:28:11 • 👁 47 مشاهدة
د. يوسف القرضاوي:
في السنة السابعة من عمري، ضَممتُ إلى الكُتَّاب: التعلُّمَ في المدرسة الإلزاميَّة الحكوميَّة في قريتنا، وكانت تتبع في ذلك الوقت مجلس مديريَّة الغربيَّة.
كانت المدرسة تقع في حارتنا، وكان دخولها ضروريًّا ومهمًّا، لتُكمل ما يقوم به الكُتَّاب.
وكان في المدرسة مدرس قريب لنا، هو الشيخ عبد الله زايد، وكان شيخًا يلبس عمامة وجبة، وقال له عمي: نريد أن يدخل ابننا المدرسة، وكنتُ معه، فسألني الشيخ عبد الله: كم حفظت من القرآن؟ قلت: وصلت إلى سورة الجن. قال: حسنٌ، تعالَ إليَّ غدًا، وأنا أدخلك المدرسة فورًا.
وفعلًا ذهبت إليه في الغد، وأدخلني الفصل الأوَّل، وكتب لي جدول الضَّرْب في ورقة، وقال لي: تحفظه في أسبوع وتأتيني لأمتحنَكَ فيه. وبعد يومين أو ثلاثة ذهبتُ إليه، وقلتُ له: حفظتُ الجدول. فاختبرني، فوجدني قد حفظته عن ظهر قلب، ولم أخطئ في رقم واحد فيه.
كانت المدرسة تُستخدم في الصباح للبنات، وبعد الظهر للبنين. ولهذا كنتُ أذهب إلى الكُتاب في الصباح، وإلى المدرسة في المساء.
وجدتُ المدرسة غير الكُتَّاب تمامًا. من حيث المبنى، ومن حيث المعنى.
كان المبنى واسعًا، هو عبارة عن «فيلّا» كبيرة لأحد أقاربنا من جهة أمي، وهو الشيخ أبو ريَّا زغلول، الَّذي ترك القرية وأقام في مدينة المحلَّة الكبرى، وأجَّر بيته للمعارف، أو لمجلس المديريَّة، ليكون مدرسة للقرية.
كان المبنى من دورين، في كل دور عدة حجرات، منها حجرة للناظر، وحجرة للمدرِّسين، وحجرات هي فصول للدراسة.
وكان في المبنى «بدروم» يشمل مراحيض ودورة مياه للتلاميذ. وبهذا حُلَّت مشكلة كنا نعانيها في الكُتَّاب، إذا أراد أحدنا أن يبول أو يتغوط، فلا بدَّ أن يذهب إلى «الخرابة» بجوار الكتاب، أو يذهب إلى مراحيض الجامع، أو يدخل حمام بيت الشيخ حامد نفسه.
كان الكُتَّاب كله فصلًا واحدًا، وكانت المدرسة خمسة فصول.
وكان للكُتَّاب مدرس واحد، هو صاحب الكُتَّاب، ولكن كان في المدرسة عدد من المدرسين.
وكان الكتاب كله مرحلة واحدة، وكانت المدرسة مراحل، أو فِرقًا، ينتقل التلميذ من مرحلة إلى الَّتي بعدها، أو من فرقة إلى الَّتي تليها.
وكان الكُتَّاب دراسة مستمرة صيفًا وشتاءً، لا نعرف إجازة إلَّا أيَّام الجمع والأعياد. أمَّا المدرسة فهي تأخذ إجازة في فترة الصيف.
والخلاصة: أنَّ الكُتَّاب مؤسَّسة فرديَّة تقوم على شخص واحد، هو صاحب الكتاب، وهو المعلِّم والناظر والمفتِّش، وهو واضع المنهج ومطبِّقه. أمَّا المدرسة فهي مؤسَّسة جماعيَّة، تتوزع فيها المسؤوليَّة على الناظر (المدير) والمعلِّمين، وعليها تفتيش من وزارة المعارف. والمدرسة تنفذ مناهج لم تضعها هي، وإنَّما وُضعت من لجان متخصصة من قبل الوزارة.
والمؤسسات الفرديَّة تعتمد على الفرد المؤسِّس، فإذا صلح صلحت المؤسَّسة، وإذا فسد فسدت المؤسَّسة، كالقلب من الجسد.
ولقد أتيح لي أن أجمع بين خيري المؤسَّستين، الكُتَّاب على ما به، فأعانني على حفظ القرآن وتجويده وحسن ترتيله.
