2026-07-21
165
تعدُّد الزوجات وحكمته
السؤال
أحبُّ أن أعلم لماذا يجيز الإسلام زواج الرجل بأربع زوجات، مع حصول الإساءة في استخدام هذا الحق عند بعض الرجال؟ ولماذا جاز للرسول ﷺ أن يتزوَّج إلى تسع زوجات، بينما لا يتجاوز غيره من أمته الأربع؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
كان النَّاس قبل الإسلام يتزوجون من شاؤوا من النساء؛ بغير قيد ولا شرط، حتَّى ذكروا أنَّ داود 0 : ، كان عنده ثلاثمائة امرأة ما بين زوجة وسرية، وأنَّ سليمان كان عنده سبعمائة امرأة كذلك.
رخصة الزواج من أربع وسوء استخدامها:
فلمَّا جاء الإسلام وضع لهذا التعدد حدًّا، وشرط له شرطًا.
فأمَّا الحدُّ؛ فجعل أقصى العدد أربعًا لا يزاد عليهن بحال: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ [النساء: 3]. ولمَّا أسلم رجل من ثقيف ومعه عشر نسوة، أمره الرسول أن يختار منهن أربعًا، ويُطلِّق الأخريات(1).
وأمَّا الشرط، فيتمثَّل في ثقة الرجل في نفسه بالعدل، وإلَّا حرم عليه الزواج بالمرأة الأخرى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾[النساء: 3]. وهذا إلى جوار توافر الشروط الأخرى لأي زواج، مثل: القدرة على الإنفاق، والقدرة على الإحصان.
وإنَّما أباح الإسلام ذلك لأنَّه دين واقعي، لا يُحَلِّق في مثاليات حالمة، ويترك مشكلات الحياة دون علاج مقدور عليه. فالزواج الثاني قد يحل مشكلة عند الرجل الَّذي لا تنجب امرأته، أو تطول عندها فترة الحيض، وهو قوي الشهوة، أو يصيبها المرض، ويستمر معها، ولا يريد أن يطلقها، إلى غير ذلك.
وقد يحل مشكلة عند المرأة الأرملة الَّتي يموت زوجها ولا تطمع في الزواج من شاب لا زوجة له، ومثلها المطلقة وهي شابة، وخصوصًا لو كان لها طفل أو أكثر.
وقد يحلُّ مشكلة عند المجتمع كلِّه، عندما يزيد عدد النساء الصالحات للزواج عن عدد الرجال القادرين على النساء، وهذا قائم باستمرار، ويزداد تفاقمًا بعد الحروب ونحوها.
فماذا نفعل بالعدد الفائض من النساء؟ إنَّها واحدة من ثلاث:
1 ـ إمَّا أن يقضين العمر كله محرومات من حياة الزوجيَّة والأمومة. وهذا ظلم لهن.
2 ـ وإمَّا أن يشبعن غرائزهن من وراء ظهر الدين والأخلاق، وهذا ضياع لهن.
3 ـ وإمَّا أن يقبلن الزواج من رجل متزوج، قادر على النفقة والإحصان، واثق بالعدل، وهذا هو الحل المناسب.
أمَّا سوء استعمال هذه الرخصة أو هذا الحق، فكم من حقوق يُساء استخدامها، ويتعسَّف في استعمالها، ولا يؤدي ذلك إلى إسقاطها وإلغائها!
الزواج الأول نفسه كم يُساء استخدامه، فهل نلغيه؟!
والحرية كم يُساء استخدامها، فهل نلغيها؟!
والانتخابات يُساء استخدامها، فهل نلغيها؟!
والسلطة أيًّا كانت يُساء استخدامها، فهل نلغيها وندع الحياة فوضى؟
إنَّ الأَولى ـ بدل أن ننادي بإلغاء الحق ـ أن نضع الضوابط لاستخدامه، ونعاقب من يسيء في ذلك، قدر ما نستطيع.
حكمة استثناء الرسول ﷺ بتسع نسوة دون سواه:
وأمَّا لماذا سمح للرسول ! أن يبقي على ذمته تسع نسوة من زوجاته، على حين لم يسمح لسائر المسلمين إلّا بأربع، وهو الحد الأقصى للتعدد، حتَّى إنَّ النبيَّ ! كان يأمر من أسلم وعنده عشر نسوة مثلًا: أن يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن؟!
