2026-06-13
45
رفع اليدين في القنوت، ومسح الوجه بهما بعده
بعض النَّاس يمسحون بأيديهم على وجوههم في دعاء القنوت في الفجر، وفي ركعة الوتر، فما حكم ذلك؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
قبل الحديث عن مسح الوجه بعد القنوت في الصلاة، ينبغي أولًا بيان حكم مرتبط به، وهو رفع اليدين في قنوت الصلاة، سواء أكان قنوت الفجر عند من يرى مشروعيته، أم قنوت الوتر، أم القنوت في الصلوات للنوازل الَّتي تنزل بالأمة، ورفع اليدين في القنوت قد اختلف فيه العلماء، فبعضهم قاسه على الدعاء خارج الصلاة، فقال: يرفع يديه؛ لأنَّه دعاء. ورجَّحه البيهقي، واستشهد له بحديث أنس في قصَّة القُرَّاء وقتلهم، قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ كلَّما صلَّى الغداة (الفجر) يرفع يديه يدعو عليهم، يعني على الَّذين قتلوهم(1). واستشهد أيضًا بما رُوِي عن عدد من الصحابة أنَّه فعل ذلك(2). وهو الَّذي أراه لحديث أنس وفعل الصحابة. وبعضهم منع منه؛ لأنَّه قاسه على الدعاء في الصلاة، كدعاء الاستفتاح والسجود والتشهد وغيرها، فقال بعدم رفع اليدين.
أمَّا مسح الوجه بعد الدعاء مطلقًا في غير الصلاة، فقد ورد فيه أحاديث فيها ضعف، منها: ما رواه أبو داود في سننه: عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عبَّاس ^ : أنَّ رسول الله ﷺ قال: «سلوا الله ببطون كفوفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهَكم». قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، هذا أمثلها، وهو ضعيف أيضًا(3).
ومنها حديث عمر 3 عند الترمذي: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتَّى يمسح بهما وجهه. رواه الترمذي وقال: حديث غريب، انفرد به حمَّاد بن عيسى(4). وحمَّاد هذا ضعيف.
وهذه الأحاديث حسَّنها جماعة من أهل العلم بمجموع طرقها، منهم الحافظ ابن حجر(5)، ولهذا رأى بعض العلماء مسح الوجه بعد الدعاء. وقال الآخرون: العبادات الأصل فيها التوقيف، فإذا لم يرد نصٌّ صحيح، فلا يؤخذ به، فالحديث الضعيف لا يُثبِت حكم الاستحباب؛ لأنَّ الاستحباب حكم شرعي، فالحكم الشرعي يحتاج إلى نصٍّ ثابت، وما دام الحديث لم يثبت فلا يعمل به، فلا يمسحون وجوههم بأيديهم.
أمَّا مسح الوجه بعد قنوت الصلاة، فمن قال بعدم رفع اليدين، قال بعدم المسح، ومن قال برفع اليدين ـ وهو الأقوى دليلًا كما ذكرنا ـ فقد اختلفوا في مسح الوجه، والَّذي أميل إليه أن ترك مسح الوجه في الدعاء في الصلاة وغيرها أولى، لضعف الدليل، ومن مسح فلا حرج، والأمر يسيرٌ، والخلاف فيه معتبَر.
(1) مُتَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المغازي (4088)، ومسلم في المساجد (677)، عن أنس.
(2) روى البيهقي في الصلاة (2/212)، عن أبي عثمان النهدي قال: كنا نجيء وعمر يؤم الناس، ثم يقنت بنا بعد الركوع ويرفع يديه.
(3) رواه أبو داود في الصلاة (1485)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (262).
(4) رواه الترمذي في الدعوات (3386)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4412).
(5) قال ابن حجر في بلوغ المرام (1567، 1568) بعد أن ذكر الحديثين السابقين: ومجموعها يقتضي أنَّه حديث حسن.