2026-06-16
125
شروط إباحة الزواج بالكتابية
هل يجوز للإنسان المسلم أن يتزوج امرأة إنجليزية غير مسلمة، وهو مسلم؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
القرآن الكريم يقول:﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: 5]. فأباح الله 4 طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم ومصاهرتهم، وأهل الكتاب هم: من كان عندهم كتاب سماوي في الأصل وإن بدَّلوه وحرَّفوه كاليهود والنصارى، فأباح الله تعالى أن يصاهرهم الإنسان، بأن يتزوج من محصناتهم، والمحصنات: أي الحرائر العفيفات. فيجوز للمسلم أن يتزوج المرأة الحرَّة العفيفة منهن، الَّتي تحافظ على عرضها وعلى سمعتها، وعلى شرفها، أمَّا غير المحصنة، الَّتي تجاهر بالفسق والفاحشة، فلا يجوز الزواج بها.
وقد خالف في ذلك بعض الصحابة، فحرَّم زواج المسلم بغير المسلمة، وقال: أهل الكتاب الآن مشركون؛ لأنَّ الله تعالى قال عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾[المائدة: 72]، وقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ﴾[المائدة: 73]. والقرآن قال:﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾[البقرة: 221]. وهل ترى شركًا أكثر من أن تقول: ربها عيسى؟! وهو رأي سيِّدنا عبد الله بن عمر(1)، ولكنَّ جمهور الصحابة وجمهور المسلمين قالوا بجواز الزواج منهن.
وهذا زواج خلاف الأولى، فالأولى بالمسلم أن يتزوج المسلمة، وليس أي مسلمة، بل يتزوج المسلمة المتديِّنة، حتَّى تكون عونًا له على طاعة الله، وسندًا له في تربية أولاده تربية صالحة، ولهذا قال النبي ﷺ : «فاظفر بذات الدين، تربت يداك»(2). فمن المهمِّ أن يحرص المسلم على الزواج بالمرأة المسلمة المتديِّنة.
ومن الشروط للزواج بالكتابيات أن يكنَّ عفيفات، وألَّا يكون في هذا الزواج تضييق على بنات المسلمين، فإنَّ المسلم إذا تزوج من غير بنات دينه، فمن يتزوجُ المسلمات؟ المرأة المسلمة لا يصح لها أن تتزوج غير مسلم، فلو أنَّ كل الشباب في بلدة معينة أو مدينة تزوجوا من غير المسلمات، فمعنى ذلك أن تبور بنات المسلمين، وخاصَّة في البلاد الَّتي فيها جاليات إسلاميَّة قليلة، إذا كانت جالية إسلاميَّة في بلد وأبيح للشباب المسلم الذكور أن يتزوجوا من غير المسلمات، معنى ذلك أنَّ سوق بنات المسلمين سيكسد، ففي هذه الحالة يحرم أن يتزوج إلَّا مسلمة.
وهناك شرط آخر وهو: ألَّا يخشى على دين أولاده منها، بأن تنشئهم على دينها، فجمهور العلماء قد أباحوا الزواج من غير المسلمة، لكن ذلك عندما كان سلطان الإسلام قويًّا، والمجتمع الإسلامي متمسك بدينه، والشريعة الإسلاميَّة تسود المجتمع، والأفكار الإسلاميَّة تسود العقول، والشعائر الإسلاميَّة معظَّمة، وسلطان الإسلام يسود حياة المسلمين كلها، فمن أجل ذلك أجازوا للمسلم أن يتزوج غير المسلمة، أمَّا في عصرنا هذا، فقد ضعف سلطان الإسلام في نفوس المسلمين.
فيصبح الإنسان في حرج من أن يفتي بجواز الزواج من غير مسلمة، حيث إنَّ أولاده سيصبحون تحت سلطانها، والمجتمع فيه فساد كبير، والأسرة هي الحصن الأخير للإسلام، فإذا ضعف سلطان الأسرة ضاع الدين.
ولهذا فمن الخطر أن يتزوج الإنسان بغير مسلمة، ويدع لها تربية الأولاد على حسب عقيدتها، وعلى حسب مفاهيمها، وخاصَّة أنَّ سلطان الأم قوي، فالأم كما قال حافظ إبراهيم:
الأم مـدرسة إذا أعددتـها
أعددت شعبًا طيب الأعراق(1)
فمن هنا أرى أن يمنع الزواج من غير المسلمات، إلّا لضرورة، والضرورات في هذه الحالة تقدَّر بقدرها، هذا ما ينبغي أن نقوله في مثل هذه المسألة، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يفقِّهنا في ديننا، وأن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، إنَّه سميع قريب.
(1) سبق تخريجه صـ 524.
(2) سبق تخريجه صـ 360.
(3) ديوان حافظ صـ 282، ضبط أحمد أمين وآخرين، نشر الهيئة المصرية للكتاب، ط3.