(12) ما بين المدرسة والمعهد
د. يوسف القرضاوي:
بعد أن أنهيت المدرسة الإلزاميَّة، وقبل ذلك ختمت القرآن، دخلت في مرحلة جديدة (مرحلة البحث عن المستقبل): ماذا بعد الكُتَّاب والمدرسة؟
كان قلبي معلقًا بأمر واحد، لا أفكر في غيره، ولا أرضى بديلًا عنه، وهو الالتحاق بمعهد طنطا الديني، لأكون أحد طلاب الأزهر.
ولكن هذه الرغبة المنطقية والمشروعة، لم تكن بالأمر السهل أو الهيِّن، فقد كان يقف دونها عقبات وعقبات.
كان الأزهريُّون المتخرِّجون في ذلك الزمن مضيَّعي الحقوق، لا يجدون عملًا يتعيَّشون منه. فهم يتخرَّجون في كلِّيَّات الشريعة أو أصول الدِّين أو اللغة العربيَّة، وينالون منها الشهادة العالميَّة. ويحصلون بعد العالميَّة على أحد التخصصات الثلاثة في الأزهر: تخصص القضاء لخِرِّيجي كلِّيَّات الشريعة، أو تخصص الدعوة والإرشاد لخِرِّيجي أصول الدين، أو تخصص التدريس لخِرِّيجي الكلِّيَّات الثلاث(1). يقضِي الطالب في ذلك خمسة عشر عامًا متواصلة، غير السنوات الأولى الَّتي حفظ فيها القرآن، ثمَّ يعود إلى بلده، ليقعد متعطِّلًا متبطِّلًا بلا عمل.
ذلك أنَّ فرص العمل أمام علماء الأزهر كانت محدودة جدًّا:
فإما أن يعيَّن مدرسًا في معاهد الأزهر الدينيَّة، وهذه فيها كفايتها، على أن مدرِّسي الأزهر كانوا يشكون من الظلم المبين الواقع عليهم، فقد كان أحدهم يُعيَّن في المعاهد بمرتب ثلاثة جنيهات، في حين أن خِرِّيجي مدارس المعلِّمين الأوليَّة الَّذين يُعَيَّنون بالمدارس الإلزاميَّة يتقاضون أربعة جنيهات راتبًا لهم عقب التخرج.
وإمَّا أن يعين إمامًا وخطيبًا في الأوقاف. وكانت المساجد التابعة لها محدودة كذلك، حتَّى إنَّ قريتنا الكبيرة وبها خمسة جوامع، لم يكن واحد منها تابعًا للأوقاف.
وإمَّا أن يُعَيَّن واعظًا بالأزهر، وهؤلاء عدد محدود في القطر المصري كله.
ولم يكن تدريس الدين بالتعليم العامِّ إجباريًّا. وكان التعليم العام ذاته محدود الدائرة أيضًا، فلم يصبح التعليم حقًّا لكل مواطن، ويصبح كالماء والهواء، كما قال طه حسين بعد.
فلا غرو أن يتخرج أبناء الأزهر، ثمَّ يجلسوا على «المصاطب»، كما يقول أهل القرية، كأنَّما كان غرسهم بلا ثمر. وكان في قريتنا ـ للأسف ـ عدد من هؤلاء الخريجين العاطلين، منهم الشيخ عبد المُطَّلِب البتَّة، الَّذي لم يلبث أن عُيّن مدرسًا بمعاهد الأزهر، حيث كان الأوَّل على دفعته، ومنهم الشيخ عبد المُطَّلِب غانم، وابن عمه الشيخ سليمان غانم.
هذه هي صورة خِرِّيجي الأزهر، عندما ختمتُ القرآن، وأنهيتُ المدرسة الإلزاميَّة، أي وأنا في سنِّ الثانيةَ عشْرةَ من العمر.
وهذه الصورة الموئسة البائسة هي الَّتي جعلت عمِّي 5 لا يُشَجِّعني على التقدُّم إلى الأزهر، ويقول: إنَّ الأزهر طريقه طويل، ثمَّ هو بعد ذلك عاقبته ما نراه بأعيننا.
