2026-06-13
929
بعض أخطاء المصلين يوم الجمعة
نرجو أن تبيِّنوا لنا أهمَّ الأخطاء الَّتي يرتكبها المسلمون في صلاة الجمعة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هناك ناسٌ يرتكبون بعض الأخطاء بالنسبة ليوم الجمعة، من ذلك الذهاب متأخرين للصلاة، ومن ذلك تخطِّي الرقاب، وهذا ناشئ عن خطأ آخر، أن بعضهم يذهبون مبكِّرين يجلسون في الصفوف المتأخرة، مع أنَّ الأولى بالمسلم أن يحرص على الصفوف المتقدمة، وبخاصَّة الصف الأول، فالنبي ﷺ يقول: «لو يعلم النَّاس ما في النداء والصف الأوَّل، ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا»(1). أي لاقترعوا فيما بينهم من يجلس في الصف الأول، فيأتي البعض مبكرًا ولكنَّه يترك الصف الأوَّل ويذهب للصفوف الخلفية، فينبغي أن يُملأ الصف الأوَّل فالأول، المتقدم فالمتقدم، حتَّى لا يعرِّض النَّاس لتخطي الرقاب.
ومن الأخطاء أيضًا أن بعض النَّاس يذهبون بثياب المِهنة، وبملابس العمل، وهذا لا ينبغي، فقد شرع الإسلام في يوم الجمعة الغسل، وهو سُنَّة مؤكدة، بل ذهب بعض العلماء إلى أنَّه واجب؛ لأنَّه قد ورد في بعض الأحاديث أنَّه واجب، يقول النبيّ ﷺ : «غُسْلُ يومِ الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلِم»(2). فأخذ بعض الفقهاء بظاهر الحديث، وقالوا: إنَّ غسل الجمعة واجب. والجمهور قالوا: إنَّه سُنَّة مؤكَّدة، تكاد تقارب الوجوب. وهذا حتَّى يذهب المسلم للجمعة وجسمه نظيف.
وممَّا ينبغي أيضًا على من يذهب إلى الجمعة أن يلبس أفضل ما عنده، والنبيُّ ﷺ كان عنده ثوب لصلاة الجمعة وصلاة العيدين ولمقابلة الوفود، وقال: «ما على أحدِكم إن وجد أن يتَّخذ ثوبَيْن ليومِ الجمعة سوى ثوبيْ مهنته؟»(3). بخلاف الَّذي يذهب بثيابه وعليها الزيوت والشُّحوم، ويقول: الإسلام دين التواضع والمساواة.
الإسلام دين التواضع نعم، ولكنَّه أيضًا دين النظافة والنظام وحُسن الهيئة، قال تعالى:﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ﴾[الأعراف: 31]. وهذا في الصلاة العاديَّة، فما بالك بصلاة الجمعة؟
كان الحسن البصري رحمه الله تعاليإذا أراد الذهاب للصلاة وقف وتجمَّل وتزيَّن ووقف أمام المرآة، فقيل له: ماذا تفعل؟ قال: أتزيَّن لربِّي، أنتم إذا قابلتم ملوككم وأمراءكم تزيَّنتم لهم، وأنا أتزيَّن لربِّي. قيل له: من أين لك هذا؟ قال: ألم تقرؤوا قول الله تعالى:﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ﴾؟!
فإن كان هذا حاله في الصلوات الخمس، فالجمعة ـ وهي بمنزلة العيد الأسبوعي ـ ينبغي للمسلم أن يتجمَّل لها، ويغتسل، ويلبس الثياب النظيفة، ويتطيَّب، لتكون رائحته جميلة، ولا يؤذي أحدًا، ولذلك نهى النبيّ ﷺ عن أيِّ رائحة تؤذي، كرائحة الثُّوم أو البصل أو الكراث، قال النبيُّ ﷺ : «من أكل ثُومًا أو بصلًا فليعتزلْنا»(4). وذلك حتَّى لا يؤذي الآخرين براحته، ويكون النَّاس في اجتماعهم مطمئنِّين مستريحين مستأنسين، لا يصدر من أحدٍ منهم ما يعكِّر صفو صاحبه.