فنقول جوابًا عن ذلك: أنَّ الله تعالى خصَّ رسوله ﷺ بهذا الأمر لسبب وحكمة معلومة، وهي: أنَّ نساء النبي لهنَّ من الأحكام والخصائص ما ليس لغيرهن من نساء الأمة.
فمن هذه الأحكام الخاصة بهن: أنَّه يحرم عليهن الزواج من أيِّ أحدٍ بعد رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزْوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦٓ﴾[الأحزاب: 53].
وكل امرأة تطلَّق من زوجها يحلُّ لها النكاح من أي مسلم بعد ذلك، فأكرمهن الله تعالى، وأبقاهن أزواجًا لنبيه؛ استثناءً وخصوصيةً لهنَّ لا لغيرهن، فلا يجوز أن يتزوج غيرهن، ولا أن يتبدَّل بهنَّ أخريات، وأن يبقى العدد كما هو. وفي هذا يقول تعالى لنبيِّه ﷺ :﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾[الأحزاب: 52].
ثم إنَّ الله تعالى أمر رسوله ! أن يخيِّر نساءه ـ بعد أن طالبن بالزيادة في النفقة وتحسين حالهن ـ بين الله ورسوله والدار الآخرة؛ على ما في ذلك من شظف وتقشف، وبين السراح الجميل والفراق بالمعروف، فكلهن اختار الله ورسوله والدار الآخرة، كما قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًۭا جَمِيلًۭا ٢٨ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًۭا﴾[الأحزاب: 28، 29].
فإذا كنَّ جميعًا اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورضين بحياة القناعة والزهد مع النبيِّ الكريم، فمن منهن يفارق الرسول؟ وفراق إحداهن يعتبر عقوبة أليمة لها، ولم تصنع شيئًا تستحق به العقوبة، وتحرم من أمومة المؤمنين.
لهذا مَنَّ الله بهذه الكرامة على نسائه التسع اللاتي اخترن الحياة معه على ما فيها من شدَّة وقلة، حتَّى إنَّه ليمر الهلال ثمَّ الهلال؛ وما يوقد في أبيات النبوة نار، إنَّما يعيشون على الأسودين: التمر والماء.
حكمة زواج الرسول ﷺ من نسائه التسع:
أمَّا حكمة الزواج من هؤلاء التسع من الأصل، فهي معروفة لكلّ دارس، فوراء الزواج من كل واحدة من نسائه قصَّة تحكي عن السبب الَّذي من أجله تزوَّجها، وقد كان الزواج من أي عدد جائزًا في ذلك الوقت.
ولا يتسع المقام لتفصيل هذا، ولكنَّنا نشير إليه إشارات تكفي في هذا المقام.
فمن المعلوم أنَّه ﷺ قضى شبابه وبعض كهولته حتَّى الخمسين من عمره مع امرأة واحدة، تكبره بخمس عشرة سنة، وقد تزوَّجها ثيبًّا، ولها أولاد من غيره، ومع هذا عاشا معًا أسعد ما يكون الأزواج، وظل يُكِنُّ لها الحب ويذكرها بالخير، ويهش لكلّ ما يذكِّره بها، حتَّى غارت منها زوجه الشابة عائشة وهي في قبرها.
وأول من تزوج بعدها: سودة بنت زمعة، وكانت امرأة كبيرة السن، لم يميِّزها شباب ولا جمال.
ثم أراد أن يخصَّ أقرب أصحابه إليه ـ وهو أبو بكر ـ بالزواج من ابنته برغم صغرها، ولكنَّ الإصهار إلى سيد القوم كان يعتبر عند العرب لونًا من الإعزاز والتكريم، فخطب إليه عائشة، مع أنَّها لم تكن تصلح للزواج في ذلك الوقت، ولم تدخل إلّا بعد سنوات.