كان عمِّي يُفَكِّر في طريق يكون أقصر وأقرب إلى كسب العيش بسرعة، من هذا الطريق الطويل، الَّذي يُعرف أوَّلُه، ولا يُعرف آخره.
كان يقول: يمكن أن نفتح لك بابًا إلى الحارة من «المنظرة»، ونأتي لك فيه ببعض الخردوات والأشياء الَّتي تباع للناس، ممَّا تحتويه البقالات عادة، تبدأ صغيرًا ثمَّ تكبر، كما كان فلان وفلان.
وإما أن تتعلم حرفة نظيفة مثل: «الخياطة»، فكل النَّاس محتاجون إليها، ولا تتكلف أكثر من ماكينة الخياطة، وهذه يمكن تدبيرها بعون الله.
وإمَّا أن تتعلَّم حساب «الدوبيا»، وهو حساب يستخدم في الدوائر الزراعيَّة وغيرها، وتعمل كاتبًا في إحدى هذه الدوائر، أو في أحد المتاجر الكبرى بمدينة المحلَّة، أو بغير ذلك. وهذا يوفِّر لك مرتبًا معقولًا في عمل محترم نظيف.
كل هذه المقترحات لم تجد عندي أذنًا صاغية، فلم أكن مستريحًا لأيٍّ منها، ولا تتَّفق واحدة منها مع طبيعتي وتطلعاتي.
وبقيتُ أنتظر فرج الله، لا أعمل شيئًا، إلَّا الذهاب إلى الحقل أحيانًا مع عمي وأبناء عمي. وأنا لا أحب الفلاحة أيضًا، ولا أميل إليها. ولهذا كانوا يَعُدُّونني فلاحًا خائبًا، أو على الأقل: غير شاطر كأبناء جيراننا الفلَّاحين.
وقد شاركت في «تنقية الدودة» من القطن، كما شاركت في «جني القطن»، وهو عمل شاقٌّ، يكون في شدَّة الحرِّ، ويأكل النَّاس فيه الخبز الخشن بالجبن القديم والمشِّ والبصل. وتبيَّن لي بعد ذلك أنَّ هذا لحكمة، وهي حاجة الجسم إلى الملح، نتيجة ما يتصبَّب منه من عَرَق. أمَّا الشرب فيشرب النَّاس من مياه الترع، أو من جرار يملؤونها منها.
وقد أغراني بعض الشباب من جيراننا بأن أذهب معهم لجني القطن بالأجر، وأظنُّ الأجرة كانت لليوم بقرشين صاغ، نعمل شهرًا فنأخذ ستِّين قرشًا! وكان هذا مبلغًا ذا قيمة في نظر النَّاس حين ذاك. واستجبتُ لهم، وذهبت لجمع القطن بالأجرة، ولكنِّي لم أصبر على هذا العمل الشاقِّ أكثر من ثلاثة أيَّام وانقطعتُ عنه. فكلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، ويبدو من تصاريف القدر أنِّي لم أخلق لمثل ذلك.
ومن الوقائع الَّتي حدثت في تلك الفترة: حادث مهمٌّ، ربَّما لو تمَّ لغيَّر مجرى حياتي. ذلك أنَّ شركة مصر للغزل والنسيج كانت قد أنشأت مصنعها منذ سنوات قليلة في مدينة المحلَّة الكبرى بجوارنا، وقد انضمَّ إليها عدد كبير من أبناء القرية، والقرى المحيطة بنا، وأصبحوا يذهبون يوميًّا إلى المحلَّة ويعودون عن طريق الدرَّاجات، الَّتي يملكها كل واحد منهم.
وكان من هؤلاء ابن خالة لي يكبرني بعدة سنوات، هو عبد الحي الطنطاوي مراد. وقد ظل يُغريني، ويغري والدتي بأن أذهب إلى المحلَّة في يوم معيَّن يطلبون فيه العُمَّال الجدد، ويفرزون الطالبين، وهم كثيرون في العادة، ويختارون بعضهم وَفْق شروطهم ومواصفاتهم.