والمدرسة لأتعلَّم فيها ما لا يوجد في الكُتَّاب من المعارف الَّتي لا بدَّ منها.
ولقد عاب بعض التربويِّين المحدَثِين الكُتَّاب وحفظ القرآن في الصغر، على أساس النظريَّة الَّتي تقول: لا يجوز أن يحفظ الطفل ما لا يفهم.
ولكن هذه النظريَّة لا ينبغي أن تُطَبَّق على القرآن، فإنَّ حفظه في الصغر كالنقش على الحجر، ولقد حفظناه واختزنَّاه صغارًا، فنفعنا كبارًا. ومن حَفِظ القرآن في كبره قلَّما يثبت إلَّا بمجاهدة ومداومة على تلاوته ومدارسته، وإلا تفلَّت كما تنفلت الإبل من عُقُلها.
على أنَّ القرآن ليس كغيره من النصوص. إنَّه نص متميز، ميسَّر للحفظ والفهم، كما قال تعالى:﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍۢ﴾[القمر: 17].
وأذكر أنِّي كنتُ أقرؤه وأنا أفهم المعنى الإجمالي للآيات الكريمة، وإن كنتُ لا أفهم معاني بعض الألفاظ، ولكنِّي أفهم الفحوى والمقصود منها.
وممَّا أذكره أنِّي كنتُ أسمِّع المقرَّر عليَّ حفظه من الشيخ حامد من سورة الصافات، فقرأتُ قول الله تعالى في قصَّة لوط مع قومه، وقد أهلكهم الله، وتعقيب القرآن على ذلك بقوله مخاطبًا مشركي مكة:﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[الصافات: 137، 138].
وتلوتُ الآيتين هكذا:﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾، ووصلت﴿عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾مع قوله:﴿وَبِٱلَّيْلِ﴾، ووقفت عندها، ثمَّ قلت:﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فقال الشيخ حامد: فتح الله عليك. فقد فهم الشيخ حامد أنِّي وعيتُ المعنى، فدعا لي.
عندما دخلتُ المدرسة وأُلْحِقْتُ بالصف الأوَّل فيها، سُلِّمْتُ عدة كراسات، لكل مادَّة من المواد كراسة، كما سُلِّم لي قلم رصاص، ومحَّاءة، وسُلِّم لي كذلك كراسة خاصَّة لتحسين الخط، فيها خطوط من خط النسخ وخط الرقعة، وخط الثلث، أحاول أن أقلِّدَها.
وكان مدرِّسي في الصف الأوَّل مدرِّسًا من جهة السنطة، اسمه: الشيخ علي سليمان خليل، كان يلبس لباس المشايخ (الجبَّة والقفطان). وكان هذا لباسًا شائعًا بين المعلِّمين مع البدلة الإفرنجية، ذلك أن معظم المدرسين بهذا النوع من المدارس الإلزاميَّة كانوا من خِرِّيجي مدرسة المعلمين، وكانت تأخذ طُلَّابها من حُفَّاظ القرآن.
وقد رحَّب بي الشيخ علي خليل، وما أسرع ما ظهر تفوقي على تلاميذ الفصل! ولعل دراستي السابقة في الكُتَّاب ساعدتني على ذلك. وكان يُسَمِّيني: «بيرنجي الفصل» أي أوَّل الفصل. ولم أعرف أصل هذه الكلمة حتَّى زرت إستانبول في تركيا سنة (1967م). وعرفت اشتقاق هذه الكلمة، فهي مأخوذة من كلمة «بير» أي رقم (1)، ومعنى بيرنجي: أي الشخص رقم (1) أي الأوَّل.
ومن مزايا المدرسة: أنَّها تستخدم المنهج التربوي في تقويم أعمال التلاميذ، وتعطيهم عليها درجات في أرقام. كانت درجاتي عادة عشرة على عشَرة، مشفوعة بكلمة: حسن أو حسن جدًّا، وفي هذا تشجيع وحفز للتلاميذ إلى أن يتفوقوا ويتقنوا، وإذا تفوقوا أن يحافظوا على تفوقهم.
وعندما انتقلت من الفرقة الأولى إلى الفرقة الثانية، وحصلت على الإجازة، لنستمتع بحق اللعب والراحة فيها، وعُدنا إلى المدرسة، كان مدرسنا من أبناء القرية، وهو الأستاذ المربِّي الفاضل: سعيد سليمان ثابت، ابن شيخ مُعَلِّمي القرية الشيخ سليمان تائب، أو ثابت.