كذلك أرى بعض النَّاس يذهبون إلى المساجد في مثل هذه المناسبة بملابس النوم (البيجامة)، هذا لا يليق إطلاقًا، لو جاءك ضيف إلى بيتك تستحي أن تلقاه بمثل هذا، فكيف تذهب لمثل هذا العيد الأسبوعي وأنت تلبس مثل هذه الملابس؟! لا بدَّ أن تلبس وتتجمل، وتظهر بأحسن المظاهر، غير المسلمين يذهبون إلى دور عبادتهم بأحسن ما عندهم، وليس عندهم ما عندنا من النصوص الَّتي تحثُّ وترغِّب، وتغري وتأمر، وتحذِّر من كلِّ مظهرٍ غير لائق، فنحن أولى بهذا، وديننا دين النظافة، ودين الجمال، «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال»(5).
ولذلك يجب أن نرعى هذه الأشياء في يوم الجمعة، حتَّى يكون يومًا طيِّبًا.
ومن الأخطاء الَّتي قد تحدَّث، أن نرى بعض النَّاس يجلسون يحدِّث أحدهم صاحبه والإمام يخطب، وهذا لا يجوز، حتَّى وإن كان لا يفهم الخطبة، أو لا يسمعها، إنَّما يجب الصمت، وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من أي كلام أثناء الخطبة، والحديث المعروف: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة: أنصتْ! والإمام يخطب، فقد لغوت»(6). حتَّى مجرّد كلمة: أنصت، لا تقُلها.
هناك أيضًا شيء بعض النَّاس يغفلون عنه في يوم الجمعة، وهو صلاة ركعتين بعد الجمعة، بعض النَّاس بمجرَّد ما يسلِّم الإمام ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، يأخذ نعليه وينصرف، لا، هناك أذكار الصلاة، تسبّح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمده ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره ثلاثًا وثلاثين، وتختم المائة بلا إلٰه إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كلِّ شيءٍ قدير. وبعد ذلك تصلِّي ركعتين، أو أربع ركعات، وكثير من النَّاس يغفلون عن هذه السُّنَّة. هم يحرصون على صلاة ركعتين قبل الجمعة غير تحية المسجد، مع أنَّ هاتين الركعتين لم تصح بهما سنة، بينما ما صحت به السُّنَّة، ودعت إليه، ورغَّبت فيه، هو تحية المسجد وصلاة ركعتين أو أربع بعد الجمعة، كثير من النَّاس يتركون ذلك.
كذلك من الأخطاء الَّتي ترتكب يوم الجمعة أن يصلي البعض صلاة الظهر احتياطًا بعد الجمعة، وهذا أمر لا أصل له، ومعنى الاحتياط أنَّه يشكُّ في صلاته، ولماذا يشك في صلاته؟ وقد فرض علينا ربنا خمس صلوات في اليوم والليلة، والجمعة بدل الظهر، فلا يمكن أن نجعلها ستَّ صلوات أبدًا، ولم يرِد أنَّ صحابيًّا أو تابعيًّا أو أحدًا من أهل القرون الأولى صلَّى الظهر بعد الجمعة، إنَّما كانوا يصلون السُّنَّة ـ كما بيَّنَّا ـ ركعتين أو أربعًا، ولا ينبغي أبدًا أن يصلِّي أحد الظهر بعد الجمعة.
(1) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الأذان (615)، ومسلم في الصلاة (437)، عن أبي هريرة.
(2) متَّفَق عليه: رواه البخاري (879)، ومسلم (846)، كلاهما في الجمعة، عن أبي سعيد الخدري.
(3) رواه أبو داود في الصلاة (1078)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1096)، وابن خزيمة في صحيحه (1765)، وصححه الألباني في غاية المرام (67)، عن يحيى بن حبان.
(4) متَّفَق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (5452)، ومسلم في المساجد (564)، عن جابر بن عبد الله.
(5) رواه مسلم في الإيمان (91)، وأحمد (3789)، عن ابن مسعود.
(6) متَّفَق عليه: رواه البخاري (934)، ومسلم (851)، كلاهما في الجمعة، عن أبي هريرة.