2026-06-15
15
استخدام الأطفال في سباق «الهجن»
كثر استخدام الأطفال فيما يسمَّى «سباق الهجن»، الأمر الَّذي قد يعرِّضهم لكثيرٍ من المخاطر، كما أنَّ حياتهم لا تخضع لأي شكل من أشكال التأمين.
فما هو رأي الشرع في هذا الموضوع؟
وبارك الله فيكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من الرياضات الَّتي عرفها العرب من قديم: «رياضة سباق الهجن» والهجن جمع هجين، وهو ضرب من الإبل خفيف الجسم سريع السير، وهو لفظ مولَّد كما في المعجم الوسيط، فهي رياضة عربية أصيلة، ولكنَّهم كانوا يستبقون على رواحلهم، وأيهم سبق كان له ما اتفقوا عليه من جائزة، ولكنَّها أصبحت الآن مختلفة عما كانت عليه من قبل. فالآن يشتري الأغنياء الإبل، المعدة لهذه الأنواع من السبق، بمليون أو مليونين أو ثلاثة ملايين، أو أقل أو أكثر، ويتنافسون في شرائها، لأنَّها أصبحت تمثل لهم رافدًا تجاريًّا. ثمَّ لا يركبونها هم، بل يأتون بالأطفال يُستأجرون لركوب «الهجن» من البلاد الفقيرة؛ مثل السودان أو باكستان أو بنجلاديش أو غيرها.
وأحيانًا ينتج عن ركوب الأطفال للهجن إصابات للطفل في ظهره، أو يسقط من فوق الهجين فيموت، أو تترك له عاهة تظل معه طوال حياته، دون أن يشفى منها، ممَّا يستحق عليه دية أو أكثر من دية، ولكنَّه لا يعطى هذا التعويض ولا أهله، وهذا أمر غير مقبول شرعًا.
وعلى المسؤولين عن هذه الرياضة: أن يعودوا بهذا السباق إلى طبيعته وفطريته؛ بحيث يكون سباقًا بين الهجن وركابها الحقيقيين من الرجال، كما في سباق الخيل، فإنَّه سباق بين الخيل وفرسانها معًا، إذ لا ينفصل الحصان عن راكبه، وكذلك لا ينبغي أن ينفصل الهجين عن راكبه.
فإذا أصرَّ الَّذين يقيمون هذا السباق وينظمونه على اعتبار هذا السباق للهجن وحدها مستقلة عن ركابها من الرجال، وأصروا على استخدام الأطفال، فعليهم البحث عن بدائل عن الأطفال، كالاستعانة بطفل آلي يركب الهجين، بدلًا من الطفل الحقيقي، الَّذي قد يتعرَّض لكثير من المخاطر، وبخاصَّة أنَّ الراكب في صورة السباق الحالية لم يعد له قيمة، ومن الممكن أن تقوم الآلة مقامه.
فإن كان ولا بدَّ من الأطفال، فلا بدَّ أن يتم ذلك بعقود واضحة، وبأجور عادلة، وبتأمين على هؤلاء الأطفال، على حياتهم وسلامتهم تأمينًا إسلاميًّا.
فمن الظلم الواقع على هؤلاء الأطفال، أطفال الهجن: أنَّهم لا يأخذون بدل إصابة، ولا الأجر المناسب، وإذا ماتوا لا تدفع لأهلهم دية كاملة، وهذا ظلم بَيِّن، وهضم للحقوق لا يرضى به الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾[النساء: 92]، ولا يجوز أن يهدر دم في الإسلام. وكل هذا يجعل الغرب يشنِّع بنا نحن العرب، من حيث استغلال الأطفال والإضرار بهم. والقوانين الدولية، ومواثيق حقوق الإنسان، وحقوق الطفل، كلها تمنع استغلال الأطفال في مثل هذا العمل.
وأنا أنادي الإخوة العرب، والخليجيين منهم خاصة: أن يبحثوا عن بدائل لهؤلاء الأطفال، وإن كان لا مفر منهم، فلا بدَّ من الأجر المناسب المجزي، وأمَّا من يصاب فلا بدَّ من علاجه ودفع تعويض له، لأنَّ كثيرًا ما يدفع الطفل ثمن هذه اللعبة حياته، أو عجزًا كاملًا في جسده. فلا بدَّ من تعويضه أو تعويض أهله. والله أعلم.