وبعد إلحاح من ابن خالتي، ذهبت إلى شركة المحلَّة، وأنا كاره وخائف أن أكون ممَّن يقبلون في هذا المجال، وأتمنَّى من كلِّ قلبي ألَّا أُقبل. وفعلًا جاء الَّذين يفرزون المتقدِّمين، ولم أكن واحدًا ممَّن اختاروهم. وحمدتُ اللهَ على ذلك، وإن غضب ابن خالتي عليَّ، وحمَّلني مسؤوليَّة عدم اختياري. والحقيقة أنِّي لم أفعل شيئًا، ولكن الله تعالى صرفهم عن اختياري لحكمة يعلمها.
كان ذلك عندما بلغت الثانية عشرة من عمري، وقد بقيتُ في القرية مُعَلَّقًا، لا أدري ما مصيري، تاركًا الأمر لله، يدبِّرُه كيف يشاء.
كنت أقضي الوقت أحيانًا مع خالي في رحلاته التجاريَّة، ولكنِّي لا أحبُّ أن أكون تاجرًا، وأحيانًا مع عمِّي وابن عمي في الأعمال الزراعيَّة، وهي مهنة لا أحسِنها ولا أحبُّها أيضًا.
وقد قضيتُ منذ ختمت القرآن عدَّة سنوات من حياتي في فراغ، لا أجد ما يملؤه؛ إذ لم يكن في القرية ما يملؤه.
لو وجدت من يُعَلِّمني لغة أجنبيَّة لخطوتُ فيها خطوات سريعة، فقد كانت قدرتي اللغوية فائقة، ولكن لم يكن في قريتنا ما يُعين على ذلك، وما يدفع إليه.
أو لو وجدت من يُحَفِّظُني كُتُب الحديث كالبخاري ومسلم وغيرها، لوجدتُ عندي استعدادًا غير عادي، ربَّما يُعيد بعضَ عهد السابقين.
ولو وجدتُ مَن يُيَسِّر لي كتب الأدب العربي لالتهمتُها.
ولكنِّي جلستُ أقرأ بعض سيرة بني هلال أو غيرها من الملاحم الشعبيَّة، الَّتي كانت ميسورة للناس في ذلك الوقت.
الشيخ الَّذي أقنع عمِّي:
وبقيتُ هكذا منتظرًا متربِّصًا، سائلًا الله تعالى أن يختار لي الخير، داعيًا بما دعا به نبي الله موسى حين آوى إلى الظلِّ في مَدْيَن، فقال:﴿رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ﴾[القصص: 24].
وشاءت إرادة الله جل شأنه أن يُحَرِّك هذا الأمر الساكن. وإذا أراد الله أمرًا هيَّأ له الأسباب، وأزال من طريقه الموانع.
فقد كنتُ في يوم من أيَّام الصيف مع عمِّي وابنَيْ عمِّي في الحقل، وفي وقت القيلولة. وتحت شجرة من أشجار الجُمَّيز ذات الظل الوارف الثقيل، جلسنا نتناول الغداء، وبجوارنا قُلَّةٌ فخارية اعتاد الفلَّاحون أن يصطحبوها معهم مليئة بالماء، تهبُّ عليها نسمات الهواء، فتمنحها شيئًا من البرودة الَّتي تترطب بها الحلوق في هذا الجو الحار.
في هذا الوقت مرَّ شيخٌ يلبس جبة وعمامة من قرية «الهياتم» المجاورة لنا، والَّتي تشاركنا في محطة القطار، جاء في زيارة إلى مسجد سيِّدي عبد الله بن الحارث، وزيارة بعض من يعرفهم من أهل صفط. ومال الشيخ إلى مجلسنا، وجلس بجوارنا، وقال: هل عندكم من شربة ماء؟
فقلنا له: نعم، وأعطيناه القُلَّة ليشرب منها.
ثم قال له عمي: يا سيِّدنا الشيخ، نريد أن تختبر هذا الشيخ الصغير، ابننا.
فقال له: هل هو ابنك؟
قال: نعم.
