2026-06-13
953
كيفية قضاء الصلوات
ماذا عن قضاء الصلوات الَّتي فاتتني، هل أصلِّيها قبل الصلاة الحاضرة أو بعدها؟ إذا فاتت الإنسان صلاة العصر ـ مثلًا ـ هل يصلِّيها في يوم آخر مع صلاة العصر؟ أو يصلِّيها في اليوم نفسه قبل المغرب أو بعدها؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا يجوز أن تفوت الإنسان الصلاة إلَّا بعذر، وأعذار تأخير الصلاة عذران: النوم أو النسيان؛ أن يكون الإنسان متعبًا، فيغلبه النوم، فتفوته الصلاة، والنبيُّ ﷺ يقول: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتَّى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتَّى يحتلم، وعن المجنون حتَّى يعقل»(1). وقال ﷺ : «ليس في النَّوْم تفريط، إنَّما التفريط في اليقظة»(2). أي من نام عن صلاة حتَّى يدخل وقت أخرى، فلا تفريط عليه.
الأمر الثاني: النسيان، إذا شُغِل عن الصلاة ونسي. والله تعالى علَّمنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: 286]. وفي الحديث: «إنَّ اللهَ وضع عن أُمَّتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه»(3).
وليس هناك عذر للإنسان في ترك الصلاة؛ فالسفر ليس عذرًا لترك الصلاة، والله من رحمته خفَّف عن المسافر الصلاة الرباعيَّة، يصلِّي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، وأجاز له الجمع، فيجمع بين الظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء، تقديمًا أو تأخيرًا، فهذه رُخص مخفِّفة حتَّى لا يُضيِّع الصلاة.
والمرض ليس عذرًا لترك الصلاة، والنبي ﷺ قال لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإنْ لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ»(4). أي: ليس هناك عذر في ترك الصلاة، صلِّ قائمًا، فإن لم تقدر على الصلاة قائمًا صلِّ وأنت قاعد، فإن لم تقدر على الصلاة وأنت قاعد صلِّ بالإيماء وأنت على جنبك، إذا أجريت عمليَّة جراحية صلِّ على سريرك، وصلِّ كيف استطعت، إذا استطعت أن توجِّه السرير إلى القبلة صلِّ، وإذا لم تستطع أن توجِّهه إلى القبلة صلِّ حيثما كنت.
وكذا في السفر، إذا كنت في الطائرة، ولا تستطيع أن تتوجه إلى القبلة، فصلِّ في أيِّ اتجاه، وإذا كنت لا تستطيع أن تقف صلِّ على كرسيك في الطائرة، وصلِّ حيثما اتَّجهت بك الطائرة.
لا عذر لترك الصلاة أبدًا، حتَّى في الحرب، فالمسلم يصلِّي حتَّى في حالة الحرب والخوف، الله تعالى يقول:﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا﴾[البقرة: 238 ـ 239].
صلِّ راجلًا ـ أي: ماشيًا ـ وصلِّ راكبًا، تركب الفرس، أو تركب الدبابة، أو تركب المُصفَّحة، صلِّ كيفما استطعت، فالصلاة لا عذر في تركها، ليس هناك عذر أبدًا.
إن لم تجد الماء تيمَّم، وإن لم يكن شيء تتيمَّم به: صلِّ صلاة فاقد الطهورين، فالصلاة لا عذر في تركها.
وهما عذران فقط لتأخير الصلاة عن وقتها، إذا نام الإنسان أو نسي، وحينها عليه أن يصلِّي عندما يقوم من النوم إذا نام عنها، وعندما يذكر الصلاة إذا نسيها، فلو أنَّ إنسانًا نام عن صلاة الظهر، فلمَّا استيقظ وجد العصر قد أذَّن، في هذه الحالة عليه أن يصلِّي بمجرَّد قيامه من النوم، ولو نام عن صلاة الصبح حتَّى طلعت الشمس، فأوَّل ما يستيقظ عليه أن يؤدِّي الصلاة، لقول النبيِّ ﷺ : «من نسي صلاةً أو نام عنها، فلْيُصلِّها إذا ذكرها»(5).
لكن على الإنسان ألَّا يجعل دَيدنه وعادته أن يسهر طويلًا، ويضيع صلاة الصبح، كما يفعل الكثيرون في عصرنا، يسهر مع المسلسلات والأفلام والفضائيات، ولا يقوم إلَّا بعد طلوع الشمس، النبيُّ ﷺ حينما قيل له: فلان نام حتَّى أصبح. أي: طلع عليه الصباح وطلعت عليه الشمس، قال: «ذاك رجلٌ بال الشيطانُ في أذُنَيْه»(6).
كثير من النَّاس جعلوا من آذانهم وعاءً لبول الشياطين، ينامون حتَّى تضيع الصلاة!
من فاتته صلاة عليه أن يصليها في أوَّل فرصة، ولا يتركها لليوم التالي، وهذا كلُّه يدلُّنا على أهميَّة هذه الفريضة العظيمة، الَّتي يتهاون فيها الكثير من الناس، قد كان سلفنا الصالح يسمُّون الصلاة: الميزان، إذا أرادوا أن يسألوا عن الشخص أوَّل ما يسألون عن صلاته، كيف صلاته؟ هل يؤدِّيها؟ هل يؤدِّيها في جماعة؟ هل يحرص عليها؟ هل يخشع فيها؟
إذا جاء من يريد أن يتزوَّج ابنته، أو من يشاركه في تجارة، أو من يصحبه في سفر، أوَّل ما يسأل عنه: يسأل عن الصلاة؛ لأنَّها هي الميزان، نسأل الله أن يجعلنا ممَّن يقيمون الصلاة وهم فيها خاشعون، وعليها يحافظون.
(1) رواه أحمد (1183)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود (4403)، والترمذي (1423)، كلاهما في الحدود، وقال الترمذي: حسن غريب. عن علي بن أبي طالب.
(2) رواه مسلم في المساجد (681)، وأحمد (22600)، وأبو داود (441)، عن أبي قتادة.
(3) رواه ابن ماجه في الطلاق (2045)، وابن حبان (7219)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري. والطبراني في الأوسط (2137)، والحاكم في الطلاق (2/198): وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1664)، عن ابن عباس.
(4) سبق تخريجه صـ 199.
(5) رواه مسلم في المساجد (684)، وأحمد (11972)، عن أنس.
(6) متَّفَق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (3270)، ومسلم في صلاة المسافرين (774)، عن عبد الله بن مسعود.