2026-06-14
39
حكم زواج الفتاة بدون موافقة أهلها
كاتبة الرسالة كانت تحبُّ شخصًا منذ خمس سنوات، تقدَّم لها، فلم يوافق أهلها على زواجه منها، فنصحته بالابتعاد عنها، فابتعد، وتزوَّج غيرها، وزوجته حامل الآن، لكنَّه عاود الاتصال بها من جديد، واتصلت زوجته بها، فعاد الحب القديم لأصله، وطلب منها الزواج من جديد، وعرفت من زوجته أنَّها موافقة، لكن الأخت متردِّدة، وتريد من فضيلتكم النصيحة.
(ف. أ)
من الدمام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
نصيحتي للأخت السائلة أن تحكِّم العقل والمنطق والمصلحة في هذه العلاقة، فإنَّ قيام أسرة في الإسلام وقيام رابطة زوجيَّة أمر له أهميته في شرع الله، ولهذا أمر الإسلام أن يكون الزواج بالرضا والموافقة من الأطراف المعنيَّة به، حتَّى لا يضطرب كيان الأسرة، ولا تهب عليها العواصف، فتأتي على بنيانها من القواعد، ومن هنا اشتُرط أن يؤخذ رأي الفتاة، حتَّى وإن كانت بكرًا، ولو كانت موافقتها بالصمت، والصمت أو السكوت رضًا، قال رسول الله ﷺ : «الثَّيِّب أحقُّ بنفسها من وليِّها، والبكرُ يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنُها صُماتها»(1). ولا بدَّ أن يوافق الولي، كما في الحديث: «أيَّما امرأةٍ نَكَحَتْ بغير إذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، باطلٌ، باطلٌ»(2). ويرشد النبيُّ ﷺ إلى أن تُستشار الأمُّ في أمر ابنتها، كما جاء في الحديث: «آمِرُوا النساء في بناتهنَّ»(3). كلُّ هذا لتقوم الحياة الزوجيَّة على التوافق والانسجام.
ولهذا فالزواج الَّذي يقوم على مجرَّد العاطفة بين الفتى والفتاة، دون موافقة الأهل والأسرة: لا يكون زواجًا سعيدًا، وسيسبِّب مشكلات لا تنتهي.
وإذا كانت ابنتنا السائلة قد ابتعدت عن هذا الشخص أول الأمر حين وجدت أهلها غير موافقين، فكيف توافق الآن بعد أن ازدادت الأمور تعقيدًا؟! الرجل تزوج، وزوجته حامل، فالأمر أصبح معقَّدًا، والأهل الَّذين رفضوا الرجل وهو خالٍ كيف يقبلونه الآن وهو متزوج، وزوجته في الطريق إلى أن تنجب؟ كل هذا يجعل الأمور غير ميسرة، والطريق شائكًا.
ولهذا أنا أنصح هذه الأخت بأنَّه لا ينبغي أن تُقْدِم على ما تقوله من التضحية بأهلها، وإرضاء هذا الشخص الَّذي يُلِحُّ عليها، وأنا أنصحه أن يتَّقي الله، ويرضى بالواقع الَّذي هو فيه، وبما قدَّره الله له، وبامرأته الَّتي معه، وحملت منه، فليبتعد عن الفتاة، والابتعاد سيحلُّ المشكلة، وهذه العواطف لا شكَّ أنَّها في بعض الأحيان تكون متوهَّجة، ولكن إذا تركها الإنسان فترةً من الزمن سرعان ما تبرد وتخفُّ حدَّتُها، وتنطفئ جمرتها، وهذا شيء جرَّبه النَّاس من قديم، وقالوا: «البعيد عن العين بعيدٌ عن القلب». وكما قال شوقي 5 :
اختلافُ النَّهارِ والليلِ يُنْسي(4)
فالزمن جزء من العلاج، يُنسي هذه الأمور، ويُبرد حرارتها، ولذلك يحسن في هذه الحالة ألَّا يحصل اتصال لا بالتليفون ولا بالرسائل ولا بشيء من هذا، والله تعالى يعوِّضها عنه خيرًا.
اتصالات الشباب بالفتيات دون علم الأهل:
ونأخذ من هذا نصيحة، وهي أنَّ الاتصالات الَّتي تتمُّ عادة بين الشبَّان والشابَّات من خلف ظهر الأهل والأسرة تسبِّب مشكلات كثيرة، وتوقع أصحابها في مضايق وحرج كثير جدًّا، تسمع الفتاة لفتى، أو تقابله بالصدفة، فتنشأ علاقة عاطفية بينها وبينه، وبعد ذلك يأتي ليتقدم لأهلها، فتكون هناك حوائل تحول بينهما وبين الزواج: حوائل اجتماعيَّة، أو حوائل ماليَّة، فتصير العلاقة القديمة هذه بلوى عليهما، فلماذا نفعل هذا؟ لماذا نتورط في مثل هذه الأمور؟ لماذا نصدِّق ما يحدث في الروايات والتمثيليات والأفلام، ونحاول تطبيقه؟
التمثيليَّات والأفلام ـ في الحقيقة ـ لها تأثيرها على الأولاد والبنات، فهم يحاولون أن يطبقوا ما يسمعون وما يرون فيها!
أمَّا الأخت السائلة، فالأولى أن تبتعد عن هذا الرجل، وإن استطاعت أن تقنع أهلها، فربَّما العمليَّة تكون أقل مخاطر، أمَّا وأهلها قد رفضوه في أول الأمر، فأنا أستبعد كثيرًا أن يوافقوا ثانية، وكونها تضحِّي بهم لا يجوز، فجمهور الأئمَّة يشترطون رضا الولي، ولا يمكن أن يعقد عقد إلّا برضا الولي، وخاصَّة في المملكة العربية السعوديَّة؛ لأنَّ المذهب السائد هو مذهب الإمام أحمد، وهو يشترط إذن الوليِّ وموافقته لا محالة، فلا يعقد عقد بدون هذا.
فنصيحتي أن تبتعدي عن هذا الرجل المتزوِّج، وتدعي هذه الإنسانة الطيِّبة تعيش حياتها مع زوجها، خاصَّة أنَّها وقفت موقفًا كريمًا غير منتظر من امرأة، فقلَّما نجد امرأة ترضى أن يتزوَّج عليها زوجها، لكنَّها إشفاقًا عليه، لما رأته من تعلقه بغيرها، وافقت، وهذا أمر نادر جدًّا، فهذا الموقف الكريم منها، ينبغي أن يقابل بموقف كريم مثله منك، هذه تريد أن تضحي وهي الزوجة، وهي صاحبة الحقِّ، وأنتِ الآن ليس لكِ حق، لأنَّكِ ما زلتِ خالية، فينبغي أن تقابلي هذا الموقف الكريم من هذه السيدة الطيِّبة بموقفٍ آخر كريم، بأن تستعفِّي حتَّى يُغنيكِ الله من فضله، واسألي الله أن يكتب لكِ السعادة مع إنسان آخر تستحقينه ويستحقُّك.
(1) سبق تخريجه صـ 344.
(2) سبق تخريجه صـ 341.
(3) سبق تخريجه صـ 341.
(4) صدر مطلع سينيته الشهيرة، وعجز البيت: اذكرا لي الصبا وأيام أُنسي وهي قصيدته التي يعارض فيها سينية البحتري: صنتُ نَفْسي عما يدنِّس نَفْسي وترفَّعتُ عن ندى كل جبس انظر: أحمد شوقي الأعمال الشعرية الكاملة (2/45).