ثم توجه إليَّ قائلًا: هل تحفظ القرآن؟
قلت: نعم والحمد لله، ولا أُسقط منه حرفًا.
فسألني عدة أسئلة من القرآن من أوائله وأواسطه وأواخره، فوجدني أحفظه حفظًا كاملًا، كما رآني أحسن تجويده وتلاوته.
فوجه الحديث إلى عمي وقال له: ما اسمك؟ قال: أحمد.
قال: يا عمُّ أحمد، هذا الولد يجب أن يذهب إلى الأزهر؛ حرام ألا يتعلَّم في الأزهر، لماذا لا تقدم له في الأزهر؟
قال عَمِّي: يا سيِّدنا الشيخ، نحن أناس فقراء، والأزهر طريقه طويل، ومع هذا يتخرَّج علماء الأزهر منه فلا يجدون عملًا، وها هم أولاء علماء بلدنا قاعدون بلا عمل.
قال الشيخ: يا عمُّ أحمد، أنت رجل فلَّاح، وإذا بذرت في الأرض بذرة، هل تضمن أن تنمو البذرة حتَّى تخرج الثمرة؟
قال: لا.
قال: ألم يحدث في بعض السنوات أنْ أكلتِ الدودةُ زرعَكَ؟
قال: حدث.
قال الشيخ: هلِ امتنعتَ بعدها عن الزرع؟
قال عَمِّي: لا. أنا أؤدِّي واجبي، والباقي على الله.
قال الشيخ: أحسنتَ، أنت عليك أن تُؤدِّي واجبَكَ، والباقي على الله.
يا عمُّ أحمد، هل تعرف ما يحدث لك بعد أسبوع، أو غدًا؟
قال عمي: لا. المستقبل بيد الله.
قال الشيخ: فإذا كنتَ لا تعرف ماذا يحدث غدًا؛ لأنَّ المستقبل بيد الله، فكيف تتحكم فيما سيحدث بعد خمسة عشر عامًا تتغير فيها أحوال، وتزول دول، وتقوم دول؟! أدِّ الواجبَ عليك يا عم أحمد، واتركِ المستقبلَ لمن يدبِّره!
ثم توجه الشيخ إليَّ، وقال لي: هل يكفيكَ عشرة قروش في الشهر؟
قلتُ له: يكفيني خمسة، بل أنا أستطيع أن أعيش على العيش والدُّقَّة.
قال ابنا عمِّي: نحن نكري أنفسنا ونوفِّر له ما يحتاج إليه.
هذا خلاصة ما جرى من حوار بين الشيخ وبين الأسرة، عبَّرتُ عنه بأسلوبي.
وكأنَّما كان هذا الشيخ الَّذي لم نسأله عن اسمه، ولم ألقَه بعد ذلك، كان رسولًا من السماء لتحريك هذا الأمر. ولو كنتُ ممَّن يبالغون في إثبات الخوارق والكرامات ـ شأن الكثيرين ممَّن ينتسبون إلى الدين ـ لقلتُ: إنَّ هذا الرجل كان ملَكًا تصوَّر بصورة رجل، ليحل الله على يديه مشكلتي ثمَّ اختفى!
ولكن الواقع أنَّه رجل من بني آدم من قرية الهياتم، وهو سبب من الأسباب ساقه الله ليصنع به قدره، وفق سننه الَّتي لا تتبدَّل.
وبدأنا العمل لتقديم الطلب إلى المعهد الديني بطنطا. وسألنا ابن عمتي يوسف عبد الله النجار، الَّذي كان يدرس في المعهد الثانوي بطنطا: ماذا يطلب منَّا لنستوفي أوراق التقديم إلى المعهد؟
فقال: أهم شيء هو استصدار شهادة ميلاد أو مستخرج رسمي بشهادة الميلاد من مديريَّة طنطا، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا، ولم يبقَ إلَّا أسبوعان على آخر موعد لتقديم طلبات الانتساب إلى المعهد.
