2026-06-16
989
الدِّين والصعود إلى القمر
يعلن الغربيُّون من أمريكان وروس وغيرهم: أن في استطاعة الإنسان الوصول إلى القمر، عن طريق المركبات الفضائية، ولكن كثيرًا من المتدينين يكذبون هذا الادعاء، ويعتبرونه حديث خرافة، حتَّى إن بعضهم زعم أن هذا ينافي ما جاء به القرآن؛ من أن الله جعل السماء سقفًا محفوظًا، وحفظها من كل شيطان مارد، فما رأيكم في ذلك؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أودُّ أن أقول للأخ السائل: إنَّ القرآن الكريم ليس فيه نص صريح يمنع من وصول الإنسان إلى القمر، أو إلى غيره من الأجرام السماوية. كما أنه لا يشتمل على نص للوصول إلى تلك الأجرام، فليس هذا من رسالة الوحي المنزل من عند الله تعالى. كل ما فيه أن الله تعالى حفظ السماء من الشياطين كما قال سبحانه:﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦ وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍ ١٧ إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ﴾[الحجر: 16 ـ 18].
ومعنى حفظ السماء من الشيطان أنه لا ينالها ولا يدنسها، ولا ينفث فيها من شره ورجسه وغوايته، فالشيطان موكل بهذه الأرض، وبالغاوين من أبناء آدم فيها، أمَّا السماء ـ وهي موضع الطهارة، ودار الملائكة، ورمز السمو والارتفاع، وقبلة دعاء المؤمنين ـ فالشيطان مطرود عنها مطارد، لا ينالها ولا يدنسها؛ إلَّا محاولة منه تُرد كلما أراد استراق ما يدور هناك من أحاديث بين الملائكة؛ ممَّا كلفهم الله به من أمور الكون. فهناك تُقذف بالشهب الثاقبة، الَّتي تقف بالمرصاد لكل شيطان مارد: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًۭا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ مَّارِدٍۢ ٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍۢ ٨ دُحُورًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ وَاصِبٌ ٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ ثَاقِبٌۭ﴾[الصافات: 6 ـ 10].
ولقد كان مردة الجنّ قبل البعثة المحمدية يمارسون عمليَّة استراق السمع من الملأ الأعلى، وربَّما خطف بعضهم كلمة ونجا بها قبل أن يدركه الشهاب الثاقب، لينزل بها الشيطان إلى وليه من الكهنة والعرافين، فيزيد على الكلمة مائة كلمة.
حتى إذا كانت البعثة المحمدية، فوجئت الجنّ بأنَّ السماء قد حصنت تحصينًا لا عهد لهم به، وملئت بحرس شديد لا ينفذ منه أحد، يرميهم بالشهب فتسقط عليهم وتفتك بهم؛ فلم يعد هناك سبيل أي سبيل إلى استراق السمع، الَّذي كانوا يحاولونه من قبل، على ما كان فيه من مخاطرة.
هذا ما اعترف به مؤمنو الجنّ أنفسهم، كما حكى عنهم كتاب الله إذ قالوا:﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْءَانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا﴾[الجن: 8، 9].
أمَّا هذا الحرس ما هو؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ فلا نعرف عن ذلك شيئًا؛ لأن المصدر الفذ لهذه المعرفة هو الوحي المعصوم، من كتاب الله وسنة رسوله، فإذا لم يقولا لنا شيئًا عن ذلك، كففنا عن الخوض فيه، واكتفينا بما جاء به النص، ولو علم الله خيرًا لنا في الزيادة والتفصيل لزاد وفصَّل، وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث، وإضاعة للجهد والوقت، وشغل للعقل البشري بما ليس في طاقته، وليس من اختصاصه، وليس ممَّا يفيد العلم به شيئًا في عمل الإنسان ورسالته في الحياة.
هذا ما جاء في القرآن عن حفظ السماء من مردة الجنّ والشياطين.
أمَّا بنو الإنسان فلم يرد ما يمنع وصولهم إلى السماء ولا ما يفيد وصولهم إليها. فهذا من الشؤون الدنيوية الَّتي تركها الخالق للخلق، وتركها الوحي للعقل، لينظر فيها على ضوء مصلحته، وقد خاطب الله المكلفين بقول:﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾[يونس: 101]، ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ﴾[الأعراف: 185].
وليس من الحكمة أن نجزم بمنع شيء لم يأت في الدين نص قطعي يمنعه، وربَّما استطاع العلم غدًا أن يحقِّق هذا الشيء، الَّذي يحلم به علماء الفضاء. وهم الآن قد خطوا خطوات واسعة في هذا السبيل.
(1) كانت هذه الفتوى قبل صعود الأمريكان إلى القمر بعدة سنوات.