2026-06-13
1,053
أنواع النُّسُك في الحجِّ، وأيُّها أفضل؟
ما معنى الإفراد، والقران، والتمتُّع في الحجِّ؟ وأيُّهم أفضل؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحاجُّ إمَّا أن يتمتَّع بالعمرة إلى الحجِّ، وإمَّا أن يُفْرِد الحجَّ، وإمَّا أن يَقرن بين الحجِّ والعمرة.
والتمتُّع: أن ينوي العمرة أولًا، فيقول في الميقات بعد أن يلبس الإحرام: لبَّيْكَ اللهمَّ عمرة. ويؤدِّي أعمال العمرة، ثمَّ يتحلَّل من إحرامه، وينتظر إلى يوم التَّرْوية (يوم 8 من ذي الحجَّة)، فيحرم من مكَّة بالحجِّ.
وأعمال العمرة هي: الإحرام من الميقات، والطواف بالبيت سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا، ثمَّ يحلق أو يقصِّر، ويكون بذلك قد أنهى أعمال العمرة، ولذلك تُسْمَّى الحجَّ الأصغر، فهي حجٌّ بلا وقوف بعرفة، ولا مبيت بمِنى، ولا جمرات.
فالإنسان إذا اعتمر أولًا، ثمَّ تحلَّل إلى أيام الحجِّ، فيُسمَّى: متمتِّعًا، ويكون عليه في مقابل هذه المتعة ما استيسر من الهدي لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ﴾[البقرة: 196]، يذبح شاة، أو يشترك في بقرة أو بدنة مع غيره، وتجزئ الواحدة عن سبعة. وإن لم يقدر على ذلك فعليه أن يصوم عشرة أيام: ثلاثة في الحجِّ، وسبعة إذا رجع.
وأمَّا الإفراد فهو أن ينوي الحجَّ مفردًا فقط، يقول بعد أن يلبس الإحرام في الميقات: لبَّيْكَ اللهمَّ حجًّا. أي: يريد الحجَّ فقط.
وهذا الحجُّ يحسُن بمن ذهب إلى الأرض المقدَّسة من الأيام الأخيرة من عشر ذي الحجَّة، فلو أنَّ إنسانًا ذهب في اليوم السادس أو السابع أو الثامن من ذي الحجَّة، نقول له في هذه الحالة: أفرد. فلم يعد وقت للتمتُّع، خاصَّة إذا كان فقيرًا يريد أن يقلِّل من النفقات، ولا يذبح الهدي، فيُفرد في هذه الحالة، وينوي الحجَّ فقط، ويؤدِّي أعمال الحجِّ، ويمكن أن يأتي بالعمرة بعد الحجِّ.
أمَّا القران فهو: أن ينوي الحجَّ والعمرة معًا، فيلبي من الميقات بعد إحرامه قائلًا: لبَّيْكَ حجَّة وعمرة. ويكون طوافه الَّذي يطوفه للحجِّ والعمرة، والسعي الَّذي يسعاه بين الصفا والمروة للحجِّ والعمرة، غاية ما في الأمر أن طوافه يكون يوم العيد أو في أيام التشريق، وسعيه يكون أيضًا في ذلك الحين، فسعي المتمتِّع بالعمرة إلى الحجِّ يكون أوَّل ما يذهب إلى «البيت الحرام»، وقبل أن يخرج إلى عرفات، أمَّا سعي القارن فيكون مع الطواف بعد رمي جمرة العقبة، وفي هذه الحالة يكتب له حجٌّ وعمرة، والقارن أيضًا عليه دم، عليه ما استيسر من الهدي.
أفضل الأحوال لقاصد النسك:
أمَّا عن سؤال السائلة: أيُّ هذه الأنواع أفضل؟ فالأئمَّة اختلفوا في هذا، ولكنَّ الراجح أنَّ أفضلها: التمتُّع؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حثَّ عليه أصحابه، وأمرهم أن يتمتَّعوا، يحِلُّوا من إحرامهم ويتمتَّعوا، فعن عطاء قال: حدَّثني جابر بن عبد الله ^ : أنَّه حجَّ مع النبيِّ ﷺ يومَ ساق البُدْن معه، وقد أهلُّوا بالحج مفردًا، فقال لهم: «أَحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثمَّ أقيموا حَلَالًا، حتَّى إذا كان يوم التروية فأَهِلُّوا بالحجِّ، واجعلوا الَّتي قدمتم بها متعة». فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمَّيْنا الحجَّ؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم، فلولا أنِّي سُقْتُ الهديَ لفعلتُ مثل الَّذي أمرتكم، ولكن لا يحلُّ منِّي حرامٌ حتَّى يبلغ الهدي مَحِلَّه»(1). وقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهديَ، ولحَلَلْتُ مع النَّاس حين حلُّوا»(2). فهذا يدلُّ على أنَّ التمتُّع أفضل.
والتمتُّع فيه تيسير على الحاجِّ، والنبيُّ ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا(3)، ففي التمتُّع يظلُّ المسلم حلالاً فترة من الزمن، يستطيع أن يتصرَّف فيها كما يشاء، بدون محظورات الإحرام، كما أنَّ فيه مخالفةً للجاهليَّة، فقد كان أهل الجاهليَّة يقولون: إنَّ العمرة في أشهر الحجِّ لا تجوز. فالنبيُّ ﷺ أمر بمخالفتهم في هذا. فالتمتُّع هو أفضل النُّسُك.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري (1568)، ومسلم (1216)، كلاهما في الحج، عن جابر بن عبد الله.
(2) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التمني (7229)، ومسلم في الحج (1211)، عن عائشة.
(3) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الأدب (6126)، ومسلم في الفضائل (2327)، عن عائشة.