وكنا في يوم خميس، فقلنا: لنتحرك إلى طنطا، ابتداءً من يوم السبت. وكانت الإجراءات الروتينيَّة معقَّدة جدًّا، فلم يكفِ الأسبوعان لاستخراج شهادة الميلاد، وضاعت فرصة التقديم لهذا العام.
كل ما أحضرته من المطلوب للتقديم: أربع صور شمسيَّة (فوتوغرافيَّة). ذهبتُ مع ابن عمَّة لي على درَّاجة إلى مدينة المحلَّة، وطلب من مصوِّر يقف في الشارع أن يصوِّرني، فصوَّرني وأنا ألبس الجلباب والطاقية. وقد كانت عندي واحدة من هذه الصور احتفظ بها صديقنا وزميلنا في السكن الأستاذ كمال عبد المجيد المصري، وأهداها إليَّ، ثمَّ ذهبتْ للأسف؛ إذ لم أحفظها كما ينبغي. ولا توجد عندي لفترة الصبا أي صورة، فقد كان النَّاس في القرى لا يُعنون بهذا الأمر؛ ولذا لا توجد صورة لأبي ولا أُمِّي، ولم أذهب إلى مُصَوِّر بعد ذلك، إلَّا من أجل الصورة المطلوبة مِنِّي لاستمارة الشهادة الابتدائيَّة.
المهم أنَّهم قالوا: ننتظر هذه السنة، ونحضِّر الأوراق، لنغتنم أوَّل فرصة للتقديم. ولم يكن للسنين قيمة كبيرة عند الناس. أمَّا عندي، فكانت السنة طويلة؛ لأنِّي أنتظر فواتها على أحرِّ من الجمر، كأنِّي أعد أيامها ولياليها. أشبه بأيام الفراق لدى العُشَّاق. فأنا الآن في الرابعة عشْرة من عمري، ووقتي لا أحسن الاستفادة منه.
على كلِّ حال، فإنَّ هذا قدر الله الَّذي لا رادَّ له، ولا يُقابل إلَّا بالرضا والتسليم. وكما قال الشاعر قديمًا:
إذا الجَدُّ لم يَكُ لي مُسْعِدًا
فَمَا حَرَكَاتِي إِلَّا سُكُونْ
إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُرِيدُ الْفَتَى
عَلَى رُغْمِهِ، فليُرِدْ ما يكونْ(2)
وهكذا أردت ما هو كائن بالفعل، ومضت السنة بوردها وشوكها، بحلوها ومرها، حتَّى جاء موعد التقديم، وجئت بطلب الانتساب إلى المعهد، وقد ملأه بقلمه وخط يده العالِمُ الجليل الشيخ عبد المُطَّلِب البتَّة. وأذكر أنَّ من «الخانات» الَّتي يجب أن تُملأ: خانة المذهب الَّذي يختاره الطالب. والواقع أنِّي كنتُ أريد أن أقول للشيخ عبد المُطَّلِب: المذهب شافعي، على مذهب أهل القرية. ولكن الشيخ عبد المُطَّلِب بادرني، وقال: ما رأيُك يا شيخ يوسف، تكون حنفيًّا مثلي؟ قلتُ: على بركة الله، لأكُن حنفيًّا مثلك. وهكذا صرتُ حنفيًّا بهذه المصادفة.
وكان في معهد طنطا ومعاهد الأقاليم كلها ثلاثة مذاهب يختار الطالب واحدًا منها: الشافعيَّة، والحنفي، والمالكي.
أمَّا المذهب الحنبلي، فكان يُدَرَّس في معهد القاهرة وحده. وكان يُصْرَف لطلابه مكافأة تشجيعًا لهم، لقلَّة الراغبين فيه. وكانت فلسفة الأزهر ألَّا يبقى مذهب من المذاهب الأربعة دون أن يكون له طلَّاب ـ وإن قلَّ عددهم ـ يَدْرُسُونه.
وكان الوجه البحري ينتشر فيه مذهب الشافعي، كما كان الصعيد ينتشِرُ فيه مذهب مالك. أمَّا المذهب الحنفي، فكان له أتباع منذ عهد الدولة العثمانيَّة، وكان القضاء الشرعي يعتمد مذهبه في الحكم.