وتزوَّج النبي الكريم ﷺ كذلك من حفصة بنت عمر الرجل الثاني بعد أبي بكر في القرب من النبي ﷺ ، وقد كان عمر عرضها على كل من صاحبه: أبي بكر وعثمان، فلم يردَّا عليه، وتزوجها النبي ﷺ تكريمًا وإعزازًا لعمر، كما فعل مع أبي بكر ^ .
وبهذا يكون الصحابة الأربعة المقربون من النبي ﷺ قد فازوا بمصاهرته، أعني بهم: أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، فمنهم من تزوج الرسول من بناتهم، ومنهم مَن زوَّجه مِن بناته، وهما: عثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا.
وتزوج أم سلمة، بعد أن استشهد زوجها في أحد، وقد كانت من المهاجرات في سبيل الله، اللاتي لهنَّ بلاء وموقف، فأراد أن يعوِّضها عن زوجها بضمِّها إلى نسائه، وقد اعتذرت منه حين خطبها بكبر سنها، واهتمامها بأولادها، فقال لها: «وأمَّا ما ذكرت من السنِّ فقد أصابني مثل الَّذي أصابك، وأمَّا ما ذكرت من العيال فإنَّما عيالك عيالي»(2).
وصفية بنت حُيَيّ، وأبوها حيي بن أخطب، الزعيم اليهودي المعروف الَّذي ألَّب على رسول الله ووقف ضدَّه في أكثر من معركة، وقد مات أبوها، وهلك أهلها، فلم يشأ الرسول ﷺ أن يدعها لأحد من أصحابه، بل كرَّمها وأخذها زوجةً له، حتَّى يَجْبُر مصيبتها، وينسيها فجيعتها.
وأم حبيبة: رملة بنت أبي سفيان بن حرب، زعيم قريش وقائدهم في حربهم للنبيِّ في أُحُد، وفي الأحزاب وغيرها، وقد كانت أسلمت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها، ثمَّ غلبت عليه الشقوة، وتركها مرتدًّا عن الإسلام، والعياذ بالله. فأراد الرسول أن يعوِّضها عن مصيبتها في زوجها، وأرسل إلى النجاشي يوكِّله في خطبتها وتزويجها منه، على رغم بعد الشقة بينها وبينه، وأمهرها بأربعة آلاف درهم، وبلغ ذلك أباها أبا سفيان أنَّ محمدًا تزوَّجها فقال: هو الفحل لا يقدع أنفه، اعتزازًا بمصاهرته.
وزينب بنت جحش ذكر الله قصَّتها في القرآن، وعلَّة زواجها، وهي إبطال ما كان شائعًا عند العرب من تحريم زوجة المتبنَّى على من تبناه، وقد كان هذا ممَّا بقي من آثار التبني، حتَّى نزل قوله تعالى:﴿ٱدْعُوهُمْ لِءَابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾[الأحزاب: 5].
وقد أراد الله لنبيه أن يقوم بهذه المهمَّة ـ وهي الزواج من امرأة متبنَّاه ـ على شدِّتها على نفسه، وصدمتها للمجتمع، قال تعالى:﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾، أي بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، أي بالعتق،﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا﴾[الأحزاب: 37].
وكذلك سائر نسائه، كان لكلّ واحدة منهن قصة، وللزواج منها حكمة. ومنها: توثيق الصلة بقبائل العرب عن طريق الإصهار إليهم، وكل هؤلاء النساء ـ ما عدا عائشة ـ كُنَّ ثيِّبات، ولم يُعرفن بجمال فائق، ولو شاء النبي ﷺ الزواج من جميلات أبكار العرب، لتقرَّبوا إليه بذلك، ولكنَّه كان يحلُّ بكل زواج مشكلة، أو يداوي جرحًا، ﷺ .
(1) رواه أحمد (4609)، وقال مخرِّجوه: صحيح بطرقه وشواهده. والترمذي (1128)، وقال: العمل عليه عند أصحابنا، منهم الشافعي وأحمد وإسحاق. وابن ماجه (1953)، وابن حبان (4156)، ثلاثتهم في النكاح، وصحَّحه الألباني في غاية المرام (226)، عن ابن عمر.
(2) رواه أحمد (16344)، وقال مُخَرِّجوه: رجاله ثقات. عن أم سلمة.