وكان الأستاذ سعيد، أو سعيد أفندي معلمًا بفطرته وخبرته، وكانت بيننا وبينه مودة ومحبة، وكان يدرس لنا التاريخ والجغرافيا وعلم «الأشياء» (ويُعْنَى به ما نريد الآن من مادَّة العلوم). والصحَّة والحساب والإملاء والخط والمطالعة والمحفوظات، فلم يكن مدرِّسَ مادَّة، إنَّما هو مدرس فصل أو صف.
وقد درَّس لنا سعيد أفندي أكثر من سنة، وكان له حسٌّ أدبي قوي، يتجلَّى في اختياراته لما نحفظه من قطع أدبيَّة. وممَّا أذكره ممَّا حفَّظه لنا: شعر للإمام الشافعي:
ومن لم يذق ذلَّ التعلُّم ساعةً
تجرَّع ذلَّ الجهل طولَ حياته
ومن فاته التعليم وقتَ شبابه
فكبِّر عليه أربعًا لوفاته
حياةُ الفتى ـ واللهِ ـ بالعلم والتُّقى
إَذَا لَمْ يَكُونَا لَا اعْتِبَارَ لَذَاتِهِ(1)
وفي السنة الثالثة ختمتُ القرآن بالكُتَّاب، وأصبحتُ متفرِّغًا للمدرسة، وإن لم أنقطع عن الكُتَّاب، فقد ظلِلْتُ فيه، لمعاونة الشيخ حامد في التسميع للتلاميذ الصغار والإشراف عليهم.
وفي السنة الخامسة انتقلتْ المدرسة إلى مبنى جديد خاص بالبنين، وأصبح للبنات مبنًى آخرُ مستقلٌّ لهنَّ، وبهذا صارت المدرسة صباحيَّة، فتعارضت المدرسة مع الكُتَّاب، ومع هذا كنتُ أذهب إلى الكتاب بعد الظهر.
أول جائزة في حياتي:
أحفظ صبيٍّ للقرآن في الغربيَّة:
وفي هذه المرحلة (ما بعد ختم القرآن، ولم أزل في المدرسة الإلزاميَّة، وأظن أن ذلك كان في صيف سنة 1937م، وأنا في الحادية عشرة من عمري)، استُدْعِيتُ إلى إدارة المنطقة التعليميَّة بمجلس مديريَّة الغربيَّة بمدينة طنطا، للامتحان في القرآن الكريم. لم أعلم بذلك إلَّا يوم السفر، وسافرتُ مع الشيخ «حامد أبو زويل» محفِّظي للقرآن.
وحين وصلنا إلى موقع الإدارة، ناداني المفتِّش المسؤول عن الامتحان، وكنتُ أعرفه، فقد زار مدرستنا من قبل، وهو الشيخ عبد المقصود سليمان عيد، وكان رجلًا مهيبًا مشرق الوجه، طويل القامة، يلبس جُبَّة وعمامة، وهو والد المحامي الكبير والنائب الشهير الأستاذ عادل عيد.
ولما دخلت عليه هشَّ في وجهي، وأراد أن يزيل الرهبة من نفْسِي، وقال لي: طبعًا أنت حافظ القرآن يا بني؟ قلت له: الحمد لله، أحفظه جيِّدًا.
وهنا وجه إليَّ نحو ثلاثين سؤالًا من مختلف أجزاء القرآن وسوره، ولا أذكر أنِّي أخطأت في الإجابة أو تلعثمت. فقال في النهاية: فتح الله عليك يا بني، وبارك فيك. ولك عندنا مكافأة بوصفك أحفظ التلاميذ في المديريَّة!
ولا أذكر هل صرفتُ المكافأة يومها أو بعدها بأيَّام؟ المهم أنِّي صرفت هذه المكافأة، وقدرها جنيه وربع جنيه، وهي أوَّل جائزة أتسلَّمُها في حياتي.
