2026-06-13
921
صلاة الأسير أو السجين
كيف يصلِّي الأسير أو السجين في فترة التحقيق معه، وهو مقيد اليدين والرجلين، ومثبَّت بالحائط، ورأسه مغطى بكيس، وعلى غير طهارة من الحدثين، بل ربَّما حرم من قضاء الحاجة بالطريقة المعتادة عدة أيام، وهو على هذه الحالة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نسأل الله تعالى لإخواننا الأسارى والمسجونين أن يفكَّ بفضله أسرهم، ويجبر برحمته كسرهم، ويتولى بعنايته أمرهم، ونقول جوابًا عن السؤال:
الصلاة واجبة على المسلم في كل حال: في الصحة والمرض، في العافية والبلاء، في الحضر والسفر، في السلم والحرب، ولا عذر لترك الصلاة بحالٍ من الأحوال ما دام المسلم واعيًا.
قال تعالى:﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 238، 239].
فأشارت الآية أنَّ المسلم يصلِّي في حالة الخوف: أي عند اصطلاء الحرب وقيام القتال بالفعل؛ راجلًا (ماشيًا) أو راكبًا، كيف استطاع؛ أي: يصلِّي في مصفَّحته أو دبابته أو طائرته؛ حسب استطاعته.
وقال ﷺ لعِمْرَان بن حُصَيْن: «صَلِّ قائمًا؛ فإنْ لم تستطعْ فقاعدًا، فإنْ لم تستطعْ فعلى جنبٍ»(1).
وقال تعالى:﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: 16].
وقال الرسول الكريم: «إذا أمرتكم بأمرٍ، فأْتوا منه ما استطعتم»(2).
وقال تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة: 286].
ومن المقرر المعلوم في دائرة الفقه الإسلامي: أنَّ الشروط المطلوبة لصحة الصلاة، مثل الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، واستقبال القبلة، وستر العورة وغيرها من شروط الصحة، تسقط عند العجز.. ومثلها الأركان مثل: القيام والركوع والسجود وغيرها، فمن فقد الطهارة بالماء وقدر على التيمم: صلَّى بالتيمم، وأغناه عن الوضوء وعن الغسل جميعًا.
ومن كان لا يستطيع التيمم كما في الحالة المسؤول عنها، سمَّاه الفقهاء «فاقد الطهورين» أي الماء والتيمم، فهو يصلِّي بدونهما ولا حرج. قال العلامة ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» معلِّقًا على حديث: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم»: فيه دليل على أنَّ من عجز عن فعل المأمور به كله، وقدر على بعضه، فإنَّه يأتي بما أمكنه منه»(3).
ومن عجز عن استقبال القبلة، مثل هذا السجين المثبت بالحائط، ولا يستطيع التوجه إلى القبلة، صلَّى كيف استطاع.
ومن عجز عن الصلاة قائمًا أو قاعدًا، بركوع وسجود، صلَّى بالإيماء، مشيرًا برأسه أو بحاجبه كيف استطاع، وهذا فرضه، ولا يكلِّفه الله غيره. قال تعالى:﴿هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ﴾[الحج: 78].
فينبغي للمسلم ـ وهو في كربه هذا ـ أن يعتصم بالله، ويستعين بالصلاة، كما يستعين بالصبر، فهما عدَّته في معركته مع أعداء الله، كما قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[البقرة: 153].
ولا عذر لترك الصلاة إلَّا في حالة «الغيبوبة» الَّتي يفقد الإنسان فيها الوعي، ويسقط عنه التكليف، ويرفع عنه القلم. والله أعلم.
(1) رواه البخاري في الجمعة (1117).
(2) سبق تخريجه صـ 296.
(3) جامع العلوم والحكم (1/256)، تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 7، 1422هـ ـ 2001م.