2026-06-13
945
صلاة الخوف
أرجو التكرُّم بتسليط الضوء على صلاة الخوف وكيفيتها.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
صلاة الخوف ذُكرت في القرآن الكريم في موضعين، حيث قال الله تعالى:﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 238، 239].
فالمحافظة على الصلوات بأركانها وركوعها وسجودها، وقبلتها وشروطها كلِّها، هذا أمرٌ واجب؛ إلَّا في حالة الخوف. وفي حالة الخوف إذا اشتدَّ، فإذا جاء الخوف كحالة الحرب، حيث يواجه المسلمون العدوَّ، وهم في الصفوف، والحرب مستعرة الأوار، والسيوف تنطق؛ حيث الألسنة تصمت، في هذه الحال، هل تسقط الصلاة عن المسلم المقاتل؟ لا، لا تسقط الصلاة؛ وإنَّما يصلي حيث استطاع، راجلًا أو راكبًا، ماشيًا على رجليه أو راكبًا فرسه، أو دبابته أو مصفحته، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا﴾، أي صلُّوا كيف استطعتم، لو كنتم تقاتلون بالسيوف، صلُّوا بالإيماء، إشارةً بالرأس أو بالحواجب؛ وأدُّوا أعمال الصلاة وأقوالها باللسان إن استطعتم، أو استحضروها في قلوبكم ولا تتركوا الصلاة.
ممكن أن تجمع بعض الصلوات، كالظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، تقديمًا أو تأخيرًا، ولكن لا يؤجل أكثر من صلاتين، ولا يجمع بين وقتين غير الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؛ فهذه صلاة الخوف في حال شدة الخوف.
وهناك صلاة أخرى إذا كان الخوف أقل من ذلك، يصلُّون جماعة خلف إمامٍ واحدٍ حرصًا على صلاة الجماعة ووحدتها وأهميتها، وهذا ما جاء في سورة النساء حيث قال الله تعالى مخاطبًا رسوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّـهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾[النساء: 102]. جاء القرآن الكريم بهذه الصورة من صور صلاة الخوف: أن تصلِّي جماعة مع الإمام، وجماعة يواجهون العدوَّ، فإذا صلَّى الإمام نصف الصلاة انقلب أولئك فذهبوا مكان هؤلاء، وجاء الآخرون ليصلُّوا مع الإمام ركعة، ويكملوا بعد ذلك، ويكمل الآخرون في موضعهم، وهناك صور أخرى، وردت في صلاة الخوف.
المهمُّ أنَّ صلاة الخوف في هذه الصورة هي أن يبقى المصلون حريصين على صلاة الجماعة مع الإمام، ولا يتركوها، حتَّى مع حالة الحرب، وحالة الخوف، فالصلاة ليست شيئًا مُعَوِّقًا ولا معطِّلًا، وإنَّما هي شحنة روحيَّة للمحارب تمدُّه برُوح القوَّة وبقوَّة الروح ومدد لعزيمته، يستطيع بها أن يجابه الأعداء، وأن يقف فيثبت كالليث، ويرسخ كالجبل الأشمِّ، فلا يتزعزع، ولا يتزلزل.
هذه هي صلاة الخوف، ومنها نأخذ درسَيْن أو عبرتَيْن بالغتين:
العبرة الأولى: هي الحرص على الصلاة في أيِّ موضعٍ وعلى أيِّ حال.
والعبرة الثانية: هي الحرص على صلاة الجماعة ووحدتها؛ فإنَّ الإسلام، وإنَّ القرآن قد أباح التنقل وقسمة الصلاة بين طائفتين، وذهاب هؤلاء ومجيء أولئك، وأخذ الأسلحة ووضع الأسلحة، إلى غير ذلك من التفصيلات، كلُّ هذا لتبقى صلاة الجماعة وراء إمامٍ واحدٍ، ويبقى هذا الشعار الإسلامي (الجماعة):﴿وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾[البقرة: 43].
هاتان هما العبرتان اللتان نستفيدهما من صلاة الخوف، كما شرعها الإسلام.