2026-06-13
1,039
سفر النساء بدون محرم
هل يجوز للحريم «النساء» أن يحرمن بعضهن مع بعض، ويسافرن لأداء الحج أو العمرة بدون وجود رجال معهن؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الأصل في المرأة أنَّها لا تسافر أي سفر إلَّا مع زوج أو محرم.. هكذا جاءت الأحاديث عنِ النبيِّ ﷺ : «لا تسافر امرأةٌ مسيرةَ يومٍ إلَّا ومعها مَحْرَم»(1) أو «مسيرة يومين» أو «مسيرة ثلاثة»(2) إلخ.
ولكن هناك عدد من الأئمَّة الفقهاء استثنوا أسفار الطاعة، وبعضهم طردها في كل الأسفار، قال: إذا كانت المرأة مع نسوة ثقات، من النساء كبيرات السن والمحافظات، فهي مع مجموعة من النساء الثقات، وأصبحت محمية بهذه المجموعة، حتَّى إنَّ بعضهم قال: يكفي أن تكون مع امرأة ثقة وحدها.
بل قال بعضهم: ليس شرطًا أن تكون مع امرأة، المهم الأمن والاطمئنان؛ لأنَّ هذه الأحكام معلَّلة، ومعروف أنَّ أحكام المعاملات في الشرع معللة كما قال الإمام الشاطبي: إنَّ الأصل في العبادات التعبد، وفي العاديات والمعاملات النظر إلى المقاصد والمعاني(3). فالأسفار من العاديات والمعاملات؛ فالقصد من المحرم حماية المرأة وخصوصًا في الزمن الماضي؛ حيث كانت الأسفار في البراري والقفار، وعلى الجمال والدواب، والمرأة تتعرَّض للمهالك والأخطار، وقد تتعرَّض أيضًا للقيل والقال، يعني أنَّ النَّاس يقولون لك: ظلت شهرين مسافرة وحدها؛ هل يعرف ماذا عملت؟! حتَّى تصبح سمعتها مضغة في الأفواه، فالإسلام أراد أن يحميها.
الآن في عصرنا تغيَّر هذا الوضع، لم يعد السفر في البراري، ولم تعد المرأة تركب جملًا، هي إما أن تخرج في باخرة فيها آلاف الركاب، أو في قافلة من السيارات، أو في طائرة فيها مئات الركاب، هنا الأمن متحقق، حتَّى إنَّ الإمام ابن حزم وهو رجل ظاهري يتمسك بحرفية النصوص أجاز للمرأة أن تسافر وحدها عند الأمن، واستدلَّ بحديث عدي بن حاتم وغيره من الأحاديث، الَّتي ذكرت أنَّ المرأةَ الظَّعِينة تخرج من الحِيرة في العراق، تطوف بالبيتِ لا تخاف إلَّا الله(4)، الظعينةُ أي المسافرة الَّتي تركب الهودج، وقد ذكر الحديث: أن ليس معها أحد «لا تخاف إلَّا الله»، وهذا ذكره الرسول في مدح الإسلام وانتشاره، وارتفاع رايته، وسيادة الأمن في الحياة.
فلذلك أنا أقول: إذا كان هناك أمن وطمأنينة؛ وهي مع مجموعة مسافرة من النساء كما يحدث عادة: لا حرج في ذلك، فقد قال بذلك بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وعدد من الأئمَّة.
وأضيف هنا قاعدتين جليلتين:
الأولى: أنَّ الأصل في أحكام العادات والمعاملات الالتفات إلى المعاني والمقاصد؛ بخلاف أحكام العبادات، فإنَّ الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد، كما قرَّر ذلك الإمام الشاطبي ووضَّحه واستدل له.
الثانية: إنَّ ما حرم لذاته لا يُباح إلَّا للضرورة، أمَّا ما حرم لسد ذريعة فيباح للحاجة، ولا ريب أنَّ سفر المرأة بغير محرم ممَّا حرم سدًّا للذريعة، ولهذا يباح للحاجة، فلو كانت المرأة في حاجة إلى إسقاط الفرض عنها، فهي حاجة معتبرة.
كما يجب أن نضيف أنَّ السفر في عصرنا، لم يعد كالسفر في الأزمنة الماضية، محفوفًا بالمخاطر لما فيه من اجتياز الفلوات، والتعرض للُّصوص وقطَّاع الطرق وغيرهم.
بل أصبح السفر بوساطة أدوات نقل تجمع العدد الكثير من النَّاس في العادة، كالبواخر والطائرات، والسيارات الكبيرة، أو الصغيرة الَّتي تخرج في قوافل، وهذا يجعل الثقة موفورة، ويطرد من الأنفس الخوف على المرأة؛ لأنَّها لن تكون وحدها في موطن من المواطن.
ولهذا لا حرج أن تحج مع توافر هذا الجو، الَّذي يوحي بكل اطمئنان وأمان.
(1) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (1088)، ومسلم في الحج (1339)، عن أبي هريرة.
(2) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في جزاء الصيد (1864)، ومسلم في الحج (1340)، عن أبي سعيد الخدري.
(3) الموافقات (2/300)، تحقيق الشيخ عبد الله دراز، نشر دار المعرفة، بيروت.
(4) رواه البخاري في المناقب (3595)، وأحمد (18260)، والترمذي في التفسير (2953)، عن عدي بن حاتم.