وذهبنا لإحضار شهادة إداريَّة، ممضاة من نائب العمدة وشيخ البلد، وكان نائب العمدة رجلًا فاضلًا، اسمه: الشيخ خضر أبو شادي، وقد أمضى لنا الشهادة، وقال لعَمِّي: «يا عم أحمد، أنا شايف ان ابن أخيك هذا سيكون له شأن في مديريَّة الغربيَّة». فقال له عمِّي: ربُّنا يسمع منك.
وأذكر أنَّه بعد سنوات، وأنا طالب في الثانوي، وقد طفِق النَّاس في القرية وفي طنطا يتحدَّثون عنِّي، كنتُ أخطب في المساجد، وأتحدَّث في المناسبات، ولا سيَّما في المآتم. قابلني الشيخ خضر، وقال لي: لعلَّك تذكر ما قلته لعمِّك من قبل: إنَّه سيكون لك شأن في مديريَّة الغربيَّة، وأنا الآن أقول: إنَّه سيكون لك شأن في بَرِّ مصر كلِّه.
وقدمت الانتساب، وتحدد امتحان القبول، وكنَّا نُمتحن في القرآن شفهيًّا، وفي الحساب والإملاء تحريريًّا. والحمد لله، فقد تم الامتحان بنجاح، وأرسلت إدارة المعهد كتابًا إلى وليِّ أمري تقول له فيه: الطالب المذكور نجح في امتحان القبول، وعليه الحضور إلى المعهد يوم... مرتديًا الزي الأزهري، وهو: العمامة، والجبَّة ذات الطوق (الكاكولة).
وكنَّا ثمانية من أبناء صفط تقدمنا إلى المعهد، وأذكر أنَّ أكثرهم نجح في امتحان القبول، وأنَّ بعضهم قد تخلَّف بعد سنة واحدة، أو أكثر، مثل: أحمد المهدي الفخراني. وبعضهم حصل على الشهادة الابتدائيَّة، مثل: منصور السعيد صقر. ومنهم من بقي حتَّى حصل على الشهادة الثانويَّة، مثل: زميلي في الفصل وفي المذهب نجيب عبد الله أبو رية، وقد اكتفى بالثانويَّة، وعمل بها في إحدى الوظائف الحكوميَّة، ثمَّ انقطعت عنِّي أخباره.
كان أهل القرية في هذه الفترة كثيرًا ما يُقَدِّمونني لأؤمَّهم في الصلوات الجهريَّة، وخصوصًا صلاة الفجر في رمضان، وعلى الأخصِّ في فجر الجمعة، فقد كنتُ أقرأ سورة السجدة كاملة، على حين تعوَّد كثيرٌ من الأئمَّة أن يقرأ جملة آيات تشتمل على آية السجدة.
وكنتُ في هذا الوقت عميقَ التأثُّر بالقرآن الكريم، شديدَ التجاوب مع وعده ووعيده، يكاد البكاءُ يغلبني، وتسبقني الدموع، ويتأثَّر النَّاس خلفي بتأثُّري، ويظهر نحيبُهم في الصفوف؛ ممَّا يذكِّرنا بمن وصفهم الله في كتابه:﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾[المائدة: 83].
(1) لم يكن في الأزهر آنذاك إلَّا كليات ثلاث: الشريعة، وأصول الدين، واللغة العربية.
(2) هو صفي الدين الحلي، كما في ديوانه صـ 668، نشر دار صادر، بيروت.
د. يوسف القرضاوي: كانت قريتنا يقوم تكوينها الاجتماعي على أساس طبقيٍّ واضح. فهناك طبقة عُلْيا، يقابلها طبقة دُنْيا، وبينهما طبقة وسطى.
2026-09-21
49 مشاهدة
د. يوسف القرضاوي: في السنة السابعة من عمري، ضَممتُ إلى الكُتَّاب: التعلُّمَ في المدرسة الإلزاميَّة الحكوميَّة في قريتنا، وكانت تتبع في ذلك ا
2026-09-16
28 مشاهدة