ومنذ سنوات حضَرْت الاحتفال الأوَّل لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، حيث كُرِّم شيخنا الشيخ محمَّد متولي الشعراوي بوصفه شخصيَّة العام الإسلاميَّة، وكُرِّم أوائل الحفاظ للقرآن من أنحاء العالم، ممَّن لا يزيد عمرهم على (21) عامًا. وكان لي كلمة في ذلك الحفل، هنَّأتُ فيها صاحب الجائزة الشيخ محمَّد بن راشد المكتوم، ولي عهد دبي، ووزير دفاع دولة الإمارات، وهنَّأتُ شيخنا الشعراوي، وهنَّأتُ الحفَّاظ الفائزين. وكان نصيب الأوَّل (250) ألف درهم إماراتي (ربع مليون) وقلت لهم: إنِّي حصلت على الجائزة الأولى في صباي، وكانت جنيهًا وربع جنيه. صحيح أنَّ الجنيه والربع الآن قد تساوي نحو ألف درهم، ولكن جائزة الأوَّل (250) ألفًا. فهذا من فضل الله تعالى على حُفَّاظ كتابه، والدول العربيَّة تتنافس في ذلك. وقد وسع الله عليها فلتوسع على أهل القرآن.
المهم أنَّ فرحتي بهذه الجائزة كانت لا تقدَّر؛ لأنَّها جاءت على غير توقع، ودلت على أنَّ الله لا يضيع أهل القرآن. كيف، وهم أهل الله وخاصته؟!
وقد حصل الشيخ حامد على ربع الجنيه من المكافأة، وبقي الجنيه لي. وأصبحت أملك ممَّا كسبتْ يداي جنيهًا مصريًّا. وقد سلمتُ هذا الجنيه لعمي، فقال لي: لك به عشر الجاموسة. وأنت ونصيبك، فما يجيء منها لك عُشْره. وما يجيء منها عادة «عجل» في كل سنة، يباع بعد أسابيع «بتلو» بخمسة جنيهات. ومعنى هذا أن يكسب الجنيه في السنة نصف جنيه، أي بحساب الأرقام (50 %).
ولكن الَّذي حدث أنَّ الجاموسة لم تحمل في تلك السنة ولم تلد، على خلاف السنوات الماضية. وقال عمِّي: هذا حظُّك يا بني، وهي أرزاق من عند الله.
وأذكر أنِّي قبل ذلك اجتمع عندي من عيديَّاتي (ما آخذه في الأعياد من الأقارب) نصف جنيه (خمسون قرشًا)، فاقترحت عليَّ جَدَّتي لأمي، أن تشتري لي بها «إوزَّة بيَّاضة»، وهذه تبيض كل عدَّة أشهر نحو عشْر بيضات، وترقد عليها، وتفقس كل بيضة إوزة خضْراء صغيرة، تتعهدها جَدَّتي مع أوزِّها وطيورها ودواجنها، وكانت ماهرة في تربية هذه الأشياء وموفَّقة فيها، فإذا كبرت الإوزات الصغيرة قليلًا باعتها بمبلغ يساوي ضعف رأسمالي أو أكثر.
فماذا حدث لإوزَّتي؟
لقد باضت بيضتين ثمَّ توقَّفت، ودون سبب معروف. ولا يمكن أن ترقد الإوَزَّة على بيضتين. وقالت لي جدتي: هذا حظُّك يا بني، إنَّها أرزاق!
وأنا لست من المتطيِّرين والمتشائمين، ولكن يبدو لي من تجاربي وممارساتي في عالم التجارة والمال: أنِّي من قليلي الحظِّ في هذا المجال. فجُلُّ المشْروعات الَّتي دخلتُ فيها أو شاركتُ فيها قدر الله لها أن تخسَر. وليس هذا في مشْروع ولا اثنين ولا ثلاثة. تكاد كل المشروعات الَّتي ساهمت فيها ـ إلَّا القليل منها ـ تنتهي بضياع ما وضعتُ فيها من مدخراتي من كسبي ومن كُتُبي.
أول «مائة جنيه» ملكتها في حياتي كانت من حقوق تأليف أوَّل طبعة من كتابي: «الحلال والحرام في الإسلام» وكانت ستِّين جنيهًا، مع أربعين أخرى ادَّخرتها، وكانت المائة جنيه في هذا الوقت ثروة. مائة الجنيه هذه، وضعتها تأمينًا لقطعة أرض في مدينة نصر بالقاهرة أوَّل ظهورها، عن طريق بعض الجمعيَّات التعاونية، وسلَّمْنا المبلغ بواسطة الجمعيَّة لبنك يسمى: «بنك التعاون». وحاولت بعد ذلك أن أستفيد من ذلك بأخذ قطعة أرض، فلم أستطع. ثمَّ حاولت أن أستردَّ المبلغ فلم أُوَفَّق، وخصوصًا أنِّي سافرت بعد ذلك إلى قطر، وضاعت الجنيهات المائة إلى اليوم.
