2026-06-16
63
خدمة الزوجة لضيوف زوجها
إذا مرضت الزوجة، وطلبت من زوجها أن يوقف الزيارات خلال فترة مرضها، فهل تلزم رغمًا عنها بتقديم القِرَى لضيوف زوجها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المشهور في المذاهب الأربعة أنَّها لا توجب على كلِّ زوجة مسلمة خدمة زوجها نفسه، إلَّا إذا قامت بذلك متبرِّعة من باب مكارم الأخلاق، وبعضها ـ كالمذهب الحنفي ـ يلزمها بهذه الخدمة ديانةً لا قضاءً؛ لأنَّ النبي ﷺ قسم الأعمال بين عليّ وفاطمة ^ ؛ فجعل على فاطمة أعمال الداخل، وعلى عليّ أعمال الخارج. وبعضها ـ كالمذهب المالكي ـ لا يلزم ذات القدر والشرف، إنَّما يلزم من سواها. قالوا: وليس يلزمها خدمة ضيوفه فيما يظهر.
ولو شكا زوج زوجته إلى المحكمة الشرعيَّة الملتزمة ببعض هذه المذاهب لم تجبر المرأة على خدمة الزوج.
فإذا كان هذا مقرَّرًا في شأن الزوج فأولى ألَّا تلزم المرأة بخدمة ضيوف زوجها، وتقديم القِرَى لهم، والأولى في حالة مرضها.
والمذهب الَّذي نطمئنُّ إليه ونفتي به هو وجوب عمل المرأة في البيت خدمةً لزوجها وأولادها، وهذا من المعاشرة بالمعروف، الَّتي أمر الله بها، ومن العدل في توزيع الحقوق والواجبات على الطرفين:﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ﴾[البقرة: 228].
فالرجل يعمل ويكدح خارج البيت ليعول أسرته، والمرأة تعمل داخل البيت لخدمة الأسرة. ويكفي أنَّ فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وسيدة نساء العالمين: كانت تخدم بيتها كنسًا وطحنًا وعجنًا.
وعلى كلِّ حال، فإنَّ المذاهب الَّتي أوجبت على المرأة خدمة زوجها، أو على بعض النساء: ديانةً أو قضاءً، لم توجب على المرأة خدمة ضيوف الزوج في حالة الصحَّة، فكيف يجب عليها في حالة المرض؟
وإذا كانت المرأة تعمل في الخارج، كما يعمل الرجل، فالعدل أن يعاونها الرجل بخادمةٍ تساعدها، أو بنفسه ما استطاع، ولا سيَّما إذا كانت أمًّا لأطفال.
ومن هنا لا ينبغي للرجل أن يثقل على زوجته بالضيوف، وخصوصًا في فترة مرضها؛ فقد اعتبر الشرع الإسلامي المرض ظرفًا مخفِّفًا في أحوال كثيرة؛ فأعفى المريض من الجهاد إذا وجب:﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ﴾[الفتح: 17].
ورخَّص للمريض في رمضان أن يفطر ويقضي الأيام الَّتي أفطرها بعد رمضان عندما تواتيه العافية:﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾[البقرة: 185].
وأجاز للمريض أن يصلِّي كيف استطاع قائمًا أو قاعدًا أو على جنبه. وطلب من الأئمَّة في صلاة الجماعة أن يخفِّفوا؛ فإنَّ وراءهم الضعيف والمريض وذا الحاجة(1).
وينبغي للمسلم الشرقي عامَّة والغربيِّ خاصة: أن يراعي ظروف زوجته الغربيَّة عمومًا، وأنَّها لم تتعوَّد في حياتها ولا في بيت أبيها استقبال الضيوف بهذه الكثرة، الَّتي تعوَّدها العرب وأمثالهم من الشعوب، كما أنَّ على المرأة الغربية الَّتي دخلت الإسلام أن تقدِّر ظروف زوجها وما نشأ عليه، وأنَّ من أخلاق الإسلام أن يكرم الرجل ضيفه: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه»(2).
(1) متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (704)، ومسلم في الصلاة (466)، عن أبي مسعود.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6018)، ومسلم في الإيمان (47)، عن أبي هريرة.