وبعد عدَّة سنوات من قدومي إلى قطر، عرض عليَّ سكرتيري في المعهد الديني أن أشترك معه في شراء أرض للبناء، وهذه تتضاعف أسعارها بسرعة. ووافقته على ذلك، ودفعتُ له ما كان عندي في ذلك الوقت، وهو خمسة وعِشْرون ألف ريال ـ أو روبيَّة ـ ومرَّت عدَّة سنوات والأرض ساكنة لم تتحرَّك، فاضطر الأخ إلى أن يبيعها بثمن شرائها، وأن يأخذ كلانا ما دفعه، والحمد لله على عدم الخسارة.
ومن المفارقات: أنَّ هذه الأرض الَّتي بيعت ـ بعد سنوات ـ بثمن شرائها، لم تكد سنة واحدة تمضي عليها، حتَّى تغيَّر سعرها، ونفِقت سُوقها.
وبمناسبة أرض المباني، حدثت في قطر ـ وفي بلاد الخليج عامَّة ـ في بعض السنين طفرة هائلة في أسعار أراضي البناء، وربح بعض النَّاس منها ملايين في ذلك الوقت. وقد رأى بعض أصدقائي من التُّجَّار القطريِّين هذه الظاهرة، فاقترح عليَّ أن أشترك معه في شراء قطعة أرض رآها مناسبة، وكان معي مبلغ كبير نحو نصف مليون ريال، وبالفعل شاركتُ به معه، وجاءت له فيه صفقة تربح قليلًا، فطمع ولم يبع. ثمَّ ما لبثت الأرض أن عادت إلى أسعارها الطبيعيَّة، وزالت هذه الطفرة المجنونة، وحدث نقص هائل في أسعار الأرض، حتَّى إنَّ بعض الأراضي الَّتي اشتُرِيَت لم تعد تساوي عشر ثمن شرائها، وكان النَّاس يسألونني عن زكاة الأرض في تلك الفترة، فأقول: قوِّمها وأدِّ زكاتها.
فيقول: كيف أقوِّمها ولا أجد من يسومها؟ فقد عمَّ الكساد، وما عاد أحد يشتري الأرض بكثير ولا قليل.
وقلتُ: عوضي على الله، ومرت سنوات طويلة، حتَّى بيعت الأرض بالتقسيط وعاد لي ثمنها الَّذي دفعته مرَّة واحدة على سنوات.
ولي تجارب شتَّى لا داعي لذكرها: في قطر، وفي مصْر في شركات توظيف الأموال، وفي السودان وفي غيرها، آخرها «بنك التقوى» الَّذي وضعتُ فيه جل مدخراتي، في أسهمه ومضارباته. وحرَّضْتُ أولادي على أن يشتركوا فيه، وقد كان أحسن البنوك الإسلاميَّة ربحًا، وأسلمها معاملة، حتَّى إنَّه لم يعمل في المرابحة قط، ولم يدخل أسواق السلع والمعادن لما فيها من شبهة «الصوريَّة». ثمَّ دارت عليه الدوائر، فإذا هو يُصَفَّى الآن، ولا ندري: أنحصل على (10 %) من رأس مالنا أم لا؟ ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. لقد قال الأخ يوسف ندا رئيس البنك ما قالته جدتي منذ نحو سبعين عامًا: إنَّها أرزاق!
وبعض شركات التوظيف في مصر، «مثل: شركة الحجاز» لم أحصل أنا ولا أولادي على فلس واحد من أموالنا فيها إلى اليوم.
ومع هذا، فإنَّ خير الله عندي كثير، وفضله لا يجحد، ونعمه لا تحصى، وما ضاع مني شيء إلَّا عوضني الله مثله أو خيرًا منه، ولا يدري أحد أين يكون الخير،﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].
وقد ذكروا عن سيِّدنا عليٍّ 3 أنَّه قال:
رَضِينَا قِسْمَةَ الرَّزَّاقِ فِينَا
لَنَا عِلْمٌ، وللجُهَّال مَالُ
فعِزُّ المال يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ
وعِزُّ العِلْمِ بَاقٍ لَا يَزَالُ(2)

مقالات مرتبطة بالمحتوي

سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-17 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة
سيرة ومسيرة • 📅 2026-09-15 00:28:11 • 👁 0 مشاهدة